قصة رشدي أباظة مع أمه وابنته

لمحة نيوز

كان رشدي أباظة يدرك دائمًا أنه ليس مجرد رجل عادي، بل هو الدنجوان الذي انحنت لجماله الشاشات، والرجل الذي جمع بين أرستقراطية العائلة الأباظية وخشونة ابن البلد. لكن في تلك الأيام من عام 1980، بدأت تلك القوة الأسطورية تتآكل. الصداع الذي لم يكن يفارقه لم يعد مجرد ضريبة للسهر أو ضغط العمل، بل كان نذيراً لشيء أعمق ينهش في رأسه. وحينما اشتد الألم، بدأت رحلة الفحوصات التي بدأت في القاهرة وانتهت في لندن، وهناك، خلف الأبواب المغلقة، وقف الطبيب ليواجه السيدة تيريزا لويجي، والدة رشدي الإيطالية، بالحقيقة الصارمة التي لا تجملها كلمات يا هانم، رشدي في مرحلة متقدمة من سرطان المخ، والأمر مسألة وقت ليس إلا.
في تلك اللحظة، لم تسقط تيريزا

مغشياً عليها، ولم تنهمر دموعها بغزارة كما تفعل الأمهات في بلادنا الشرقية. كانت امرأة يسيطر عليها منطق مختلف، منطق نشأت عليه في أوروبا، حيث الحسابات المادية أحياناً تسبق المشاعر في لحظات الحسم. نظرت تيريزا إلى ابنها الراقد خلف الباب، ولم ترَ فيه الشاب الذي ملأ الدنيا ضجيجاً، بل رأت ثروة على وشك أن تتبعثر. كانت قد كتبت له في سنوات رخائه الكثير من ممتلكاتها، عقارات وأراضي وتنازلات، ظناً منها أنه السند الذي سيبقى، لكن مع قرب رحيله، استيقظ بداخلها هاجس الميراث. كانت تعلم أن رشدي ليس له ولد، بل ابنة وحيدة هي قسمت، وبموجب الشريعة والقانون، فإن إخوته من أبيه، الذين لم تكن تطيقهم ولا يطيقونها، سيشاركون في ورثه، وبالتالي سيعود
جزء كبير من ثروتها إلى عائلة أباظة التي طالما شعرت تجاهها بالغربة والعداء.
دخلت تيريزا غرفة رشدي، وبدلاً من أن تضمه إلى صدرها لتمسح عنه آلامه، بدأت تتحدث بلغة الأرقام. قالت له ببرود يحسدها عليه التماثيل إنها تريد استرداد الممتلكات التي كتبتها باسمه. وقعت الكلمات على مسامع رشدي كأنها طعنات متتالية. لم يكن يصدق أن أمه، التي لطالما أحبها برغم قسوتها أحياناً، هي أول من أعلن وفاته وهو لا يزال يتنفس. سألها بذهول وصوت مخنوق أنا لم أطلب منكِ يوماً أن تكتبي لي شيئاً، ولم أكن أعلم أن هذا المال يمثل لكِ أكثر من حياتي، أخبريني بصراحة، هل هذا يعني أنني سأوت؟. لم تجب الأم، لكن نظراتها العملية كانت كافية.
اعتزل رشدي العالم لثلاثة أيام
بلياليها. أغلق بابه، ورفض الطعام والشراب، ورفض مقابلة أصدقائه المقربين الذين لم يفارقوا ردهات المستشفى. في تلك العزلة، دار شريط حياته أمام عينيه؛ الشهرة، النساء، المال، الصيد، والضحكات التي كانت تهز أركان السينما. اكتشف أن كل هذا لم يحمه من طمع أقرب الناس إليه. فهم أن أمه قد صكّت شهادة وفاته قبل الأوان لتنقذ حفنة من العقارات. في اليوم الرابع، خرج رشدي من غرفته بملامح
شاحبة ولكن بنظرة حاسمة. طلب المحامي، وطلب من أمه أن تحضر كل الأوراق. وبيد مرتعشة بفعل المرض ولكن ثابتة بفعل الكبرياء، وقع على التنازلات كاملة. أعاد لها كل ما وهبته إياه، وكأنه يغسل يده من علاقة مادية شوهت قدسية الأمومة في نظره.
لكن الموقف الذي تعرض له رشدي

تم نسخ الرابط