من خمس سنين

لمحة نيوز


الدموع تلمع في عينيه، وقال وإزاي كملتِ؟ وإزاي وصلتِ لليوم ده؟
ردت دينا، وهي بتحس بتعب العمليات اللي لسه موجود كملت عشان حلمي، وعشان أثبت لنفسي قبل أي حد. درست ليل ونهار، اشتغلت في إجازاتي عشان أدفع مصاريفي، سهرت أيام كتير في المستشفى، وكنت بحس إن الدنيا كلها ضدي، بس كنت بقول لنفسي مش هخلي كذبة تضيع تعبي. نجحت بامتياز، أخذت الماجستير، وبعدها التخصص في الجراحة، واشتغلت لحد ما بقيت رئيسة القسم ده. كل ده، وكل ما كنت أحقق إنجاز، كنت أتمنى إنكم تعرفوا، بس الباب كان مقفول من عندكم.
في اللحظة دي، خرجت الممرضة من غرفة العناية المركزة، وقالت لدينا يا دكتورة، المريضة مستقرة دلوقتي، النزيف وقف، وهي في حالة أمان، بس محتاجة راحة تامة.
هزت دينا راسها، وقالت تمام، أي تغيير في حالتها بلغوني فورًا.
بعدين التفتت لأهلها، وقالت بهدوء رشا نجت، والعمليات نجحت، وهي دلوقتي مستقرة. ده كل اللي أقدر أقوله كدكتورة. أما كأخت فما عنديش كتير أقوله.
أمها قربت منها، ومدت إيدها عشان تلمسها، بس دينا رجعت خطوة للوراء، وقالت متلمسنيش من فضلك. خمس سنين، وكل ما كنت أحتاج لكم، ما كنتوش موجودين. لما كنت أفرح، ما كنتوش معايا. لما كنت

أتعب، ما كانش حد يسأل عني.
دلوقتي، لما رشا وقعت، جيتوا، وشفتوني، وعرفتوا الحقيقة. بس الجرح مش بيلتئم بسرعة.
أبوها قال بصوت متألم احنا غلطنا يا دينا، غلطنا إننا صدقنا من غير ما نتأكد، وغلطنا إننا تركناكي، وغلطنا إننا استسلمنا للكلام. بس ارحمينا، احنا أهلك، وندمنا، وكل يوم كنا بنحس إننا فقدنا بنتنا، بس ما كنا نعرف الطريق.
ردت دينا الطريق كان مفتوح. تليفوني كان شغال، رسايلي كانت بتوصل، عنواني كان معروف. بس أنتم اخترتوا تصدقوا الكلام السهل، بدل ما تسألوا البنت اللي كبرتوا عليها. رشا كانت دايماً تحب تكون الأفضل، دايماً تحب تاخد الاهتمام كله، وكنت أنا في الطريق، فحاولت تزيلني بكذبة. ونجحت، لإنكم سمحتوا لها.
بدأت تشرح أكتر، والكلام بيطلع معاه مرارة السنين كنت بسمع من صديقاتي إنها بتقول لكم إنني عايزة أتجاهلكم، وإنني مش عايزة أكون معاكم، وإنني اخترت حياتي بعيد عنكم. وصدقتوها. لما كنت ببعت صور تخرجي، كانت بتقول لكم إنها صور وهمية، أو إنها من كلية تانية. لما كنت ببعت نتائج الامتحانات، كانت بتقول إنها مزورة. وكل مرة، كنتم بتأكدوا من قراركم إنكم تبعدوني.
أمها بكت أكتر، وقالت ما كنتش أتخيل إنها تعمل كده، ما
كنتش أتخيل إنها تكرهك للدرجة دي كانت بتقول إنها بتحاول تصلح الأمور، وإنك
اللي مش راضية تتكلمي
لأنها عرفت إنكم بتصدقوها أكتر مني، قالتها دينا بثقة. كانت تعرف إنها الكبرى، وإنها اللي قاعدة جنبكم، وإن الكلام منها بياخد وزن أكبر. فاستغلت المكانة دي، وضيعتني، وضيعتكم معايا.
بعد فترة، سمحوا لهم يدخلوا يشوفوا رشا. كانت مستلقية، وجهها شاحب، والأنابيب موصولة بيها، وعينيها مغمضة. جلسوا جنبها، وانتظروا لحد ما فتحت عينيها ببطء.
أول ما شافت أمها وأبوها، ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقالت بصوت واطي ماما بابا إيه حصل؟
أبوها قال لها بجدية حصل كتير يا رشا. كتير أوي. دينا هي اللي عملتلك العملية، وهي اللي أنقذت حياتك.
اتسعت عيني رشا، وبدأت ترتعش، وقالت دينا؟ دينا فين؟ هي هنا؟ إزاي؟
أمها قالت لها بصرامة، وهي بتمسك إيدها إزاي؟ إزاي بقيت دكتورة، وإزاي نجحت، وإزاي وصلت لليوم ده، رغم إنك قلتي لنا إنها سقطت وطردت؟ إيه الكلام اللي قلتيه؟ ليه كذبتِ علينا؟
شافت رشا إن الحقيقة اتكشفت، وبدأت تعيط، وبدأت تعترف، بصوت متقطع أنا أنا كنت خايفة كنت خايفة إنها تنجح، وإنها تكون أحسن مني، وإنكم تحبوها أكتر. هي دايماً كانت أذكى، وأنا كنت بحس
إنني مش في مستواها. لما سافرت إسكندرية، وبدأت تقول إن الدراسة صعبة، استغلت الفرصة، وبدأت أحرف الكلام. قلت لكم إنها مش
قادرة، وإنها بتضيع وقتها، ولما شفت إنكم بدأتوا تقتنعوا، قلت الكذبة الكبيرة إنها سقطت وطردت. وكل اللي جاء بعد كده، كنت بمنع الرسايل، وكنت أغير المعنى، عشان تفضلوا مقتنعين.
سكتت شوية، ودموعها بتنزل كنت فاكرة إنها هتستسلم، وإنها هترجع بنت عادية، زيي. بس ما كنتش أعرف إنها قوية للدرجة دي، وإنها هتكمل الطريق لوحدها، وتنجح، وتكبر، وتوصل لليوم ده. وكل ما كنت أسمع إنها بتتقدم، كنت بخاف الحقيقة تظهر، فكنت أزيد الكلام عشان تفضلوا بعيدين عنها.
أبوها قال لها بغضب مكتوم ضيعتي خمس سنين من عمرنا، ومن عمرها، عشان غيرتك؟ عشان خوفك من إنها تكون أحسن؟ خمس سنين ما شفناهاش، ولا سمعنا صوتها، ولا عرفنا عنها أي حاجة، وكل ده بسبب كذبتك؟
ردت رشا بندم حقيقي أنا آسفة كنت غبية، وكنت أنانية، ومش عارفة إزاي أطلب السماح بس لما وقعت، وكنت بحس إنني هموت، كنت بقول في نفسي لو نجيت، هعترف بكل حاجة، وهقول الحقيقة، بس ما كنتش أتوقع إنها هي اللي تنقذني.
بعد مرور يومين، وحالة رشا استقرت تمامًا، طلبت تشوف دينا. وافقت دينا،
ودخلت الغرفة بهدوء.

 

تم نسخ الرابط