في فرح اخويا حكايات اسما
حاول أن ينهض فسقط مرة أخرى، عرق بارد غطى جبهته، وشفته ارتجفت كأنه يحاول التمسك بالحياة أو ربما يحاول إنكار ما يحدث له.
آية ظلت جالسة في مكانها، ظهرها مستقيم، يداها متشابكتان في حجرها، قلبها يخبط بعنف لكن وجهها كان هادئًا على نحو غريب، لم تصرخ، لم تندفع نحوه، لم تمثل دور العروس المفزوعة كما كان متوقعًا منها، فقط نظرت إليه بنظرة طويلة صامتة، نظرة امرأة فهمت أخيرًا كل ما لم تفهمه من قبل.
أحد الحضور اقترب وهو يهتف اطلبوا إسعاف بسرعة، آخر جرى ناحية الخارج، والمقدم حاول إنقاذ الموقف بصوت مرتعش، لكن القاعة كانت قد انكسرت، لم يعد هناك زفاف، لم يعد هناك نخب، لم يبق سوى رجل يحتضر وسط زينته البيضاء وامرأة تقف على حافة حقيقة قاسية.
نُقل فؤاد إلى المستشفى وسط فوضى عارمة، سيارات الإسعاف، همهمات، بكاء، تساؤلات، اتهامات مبطنة، وآية كانت تجلس في سيارة أخرى بصحبة والدها، رأسها مائل إلى النافذة، تنظر إلى أضواء الشارع دون أن تراها، تستعيد المشهد من أوله، كلمات عامل النظافة، الكأس، اللمسة الثقيلة، الابتسامة الباردة، وكأن كل شيء كان إشارة واضحة لكنها لم تملك الشجاعة
في المستشفى أُدخل فؤاد العناية المركزة، أطباء يتحركون بسرعة، أجهزة، أصوات متداخلة، تشخيص أولي بتسمم حاد، المادة غير معروفة بعد، ووجوه العائلة تجمدت، السؤال الوحيد الذي تكرر همسًا وصراخًا هو كيف ولماذا.
جلست آية في صالة الانتظار، فستانها الأبيض اتسخ عند الحافة، طرحتها انزلقت عن رأسها، لكن لم يكن ذلك مهمًا، لم تعد تلك العروس، لم تعد تلك المرأة التي جاءت لتبدأ عمرًا جديدًا، كانت الآن امرأة تحاول فهم كيف نجت من موت محقق دون أن تموت معه.
بعد ساعات خرج الطبيب بوجه متجهم، أعلن أن الحالة مستقرة مؤقتًا لكن الخطر لم يزُل، وأن المادة المستخدمة قوية ومقصودة وليست عرضية، وأن التحقيق سيأخذ مجراه، هنا فقط بدأت العيون تلتفت إلى آية، نظرات غير منطوقة، تساؤلات صامتة، بعض الشك، بعض الاتهام، وبعض الفضول القاسي.
اقتربت منها شقيقة فؤاد وسألتها بصوت منخفض لكنه حاد، حصل إيه بالضبط، آية رفعت عينيها ببطء وقالت الحقيقة كما هي، قالت إن شخصًا حذرها، قالت إنها بدلت الكأسين، قالت كل شيء دون تردد، ساد صمت أشد من صمت القاعة، صمت ثقيل لا يحتمل، ثم انفجرت
وصلت الشرطة، التحقيق بدأ، عامل النظافة تم استدعاؤه، تبيّن أنه رأى فؤاد وهو يضع شيئًا في الكأس أثناء انشغاله بالضيوف، حاول إبلاغ أحد لكنه لم يجد إلا العروس، فعل ما استطاع ثم انسحب، تحليل المعمل أكد أن المادة مخدرة قوية كانت ستفقد آية وعيها تمامًا خلال دقائق.
هنا انقلبت القصة، من عروس متهمة إلى ضحية نجت بأعجوبة، ومن رجل أعمال محترم إلى مشتبه به يحمل تاريخًا بدأ يتكشف ببطء، علاقات سابقة انتهت فجأة، زوجة أولى توفيت في ظروف غامضة، شريكة أعمال اختفت من المشهد، ملفات قديمة أُغلقت بسرعة مريبة.
آية عادت إلى بيت والدها بعد أيام، الزفاف أُلغي، الخبر انتشر، الناس تحدثت، بعضهم تعاطف، بعضهم شكك، لكنها لم تعد تهتم، كانت تحاول فقط أن تعود إلى نفسها، أن تفهم كيف سمحت لنفسها أن تقترب من هذا الحد من الخطر دون أن تنتبه.
في الليل كانت تستيقظ فزعة، ترى الكأس يسقط، ترى عينيه الباردتين، تسمع عبارة أوعي تشربي، لكنها مع كل فجر جديد كانت تشعر بقوة مختلفة، قوة امرأة كُتب لها عمر آخر.
بعد أسابيع صدر القرار الرسمي بفتح تحقيق موسع في كل ما يخص فؤاد، وُضع تحت الحراسة في المستشفى، ثم نُقل إلى السجن بعد تحسن حالته، لم تسعَ آية للانتقام، لم تزره، لم تحاول مواجهته، تركت العدالة تأخذ مجراها، واكتفت بأنها نجت.
مرت الشهور، الحياة عادت ببطء، آية بدأت علاجًا نفسيًا، عادت لعملها، أعادت ترتيب بيتها وغرفتها وأفكارها، تعلمت أن الثقة لا تُمنح لمجرد الاحتياج، وأن الهدوء قد يخفي أخطر العواصف.
وفي يوم عادي، بينما كانت تشتري قهوتها من مقهى صغير، رأت عامل النظافة نفسه، تعرفت عليه فورًا، ابتسمت له، شكرته بعينيها قبل كلماتها، قال لها بهدوء الحمد لله إنك سمعتي، أومأت برأسها ومضت، تشعر أن بعض الغرباء يمرون في حياتنا فقط لينقذونا ثم يختفون.
عادت آية إلى بيتها ذلك اليوم، وقفت أمام المرآة، نفس المرآة التي وقفت أمامها يوم الزفاف، لكن الوجه كان مختلفًا، أكثر وعيًا، أقل خوفًا، امرأة خرجت من حافة الموت لتبدأ حياة لا تقوم على الوهم، بل على الاختيار.
وأدركت أخيرًا أن نجاتها لم تكن صدفة، بل فرصة، وأن بعض النهايات المؤلمة ليست إلا بدايات مؤجلة، وأن الكأس الذي لم
تمت