رواية كاملة
لسه كانوا راجعين من دفنة ابني، ولما دخلت البيت لقيت مرات ابني بتقولي بكل برود
غوري عيشي في الجبل يا عجوز مالكيش لازمة.
كنت لسه لابسة الأسود
إيديا بتترعش من لحظة ما وارينا ابني التراب.
ولسه الوجع ما استقرش جوا قلبي، قامت خدت البيت كله البيت اللي تمنه ملايين، وخدت معاه كرامتي وآخر مكان كنت بحس فيه إن صوت ابني لسه عايش بين حيطانه.
اسمي أمينة.
سنين طويلة وأنا عايشة في البيت ده على أمل إن الحب ممكن يوم يهون الإهانة.
أطبخ في المطبخ ده، أمسح الأرضيات، أكوي الهدوم، أجهز السفرة، وأستقبل ضيوفها وأنا ساكتة على كلام كان ممكن يكسر أي ست غيري.
كنت بقول لنفسي طول ما ابني كريم موجود تحت السقف ده أستحمل.
بس كنت غلطانة.
يوم ما كريم مات، مراته ورثت كل حاجة.
البيت.
العفش.
الفضة.
الدولاب.
حتى الهوا اللي في الأوض.
وحتى النظرة اللي في عينيها نظرة ملكية كأنها مستنية اللحظة دي من سنين.
أما أنا؟
ادتني
لا نور.
لا مية.
لا جيران.
ولا حتى رحمة.
طلبت منها طلب واحد بس
صورة ابني.
الصورة اللي كانت متعلقة في الصالة.
وقفت قدامي كأني حرامية.
وقالت ببرود
كل حاجة هنا بقت ملكي.
عمري ما هنسى الطريقة اللي قالتها بيها.
لا كانت بتزعق.
ولا منهارة.
ولا حتى متعصبة.
باردة بشكل يخوف.
كأنها مستنية اليوم ده من زمان لدرجة إن القسوة بقت طبيعية عندها.
بعدها فتحت باب البيت، وشاورت على الطريق الترابي اللي داخل في الضلمة وقالت
امشي ما انتي كنتي بتحبيه أوي، روحي عيطي عليه بعيد.
الهوا برا كان صوته عامل زي إنذار.
الطريق للكوخ حسّيته مش نفي حسّيته عقاب.
كل خطوة في الطين، وكل صوت شجر بيتكسر حواليا، كان كأنه بيهمسلي
محدش عايزك خلاص.
ولما وصلت فهمت حاجة كسرتني أكتر.
هي ما بعتتنيش هناك علشان أعيش.
هي بعتتني علشان أختفي.
المكان ماكانش بيت.
كان خرابة.
الشبابيك مكسورة.
الحيطان مليانة
ريحة الكتمة والعفن مالية المكان.
في ركن سرير طفل قديم، وفي الركن التاني كرسي مكسور، وسكوت تقيل لدرجة إنه كان حاسسني إن المكان حي.
وقعت على الأرض وأنا حاضنة صورة كريم، ولأول مرة من ساعة موته حسيت بغضب منه هو.
لأن في فرق بين إنك تفقد ابنك
وإنك تحس إنه سابك لوحدك مع أكتر إنسانة كانت بتكرهك.
أول ليلة هناك كنت هحرق صورته فعلًا.
فضلت أبص لها وقت طويل، ووشي غرقان دموع، وصدري واجعني بشكل يخلي النفس نفسه مؤلم.
كنت عايزة أعاقبه لأنه مات وأعاقب نفسي إني لسه بحبه بالشكل ده.
بس ماقدرتش.
حضنت الصورة وفضلت أعيط لحد ما ما بقاش فيا غير الوجع.
تاني يوم، والبرد لسه داخل في عظمي، لمحت مقشة مرمية في الركن.
في اللحظة دي حاجة جوايا اتغيرت.
ماكانش أمل.
كان إحساس أقسى.
قلت لنفسي
لو هموت هنا مش هموت مكسورة.
قمت أنضف المكان.
كنست التراب.
شلت بيت العنكبوت.
جمعت الحاجات المكسورة.
وفتحت الشبابيك اللي
وساعتها لقيته.
في أبعد ركن في الكوخ، تحت طبقات التراب، كان فيه رف خشب صغير عامل زي مزار قديم.
اتسمرت مكاني.
كريم كان جابه من سنين، أيام ما كان بييجي هنا ويتكلم إنه هيصلح المكان يوم من الأيام.
فاكرة قد إيه كان ماسكه بحرص كأنه حاجة غالية.
وقتها افتكرته مجرد ذكرى قديمة مالهاش لازمة.
بس دلوقتي حسّيته رسالة.
مسحته بطرف كمي، وحطيت صورة كريم فوقه.
وبعدين دورت على أي حاجة أولع بيها شمعة.
وسط الحاجات الصدئة لقيت شمعدان حديد قديم تقيل وقبيح بشكل يخليك تحس إنه مالوش أي قيمة.
إيديا كانت لسه بتترعش.
وأنا برفعه وقع مني واتخبط في الأرض قدام الرف.
الصوت اللي طلع خلّى الدم يتجمد في عروقي.
ماكانش صوت عادي.
ماكانش صوت خشب مكسور.
ولا صوت أرضية قديمة.
كان صوت فاضي.
كأن تحت الأرض في حاجة مستخبية.
نزلت على ركبتي وقلبي بيدق بعنف.
مررت صوابعي على الأرض
فتحة رفيعة.
خط مستقيم زيادة عن اللزوم علشان يكون صدفة.
غرست ضوافري