نجدة من السما. لما جيت هنا، لقيت الشاليه محتاج تصليحات كتير، ومكنش ينفع أقعد في خيرك وأنا حاطة إيدي على خدي.» سناء كملت وهي بتشاور على الأوراق: «الـ 6 شهور دول أنا مقعدتش فيهم ببلاش. استخدمت علاقاتي القديمة مع صنايعية كنت عارفاهم، وبدأت أصلح الشاليه حتة حتة من شغلي الخاص اللي رجعت أعمله بالقطعة لما لقيت مكان أستقر فيه ويأويني أنا وبنتي. بس مش ده كل شيء.. في حاجة تانية برضه هتبرهك.» مشيت سناء قدام فريدة وفتحت باب الأوضة الكبيرة اللي كانت زمان مجرد مخزن للكراكيب القديمة والحاجات المستغنية عنها. فريدة وقفت في مكانها ورجليها مش شايلاها من كتر الزهول؛ الأوضة مكنتش مجرد مخزن متوضب، دي كانت متأثثة بالكامل وكأنها معرض فني صغير أو جاليري راقي جداً. الحيطان كانت مدهونة بألوان دافية ومريحة للعين، ومتعلق عليها لوحات مرسومة هاند ميد بتعبر
عن البحر والصيادين، وفي النص كان فيه طرابيزات خشبية مصنوعة بحرفية عالية جداً، وعليها فازات وقطع ديكور من الفخار والنحاس المعمول بدقة تفوق الوصفسناء لفت لفريدة وابتسامة فخر ممزوجة بالامتنان على وشها وقالت: «لما دخلت الأوضة دي أول مرة، لقيت فيها كنز مدفون.. أخشاب قديمة، قطع أثاث مكسورة، وشبابيك حديد مصدية من الرطوبة والملوحة بتاعة البحر. وبحكم شغلي وشغل جوزي الله يرحمه، عرفت إن الحاجات دي متترميش، دي بتسوى فلوس كتير لو اتعاد تدويرها. اتفقت مع ورشة نجارة وحدادة قريبة من هنا، وكنت بنزل معاهم بنفسي أشرف على الشغل، رجعنا حيينا كل قطعة خشب وحديد كانت مرمية هنا، وحولناها لقطع ديكور “أنتيك” مودرن.»فريدة بدأت تتحرك وسط الأوضة، تلمس الخشب المتصنفر والمدهون بعناية، وتشوف التفاصيل الفنية اللامعة. سناء كملت كلامها بحماس: «الموضوع مبدأش وينتهي هنا يا هانم. أنا
لما الشغل ده خلص، صوّرته وعملت صفحة على النت باسم (إعادة تدوير أنتيكات العجمي).. والصفحة نجحت نجاح مكنتش أحلم بيه! ناس كتير من مهندسين الديكور وأصحاب الفلل هنا في الإسكندرية والقاهرة بدأوا يطلبوا القطع دي بالاسم وبأسعار عالية جداً. أنا مكنتش باخد الفلوس لنفسي بس، أنا كنت بخصم حق الخامات والمصنعية، والباقي شيلتهولك في حساب لوحده، لأن الخشب والمواد الخام دي ملكك أنتِ ومن شاليهك أنتِ.»سناء راحت ناحية المكتب الصغير اللي في الصالة، وجابت دفتر شيكات وشنطة صغيرة فيها مبلغ مالي محترم، وحطتهم في إيد فريدة المذهولة. وقالتلها وعينيها مليانة دموع: «المبلغ ده حق القطع اللي اتباعت من كراكيب الشاليه بعد ما اتطورت، وده كشف حساب بكل قرش دخل وخرج. أنتِ ليكي نسبة الشراكة الأكبر في المشروع ده لأنك صاحبة رأس المال والمكان اللي آواني ووفرلي الدفا والأمان عشان أقف على
رجلي تاني بعد ما كنت هضيع أنا وبنتي في الشارع.» فريدة، سيدة الأعمال القوية اللي متعودة على لغة الأرقام الصارمة والصفقات الجافة في الشركات الكبيرة، حست لأول مرة في حياتها إن دموعها بتغلبها. بصت للفلوس وللمكان وللبنت الصغيرة اللي واقفة تبتسم لها وبتقولها «شكراً يا طنط». حست إن المفتاح اللي رمته وهي بتجري في المطار مكنش مجرد مفتاح لشاليه مقفول، ده كان مفتاح لحياة جديدة كاملة اتفتحت للست دي، ولإنسانيتها هي شخصياً اللي كانتسناء قربت منها أكتر وقالت بصوت واطي ومليان ترقب: «أنا عارفة إن الـ 6 شهور خلصوا، وعارفة إن ده بيتك وأكيد هتحتاجي تسترديه.. وأنا جهزت نفسي عشان أنقل في شقة تانية إيجار بعد ما ربنا كرمني وبقى معايا قرشين من ورش إعادة التدوير.. بس قبل ما أمشي، في حاجة أخيرة لازم تشوفيها، ودي أهم حاجة عملتها هنا، ومكنش ينفع أتصرف فيها من غير إذنك.
»