بابا قالي أنها مش هتوجعني
"بابا قال لي إنها مش هتوجع.. بس هي بتوجع أوي" - كلمة بريئة طلعت من شفايف طفلة صغيرة خلت المدرسة تتجمد في مكانها، وتكتشف إن ورا الوشوش الهادية والبيوت المقفولة بتستخبى بشاعة وجرايم مفيش عقل بشر يستحملها!
المدرسة نادية مكنتش ناوية تركز في تفاصيل اليوم ده بالذات، الدوشة في الفصل كانت مسمعة لآخر الممر، وعيال تانية ابتدائي داخلين وخارجين، وصوت الضحك واللعب مالي المكان. بس الحركة اللي حركتها الطفلة مريم وهي بتقعد على الدكة خلت نادية تقف مكانها وعينها تتثبت عليها. البنت قعدت ببطء شديد، ووشها اتلوى من الوجع لثانية واحدة، وحطت إيدها الصغيرة على ضهرها كأنها بتداري حاجة كاوياها. مريم كانت دايماً بنت هادية، شاطرة، من الأوائل، ولبسها نضيف ومكوي بالمسطرة، وأبوها أستاذ حازم راجل معروف في المنطقة بأدبه وطيبته، وعمره ما ساب فرض في المسجد. مفيش أي حاجة في المظاهر دي تقول إن البنت دي فيها حاجة غلط، بس النظرة اللي في عين البنت مكدبتش؛ نظرة خوف وكسرة مش بتاعة عيلة عندها سبع سنين. نادية استنت لحد ما الحصة خلصت والعيال كلها جريت على الحوش في الفسحة، وندهت عليها بصوت حنين وهي بتقرب من دكتها.
تعالي يا مريم يا حبيبتي، قولي لي، مالك؟ في حاجة بتوجعك؟
البنت اتجمدت مكانها، وإيدها قفشت في حرف الشنطة بقوة، وبصت للأرض وهي بتهز راسها بالنفي بسرعة مبالغ فيها كأنها بتسمع كلام محفظاه لها حد جوة البيت.
لأ يا أبلة نادية، أنا كويسة ومفيش أي حاجة.
نادية قعدت على ركبها قدام الطفلة عشان تبقى في نفس مستوى عينيها، ومسكت إيدها براحة، وحست برعشة
خفيفة
أنا عارفاكي يا مريم وعارفة إنك شاطرة ومش بتكذبي، قعدتك النهاردة مش عاجباني، لو في أي حاجة مضيقاكي قولي لي، متخافيش.
دمعة رفيعة جداً نزلت من عين مريم واختفت بسرعة وسط شعرها المنكوش، وبلعت ريقها بصعوبة، وبصوت مهزوز وواطي جداً كأنه همس خايف من حيطان الفصل، قالت الجملة اللي خلت الدم يهرب من وش نادية: بابا قال لي إنها مش هتوجع يا أبلة.. بس هي بتوجع، بتوجعني أوي ومش قادرة منها. نادية حست بقشعريرة ضربت جسمها كله، إيدها اتحركت بالراحة ورفعت طرف المريلة الكحلي بتاعة البنت من ورا بالراحة، وأول ما شافت ضهر البنت، كتمت صرختها بإيدها، وعينها وسعت من الرعب؛ ضهر الطفلة كان متشرح، علامات وحروق قديمة وجديدة مرسومة على جلدها الناعم كأنها لوحة تعذيب بشعة، وحاجات تانية مستحيل تكون نتيجة عقاب عادي أو غلطة طفولية. في اللحظة دي، نادية أدركت إن الأب المثالي اللي البلد كلها بتحلف بحياته، مخبي ورا باب بيته المقفول وحش مريض بيعذب بنته، والكلمة البريئة اللي مريم نطقتها مكنتش مجرد شكوى، دي كانت مفتاح لسر مرعب وأكبر بكتير من مجرد ضرب عائلي...
الكارثة مش في اللي نادية شافته على ضهر مريم بس، المصيبة الكبيرة في السر اللي مخبياه البنت والسبب الحقيقي ورا الحروق دي، والتحقيق اللي هيتفتح بالليل هيصدم المنطقة كلها وهيطلع بلاوي مكنش حد يتخيلها!
لو عاوزين تعرفوا إيه السر اللي مخبياه مريم وإيه اللي هيحصل لأبوها حازم لما نادية تتحرك، لايك
فضلت أبلة نادية متجمدة مكانها لثواني وهي بتبص على ظهر مريم. عقلها كان
بيرفض يصدق
أخدت نفسًا عميقًا، وغطت ظهر مريم برفق، ثم ضمتها إليها.
سألتها بهدوء:
"مين اللي عمل فيكي كده يا مريم؟"
سكتت البنت في الأول، وبعدين بدأت دموعها تنزل واحدة وراء التانية.
قالت بصوت متقطع:
"بابا... بس قال لي ما أقولش لحد."
شعرت نادية أن قلبها انقبض.
لكنها لم تضغط عليها أكثر في تلك اللحظة.
في نفس اليوم، أبلغت إدارة المدرسة بالواقعة، وتم التواصل مع الجهات المختصة وفق الإجراءات القانونية الخاصة بحماية الأطفال.
في المساء، بدأت التحقيقات.
في البداية، كان حازم هادئًا وواثقًا جدًا من نفسه.
دخل وهو يبتسم للجميع.
كان يعرف كيف يظهر بصورة الأب المثالي.
تكلم بأدب.
وقدم نفسه كرجل محترم.
وقال إن ابنته كثيرة الحركة وتسقط كثيرًا أثناء اللعب.
لكن التقارير الطبية كانت لها قصة أخرى.
الفحص أثبت أن الإصابات متكررة وعلى فترات مختلفة.
بعضها قديم.
وبعضها حديث.
وكلها لا يمكن تفسيرها بالحوادث العادية.
ومع استمرار التحقيق، بدأت الحقيقة تظهر تدريجيًا.
الجيران تذكروا أصوات بكاء متكررة في أوقات متأخرة من الليل.
إحدى القريبات اعترفت أنها لاحظت خوف مريم الشديد من والدها لكنها لم تتدخل.
ومع كل شهادة جديدة، كانت الصورة تزداد وضوحًا.
أما الصدمة الكبرى فجاءت من والدة مريم نفسها.
فبعد سنوات من الصمت والخوف، قررت أن تتكلم.
اعترفت أنها كانت تتعرض للترهيب والتهديد باستمرار.
واعترفت أنها كانت ترى ما يحدث لابنتها
لكنها
كانت تبكي وهي تدلي بأقوالها.
وتردد باستمرار:
"كنت فاكرة إنه هيتغير... كنت فاكرة إنه هيبطل."
لكن الأمور لم تتغير.
بل كانت تزداد سوءًا عامًا بعد عام.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وأُبعدت مريم عن أي بيئة قد تعرضها للأذى حتى انتهاء التحقيقات.
ولأول مرة منذ سنوات، بدأت الطفلة تنام ليلًا دون خوف.
في الأسابيع الأولى، كانت تستيقظ مفزوعة من النوم.
كانت تلتفت حولها بسرعة وكأنها تبحث عن شخص سيعاقبها.
لكن مع الوقت، بدأت تضحك من جديد.
بدأت ترسم.
وتلعب.
وتشارك زميلاتها في المدرسة.
وفي كل مرة كانت أبلة نادية تراها تبتسم، كانت تشعر أن كل ما فعلته كان يستحق.
مرت شهور طويلة.
واكتملت التحقيقات.
وصدر الحكم.
لم يكن أهم شيء بالنسبة لمريم هو الحكم نفسه.
ولا الأخبار التي ملأت المنطقة.
ولا كلام الناس.
كان أهم شيء أنها أصبحت تشعر بالأمان.
في آخر يوم دراسي من العام، دخلت مريم الفصل وهي تحمل ظرفًا صغيرًا.
اقتربت من أبلة نادية وأعطته لها.
فتحت نادية الظرف.
وجدت بداخله رسمة بسيطة لطفلة تمسك بيد معلمة.
وفوقهما شمس كبيرة.
وفي أسفل الورقة كلمات مكتوبة بخط طفولي مهزوز:
"شكرًا يا أبلة نادية.
أنتِ أول حد سمعني."
لم تستطع نادية أن تمنع دموعها.
ضمت مريم إلى صدرها.
وقالت:
"لا يا حبيبتي...
أنتِ اللي كنتِ شجاعة.
أنتِ اللي اتكلمتي."
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة.
ثم خرجت تجري مع زميلاتها إلى فناء المدرسة.
كانت تضحك.
ضحكة حقيقية.
ضحكة طفلة عادت لها طفولتها
أخيرًا.
أما نادية فظلت واقفة تراقبها من بعيد.
وعرفت وقتها أن كلمة واحدة صادقة من طفل قد تغير حياة كاملة.
وأن الإصغاء أحيانًا يكون أقوى من أي شيء آخر