قصة رشدي أباظة مع أمه وابنته

لمحة نيوز

 أباظة فجّر بداخله رغبة في فعل المستحيل أو ما لم يتوقعه أحد. لم ينكسر، بل قرر أن يدير معركته الأخيرة مع الموت ومع البشر بطريقته الخاصة. أول ما فعله هو تأمين ابنته قسمت. كان يعرف أن الصراعات ستبدأ بمجرد خروج روحه، فقام ببيع وتوزيع ما تبقى من ثروته الخاصةالتي جناها بعرقه وفنهعلى ابنته في حياته، لدرجة أنه لم يترك لنفسه شيئاً يذكر ليورث. أراد أن يقطع الطريق على أي شخص يطمع في قرش واحد من كدحه، بما في ذلك والدته التي صدمته بموقفها.
ثم التفت إلى رفاق رحلته من العمال والخدم والبسطاء الذين أحبوه بصدق. استدعى مساعديه الذين قضوا معه سنوات طويلة، وقام بصرف مكافآت ضخمة لهم، ووزع عليهم مبالغ مالية كانت كفيلة بتأمين حياتهم، وكأنه يقول للعالم إن الغرباء كانوا أحنّ عليه من الأقرباء. وفي ذروة الألم، وبينما كان جسده يذوي، اتخذ القرار

الأكثر غرابة والذي صدم عائلته الكبيرة؛ فقد رفض تماماً أن يدفن في مقابر الأسرة الأباظية العريقة بالشرقية، تلك المقابر التي تليق بالباشوات والأعيان. طلب من صديقه المقرب مرسي أن يبني له مقبرة في منطقة نزلة السمان عند الأهرامات، وهي منطقة شعبية بسيطة مقارنة بتاريخ عائلته. وليس هذا فحسب، بل اشترط أن تُفرش أرضية المقبرة ب الحنة والرمل، وهي وصية غريبة تعكس رغبته في أن يحتضنه تراب الأرض ببساطة، بعيداً عن ألقاب العائلة وصراعاتها التي تذوق مرارتها في مرضه.
استمر رشدي في المقاومة، لكن المرض كان أسرع. وفي أيامه الأخيرة بمستشفى الكاتب، وصل الصراع النفسي بينه وبين والدته إلى ذروته. كانت تيريزا تحاول الدخول إليه، ربما بدافع الندم أو لتطمئن على تنفيذ بقية الإجراءات، لكنه كان يأمر الممرضات بمنعها. قال لصديقه الماكير الشهير محمد عشوب بمرارة
لقد قتلوني وهم ينتظرون موتي.. لا أريد أن أرى من عدّوا أيامي بالورقة والقلم. كان رشدي يشعر بالوحدة برغم زحام المحبين من حوله. حتى زوجاته السابقات، اللواتي أحبهن وأحببنه، كنّ يقفن عاجزات أمام جبروت مرضه وجبروت موقفه من أمه.
في اللحظات الأخيرة، تجلت روح رشدي أباظة الحقيقية. عندما شعر أن الروح تتهيأ للرحيل، توقف عن الكلام عن المال وعن أمه وعن الحقد. بدأ يتلو آيات من القرآن الكريم، وهو الذي عاش حياته عابثاً محباً للحياة، لكنه في النهاية عاد إلى فطرته الأولى. توفي رشدي أباظة في 27 يوليو 1980، وخرجت جنازته مهيبة، لكنها لم تكن جنازة أرستقراطية
باردة، بل كانت جنازة شعبية تليق بملك أحبه الناس. نُفذت وصيته بدقة؛ دُفن في نزلة السمان، وافترش جسده الحنة والرمل كما أراد، تاركاً خلفه أماً حصلت على أموالها ولكنها خسرت ابنها للأبد، وابنةً
كانت هي كل ما تبقى له من رائحة الدنيا، وتاريخاً سينمائياً لا يمكن لمرض أو طمع أن يمحوه.
إن قصة رشدي أباظة مع والدته في أيامه الأخيرة تظل واحدة من أقسى القصص في تاريخ الوسط الفني، ليس لأنها تتحدث عن الموت، فالموت حق، بل لأنها كشفت كيف يمكن للمادة أن تغتال اللحظات الإنسانية الأخيرة، وكيف يمكن ل الدنجوان الذي امتلك قلوب الملايين أن يموت مكسور القلب من أقرب الناس إليه، لكنه برغم ذلك الكسر، استطاع أن يرحل وهو سيد قراره، موزلاً ثروته بعدل، ودافناً جسده في المكان الذي اختاره هو، لا المكان الذي فرضه عليه اسمه وعائلته. رحل رشدي وبقيت قصته عبرة عن أن الحب الحقيقي لا يُقاس بما نأخذه، بل بما نتركه من أثر طيب في نفوس البشر، وهو ما فعله رشدي حينما اختار أن يجبر خاطر خدمه ومساعديه بينما كان هو نفسه في أمس الحاجة لمن يجبر خاطره.

تم نسخ الرابط