جحـيم عنبـر ج 1 حكـايات منـي الـسـيد
خالص يا سوسو.. سامعاني؟
سوسو مكنتش قادرة ترد، بس عيونها المبرقة بالدموع والخوف كانت بتقول إنها فهمت.. وفهمت أوي كمان.
فتحت إيدي وبصيت ل شلتها.. تلات ستات واقفين زي التماثيل، مفيش واحدة فيهم تجرأت تاخد خطوة لقدام.. اللي كانت ماسكة كوباية شاي إيدها كانت بتترعش لدرجة إن الشاي دلق على صوابعها ومحستش بيه.. بصيتلهم وقولت بكلمة واحدة
شيلوها من قدامي.. وشيلوا القرف ده.
في ثانية.. التلاتة اترسوا على الأرض، شالوا سوسو اللي كانت لسه بتكح وبتتف المية من بؤها وبتموت من الوجع، وسحبوها وراهم لآخر العنبر كأنهم بيسحبوا شوال بطاطس.. وبسرعة مفيش وراها غير الرعب، بدأوا يلموا الزبالة بإيديهم وبأطباقهم.. الكل كان بيتحرك وعينيه في الأرض، مفيش ست واحدة في العنبر كله تجرأت ترفع عينها في عيني.
لفيت ضهري ومشيت في الممر الطويل اللي بين الترابيزات.. السجينات اللي كنت بعدي من جنبهم كانوا بيوسعوا ويرجعوا لورا كأن قطر معدي.. السجانة اللي كانت واقفة عند الباب، ملامح وشها اتغيرت.. مكنتش غبية، شافت الحركة وعرفت إن الضربة دي مش حركت واحدة شمامة أو تاجرة مخدرات اتغدر بيها.. دي حركة حد محترف.
خرجت للجنينة أو الفسحة اللي ورا العنبر.. الجو كان حر والنفس ضيق، بس أنا كنت محتاجة أشم هوا ملوش رغوة صابون وزبالة.. وقفت جنب الحيطة الخرسانية العالية، وبصيت للسما اللي متقاطعة ب أسلاك شائكة..
ضحكت
الظابط عادل اللي رماني هنا بعد ما عمل القضية المتقفلة دي، كان فاكر إنه بيكسرني.. كان فاكر إنه لما يحط اسم نادية عبد الحميد في ورقة قضية اتجار، ويخليني ألبس العباية البي الطيارة دي، إنه كدة دفن الحقيقة.. ميعرفش إنه رماني في الحتة اللي أنا ب أفهم فيها أكتر من أي مكان تاني في الدنيا.. وسط الوحوش.
أنا عشت ١٥ سنة من عمري بدور على خيط واحد يوصلني ل مريم.. بنتي.. اللي خطفوها من حضني وهي عيلة صغيرة عندها ١٥ سنة.. ١٥ سنة وأنا بقلب الدنيا، دخلت وسط عصابات، واتعلمت السلاح، وعرفت إزاي أقتل ب إيدي من غير ما أسيب أثر.. عشت وسط ناس لو سوسو الحديدية دي شافتها كانت ماتت من الخوف.. اتعلمت إن الهدوم والنظرة هما السلاح الأول.. وإن اللي بيتكلم كتير بيموت الأول.
والخيط الأخير اللي وصلتله بعد السنين دي كلها.. كان هنا.. جوه السجن ده.. السجن اللي مريم بنتي دخلته من سنتين تحت اسم مستعار وضاعت جوه دهاليزه.. أنا مدخلتش هنا عشان أنا ضحية.. أنا دخلت هنا بمزاجي.. قفلت القضية على نفسي عشان أوصل للراس الكبيرة اللي بتتحكم في السجن ده من جوه.
قاطع حبل أفكاري صوت خطوات سريعة جاية عليا.. لفيت راسي براحة.
كانت سماح.. ست أربعينية، وشها مليان تجاعيد السجن، وقاضية هنا بقالها عشر سنين في قضية قتل.. كانت من الستات الهاديين اللي بيمشوا جنب الحيط.. وقفت على
سماح اتكلمت بصوت واطي ومبحوح
إنتِ عملتي إيه جوه يا مصيبة؟.. السجن كله مقلوب.. سوسو في المستوصف بيموتوها عشان تتنفس.. وشلتها قالبين الدنيا خوف.
بصيتلها وبرق ريقي
هي اللي بدأت.. ومبحبش حد يلعب في أكلي.
سماح هزت راسها ب قلق حقيقي، وقربت خطوة كمان
يا بنتي إنتِ مش فاهمة حاجة.. سوسو دي مكنتش بتتحرك من دماغها.. سوسو دي الدراع اليمين ل المعلمة فايزة.. وفايزة دي مش ست عادية.. دي اللي بتدير السجن كله لحساب ناس بره.. الأكل، اللبس، الممنوعات، وحتى خروج السجينات ودخولهم تحت إيدها.. إنتِ كأنك ضربتي فايزة في وشها قدام العنبر كله.. وفايزة مابتسيبش حقها.. بالليل لما النور يطفي والعنابر تتقفل.. السكاكين بتطلع.. ومحدش هيرحمك.
أنا ملامح وشي ماتغيرتش.. بالعكس، حسيت ب راحة غريبة.. الراسم الكبيرة ظهرت بسرعة مكنتش متخلاها.. فايزة.. الاسم ده أنا سمعته بره.. وهي دي بالظبط الست اللي أنا جاية عشانها.
بصيت ل سماح وقولت بهدوء
فايزة في عنبر إيه؟
سماح اتصدمت من سؤالي، وفتحت بؤها بذهول
إنتِ مجنونة؟.. أنا بقولك هتتقتلي بالليل وإنتِ بتسألي عن مكانها؟.. فايزة في عنبر ج.. العنبر المميز اللي مبيتقفلش عليه بالليل زينا.. دي معاها مفاتيح وسجانات في جيبها.
هزيت راسي وقولت
تمام.. شكراً يا سماح.. روحي إنتِ عشان محدش يشوفك معايا.
سماح مشيت وهي بتبرطم وبتضرب كف على كف، متأكدة إن الجثة الجاية في السجن ده هتكون جثتي أنا.
رجع النور يقل.. والشمس بدأت تغيب ورا الأسوار العالية.. نادوا علينا عشان ندخل العنابر.. رجعت العنبر بتاعي.. المكان كان نضيف زي الفل.. الأكل المتدلق اتمسح، والزبالة اختفت.. وسوسو مكنتش موجودة، شكلها لسه في المستوصف.. شلتها كانوا قاعدين في ركن، أول ما دخلت، كل واحدة فيهم بصت للأرض وجسمها اترعش.
رحت قعدت على السرير بتاعي.. السرير الحديد اللي فوق.. نمت على ضهري وحطيت إيدي تحت راسي.. عيني كانت على السقف الخرساني المقشر.. كنت ب عّد الثواني والدقايق.
الساعة بقت ١٢ بالليل.. النور الكبير اتطفى، ومبقاش فاضي غير لمبة صفرا ضعيفة في أول الممر.. السجن كله دخل في حالة السكون المرعبة.. صوت شخير السجينات، وصوت القطط اللي بتجري في الممرات بره.
وفجأة.. سمعت الصوت.
صوت تزييق خفيف.. الباب الحديدي بتاع العنبر مكنش بيتقفل بالجنزير بالليل للدرجة دي.. لمح خيال تلات ستات داخلين من الباب.. كانوا ماشيين على طراطيف صوابعهم.. وفي إيد كل واحدة فيهم.. كان في لمعة خفيفة.. لمعة سلاح أبيض متصنع من يد معلقة مسنونة على الحيطة.. مَطاوة السجن.
الخايلين بدأوا يقربوا من السرير بتاعي بالراحة.. كانوا فاكرين إني نايمة.. وميعرفوش إن أنا اللي كنت مستنياهم.. والنفس بتاعي كان
هادي.. هادي جداً.. زي هدوء الموت
حكايات_مني_السيد