جاء ليسخر من زوجته السابقة لأنها تزوجت عامل بناء... لكن عندما رأى العريس انهار بالبكاء أمام الجميع!
تلك النظرة التي رمقتني بها عندما قلت إنني أحتاج امرأة تناسب مستقبلي أكثر.
لم أكن صادقًا معها حتى.
لم أعترف أنني كنت أخجل من بساطتها أمام العالم الذي ظننته يستحقني.
وهي لم تتوسل.
وهذا ما أغضبني وقتها.
اكتفت بسؤال واحد:
— وكل اللي بنيناه سوا؟ ما إله أي قيمة؟
وأجبتها بكلام قاسٍ.
كلام صغير.
مؤذٍ.
قلت إن الحب لا يدفع الفواتير.
واليوم كنت أقف هناك أراقب رجلًا آخر يحصل على كل ما احتقرته أنا يومًا.
نظر طه إليها وكأن العالم كله يختفي عندما تكون بقربه.
فابتسمت له.
وعندها استدرت وغادرت.
لم أستطع البقاء.
لم أتحمل ثانية إضافية من تلك الحقيقة.
مشيت بسرعة نحو سيارتي.
كنت أسمع خلفي أحاديث الضيوف ثم الموسيقى الهادئة التي بدأت تعلو.
ناداني صديقي مرتين.
لكنني لم ألتفت.
كانت عيناي تحترقان.
وصدري كله يؤلمني.
وصلت إلى سيارتي.
فتحت الباب.
جلست خلف المقود.
وعندها انهرت.
بكيت.
ليس بكاءً هادئًا.
ولا بكاء رجل يحاول حفظ ما تبقى من كرامته.
بكيت وأنا منحنٍ فوق المقود.
أضرب الجلد الفاخر بيدي وكأنني أحاول انتزاع السنوات الضائعة من حياتي.
بكيت على سارة.
لكنني بكيت أكثر على نفسي.
على الرجل الذي أصبحت عليه.
على الحياة التي استبدلت بها حياة مليئة بالدفء والصدق.
رنا...
يا إلهي.
في تلك اللحظة فهمت أن ما حدث كان عدالة بطيئة.
تركت سارة لأنني ظننت أن الفقر إهانة.
وأن المال ضمان للسعادة.
لكن لا يوجد مال يعوض غياب الحنان.
ولا يوجد منصب يجعل الكراهية محتملة.
ولا يوجد بيت فاخر يجعل العودة إليه مريحة إذا كان من بداخله لا يحبك.
وأثناء بكائي أدركت شيئًا آخر.
طه لم ينتصر عليّ.
لم يسرق مني شيئًا.
كل ما فعله أنه رأى سارة كما هي.
ورآها بالطريقة التي عجزت أنا عن رؤيتها.
لا أكثر.
لكن
ولا أعرف كم بقيت هناك.
ربما عشر دقائق.
وربما نصف ساعة.
كانت أصوات الموسيقى تصلني مع الهواء.
ثم سمعت تصفيقًا.
ثم ضحكات.
ثم صوت نخب واحتفال.
على الأرجح أصبحا زوجًا وزوجة.
مسحت وجهي.
وحاولت تشغيل السيارة.
لكن يدي كانت ترتجف بشدة.
وفجأة طرق أحدهم على النافذة.
رفعت رأسي.
كان طه.
فتحت النافذة قليلًا.
لم أكن أعرف ماذا يريد.
هل جاء ليطردني؟
أم ليسخر مني؟
أم ليقول كلمات المواساة المعتادة؟
لكنه لم يفعل.
أدخل يده من الفتحة الصغيرة.
وأراني شيئًا.
كانت البطاقة القديمة نفسها.
البطاقة المغبرة.
قال:
— كانت بمحفظتك يوم ساعدتك. طاحت منك بمحطة الوقود قبل سنوات. احتفظت بيها لأن حسّيت يمكن يجي يوم تحتاج تقراها مرة ثانية.
مدها نحوي.
لم أستطع أخذها فورًا.
سألته:
— ليش تعطيني إياها هسه؟
نظر إليّ بهدوء.
وقال:
— لأنك فهمت
أخذت البطاقة.
وكانت العبارة ما تزال مكتوبة بالحبر الأزرق:
"أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش."
ضحكت ضحكة مكسورة.
وقلت:
— تأخرت.
هز رأسه.
— ببعض الأمور... نعم.
لم يواسني.
ولم يقل إن الفرص تعود.
ولم يحدثني عن البدايات الجديدة.
اكتفى بالقول:
— لكن مو متأخر حتى تبطل تكون الرجل اللي خسرها.
ثم غادر.
شاهدته يعود إلى الساحة.
حيث كانت سارة تنتظره بين الأضواء الصفراء والزهور البسيطة والناس الذين يحبونهما بصدق.
أمسكت يده فور وصوله.
فانحنى وهمس لها بشيء.
فابتسمت.
وأدرت محرك السيارة ورحلت.
قدت عائدًا إلى بغداد.
وكان الليل يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا.
وفي المرآة الخلفية اختفى كل شيء.
اختفت البلدة.
واختفى الحفل.
واختفت الأضواء.
ولم يبقَ سوى الظلام.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
كان داخل ذلك الظلام شيء صادق.
ألم
نعم.
لكن أيضًا حقيقة لا يمكن الهروب منها.
والحقيقة كانت بسيطة:
لم أذهب إلى ذلك الزفاف لكي أسخر من امرأة تزوجت عامل بناء بسيطًا.
بل ذهبت دون أن أدري لأواجه الرجل الذي أصبحت عليه.
وأدرك أخيرًا...
أن الفقير الحقيقي لم يكن طه أبدًا.