صندوق الذكريات المسموم: القصة الكاملة

لمحة نيوز

رماد الماضي

​اسمي ليلى.

أبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً، وحتى يوم الخميس الماضي، كنت أعتقد يقيناً أن للحزن قاعاً يمكن الوصول إليه، وأن الألم ينتهي يوماً ما.

​توفي زوجي “آسر” منذ عامين في حادث سير مروع على طريق الإسكندرية الصحراوي. أو على الأقل، هذا ما أخبروني به حينها.

​مكالمة هاتفية وردتني في الثالثة والربع فجراً، قلبت حياتي رأساً على عقب. سيارة محترقة بالكامل، وجثة تفحمت ملامحها لدرجة استحال معها التعرف عليها. كانت جنازة سريعة، مغلقة، لم أطالع فيها سوى صورة محاطة بشريط أسود، ووجوه معزية تهمس لي بكلمات المواساة، بينما كان عالمي بأكمله يتحول إلى رماد.

​بعدها، تقلصت حياتي لتصبح باهتة وميكانيكية. كنت أعمل محللة مالية في شركة تأمين كبرى. أخرج من منزلي قبل الثامنة صباحاً، وأعود بعد هبوط الظلام. أتناول ما يبقيني على قيد الحياة، وأنام على صوت التلفاز، لأن الصمت في منزل الأرملة له أنياب تنهش الروح.

​كنت أظن أنني أنام وحدي.. حتى تغير كل شيء.

​همسات مسمومة

​بدأت حماتي، “الحاجة كريمة”، تضيق الخناق عليّ. كانت تسكن على بُعد شارعين مني، ولم تتقبل يوماً رفضي الانتقال للعيش معها بعد رحيل آسر.

​كانت تقتحم عزلتي بزيارات مفاجئة؛ تارة تحمل طعاماً، وتارة أخرى تحمل بخوراً، وفي أغلب الأحيان لم تكن تحمل سوى السم الزعاف في كلماتها:

​”الأرملة الشابة لا ينبغي أن تضحك بصوت عالٍ يا ليلى.”

“المرأة التي تعيش وحدها مطمع للجميع، والناس لا ترحم.”

​كنت أتجاهل تلميحاتها، حتى جاء ذلك المساء.

كنت أصف سيارتي حين رأيتها تقف أمام بوابة العمارة، مكتوفة الذراعين، بشفتين

مزمومتين، وعينين تلتمعان بشيء لم يكن حزناً على الإطلاق.. بل كان نظرة انتصار.

​قالت ببرود: “أنا أعرف جيداً ما تفعلينه.”

عقدت حاجبيّ باستنكار: “لم أفهم، ماذا تقصدين؟”

أطلقت ضحكة صفراء وأردفت: “لا تدّعي البراءة.. كل يوم في فترة الظهيرة، هناك رجل غريب يدخل بيتكِ بينما أنتِ في العمل.”

​سقط قلبي بين قدميّ.

أكملت بصوت فحيح: “جارتكِ رأته، وعامل التوصيل شاهده، حتى حارس البناية أكد أن هناك رجلاً يملك مفتاحاً يدخل ويبقى لساعات. فسّري لي إذن لماذا يسمع الجيران صوت رجل داخل شقتك؟”

​اقشعر بدني. لم أقو على الرد، ليس بسبب الاتهام، بل بسبب نبرة الشماتة في صوتها، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتكسرني.

صعدت إلى شقتي وأنا أقنع نفسي بأنها مجرد شائعات نساء متفرغات. لكن في تلك الليلة، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة ومربكة:

​منشفة المطبخ كانت مطوية بطريقة غير التي اعتدت عليها.

 

​الكوب المعدني بجوار الحوض تفوح منه رائحة عصير خفيفة.. (آسر كان يشرب العصير دائماً في أكواب معدنية لتحتفظ ببرودتها).

​سترته الزرقاء القديمة التي احتفظت بها في كيس بلاستيكي لأحتفظ برائحته، كانت ملقاة بإهمال خارج مكانها، وكأن أحدهم أخرجها، عانقها، ثم رماها.

​الكمين

​لم أذق طعم النوم. وفي الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً، قمت بروتيني المعتاد:

​ارتديت ملابس العمل.

​حملت حقيبة حاسوبي المحمول.

​أغلقت الباب بصوت مسموع.

​أدرت محرك سيارتي ولوحت للحارس.

​لكنني لم أذهب للعمل. ركنت سيارتي خلف صيدلية مغلقة في شارع جانبي، وعدت أدراجي مشياً عبر الأزقة الخلفية، ملتحفة بوشاح كبير يخفي

ملامحي. كانت يداي ترتجفان بشدة حتى أن المفتاح سقط مني مرتين قبل أن أتمكن من فتح الباب.

​كانت الشقة هادئة، صامتة، ومترقبة.

خلعت حذائي، وفتشت الغرف بخفة. لا أحد.

دخلت غرفة النوم، وحشرت نفسي داخل خزانة الملابس الخشبية القديمة؛ ذات الخزانة التي كان آسر يمازحني يوماً قائلاً إنها تتسع لتخبئة حياة أخرى كاملة.

​في تمام الساعة 12:06 ظهراً، سمعت وقع خطوات خارج الباب.

لم تكن خطوات عامل توصيل، ولا عاملة نظافة. كانت خطوات واثقة، هادئة، لشخص يحفظ مسارات المنزل شبراً بشبراً.

​انزلق المفتاح في القفل.

جف ريقي من الرعب.

طَق.

انفتح الباب بلا تردد. دخل الشخص وأغلق الباب خلفه بهدوء.

ثم تردد صوته في أرجاء الصالة المفرغة:

“هل غادرت؟”

​شبح في وضح النهار

​حبست أنفاسي، ووضعت يدي على فمي لأكتم شهقة كادت تمزق حنجرتي.

الصوت.. هذا الصوت محفور في أعماق ذاكرتي.

نظرت من خلال شق صغير بين دفتي الخزانة. رأيت ظله يقترب من الغرفة. دخل بخطوات متمهلة، ألقى بمفاتيحه على التسريحة، وخلع سترته.

​كان هو.

آسر.

​لم يكن شبحاً. كان حياً يرزق. ظهرت على جانب عنقه ندبة حرق قديمة لم تكن موجودة، وشاب شعره قليلاً، لكنه كان هو، بلحمه ودمه.

​كان يضع الهاتف على أذنه، ويكمل محادثته:

“نعم يا أمي، لقد غادرت كعادتها. لا تقلقي، هي غبية ولن تلاحظ شيئاً. أنا أحرص على ترتيب كل شيء قبل خروجي.”

​أمي؟

كان يتحدث إلى الحاجة كريمة!

توسعت عيناي في صدمة شلت أطرافي. حماتي التي كانت تتهمني بالشرف البارحة، كانت تعرف أن ابنها حي! كانت تلعب بعقلي لتدفعني للجنون، أو ربما لتجبرني على ترك المنزل طواعية.

​تابع آسر حديثه ببرود قاسي:

“الأمور تسير كما خططنا. شركة التأمين التي تعمل بها ليلى صرفت مبلغ التعويض بالكامل بعد مرور عامين على الحادث. بمجرد أن أنتهي من تصفية الحسابات الوهمية التي فتحتها باسمها، سنسافر. فقط أحتاج للبحث عن ملف وثائق التأمين القديمة، أظنها خبأته هنا.”

​الحقيقة الباردة

​في تلك اللحظة المظلمة داخل الخزانة، مات آسر في قلبي للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يكن الموت في حادث سير، بل في أبشع صور الخيانة.

​لقد زيف موته. استغل منصبي في شركة التأمين، وربما استعان بجثة شخص مجهول في تلك السيارة المحترقة ليحصل على ثروة طائلة، وتركني أعيش في حداد وعذاب نفسي، بينما كانت أمه شريكته في هذه المسرحية الدنيئة.

​كان يبحث في أدراج مكتبي القريب من الخزانة، يبعد عني سنتيمترات قليلة. لو عطست، لو تحركت حركة خاطئة، لانتهى أمري.

​لم أبكِ. الغريب أن الدموع جفت تماماً.

تحول الحزن الذي سكنني لعامين إلى صقيع بارد يسري في عروقي. أخرجت هاتفي المحمول من جيبي ببطء شديد، فتحت الكاميرا، وبدأت في تسجيل الفيديو من خلال الشق.

سجلت وجهه، صوته، واعترافاته الكاملة لوالدته عبر الهاتف.

​انتهى آسر من بحثه بعد ساعة، أخذ بعض الأوراق، شرب من كوبه المعدني، ثم غادر الشقة تاركاً خلفه رائحة عطره المألوفة.

​خرجت من الخزانة بعد أن تأكدت من مغادرته. نظرت إلى الشقة التي كانت سجناً لأحزاني، وابتسمت ابتسامة لم تعرف طريقاً لوجهي منذ عامين. لم أعد الأرملة المكسورة، ولم أعد الزوجة المخدوعة.

​جلست على الأريكة، وأرسلت مقطع الفيديو إلى ثلاثة أرقام:

رئيسي في قسم مكافحة الاحتيال

بشركة التأمين.

مدير المباحث الجنائية.

والحاجة كريمة، مرفقاً برسالة قصيرة:

“الأرملة الشابة ستضحك بصوت عالٍ جداً اليوم يا حماتي العزيزة.”

تم نسخ الرابط