وصية حمايا

لمحة نيوز


ودفتر أزرق صغير مليان أرقام وتواريخ بالقرش والصاغ.
وعشرين سنة من حاجة عمري ما فكرت ألمحها.
تنحنح المحامي وقال
قبل ما نتكلم في أي أملاك أو فلوس الحاج محمود وصى إن الأستاذ مروان يسمع الرسالة دي قدام العيلة كلها.
فتح الظرف بالراحة.
سعاد مسكت في إيدي وجمدت.
أما عم سامي
فالضحكة اللي على وشه اتشفطت واختفت.
بدأ المحامي يقرأ أول سطر
وكان السطر ده كفيل إنه يقسم قلبي نصين
يا مروان يا ابني عارف إنك كنت فاكر طول السنين دي إنني ما بقدمش حاجة ولا حاسس بيك، بس كل لقمة أطعمتهاني وكل قرش شقيت بيه عشان تسترني، كان هو السبب اللي خلاني أخفي كل حاجة وأكتبها باسمك أنت..
بس الغريب مش في السطور اللي كتبها لكن في الكيس القماش القديم اللي المحامي حطه على الطاوله قدامي !!!
ساد الصمت في الأوضة، صمت تقيل لدرجة إن صوت نفسنا كان مسموع. المحامي حط إيده على الكيس القماش القديم، وفكه بالراحة، وقلبه على الترابيزة.
سمعنا رنة معدن ثقيلة.. مش جنيهات ذهب ولا فضة زي ما توقعنا، دي كانت مفاتيح! مفاتيح حديد قديمة وكبيرة، ومعاها وختم نسيج قديم، وورقة مطوية أربع تطبيقات.
عم سامي اتنطط من مكانه وقال بصوت هالي
مفاتيح إيه دي يا أستاذ؟ وأملاك إيه
اللي بتتحاكى عليها؟ محمود أخويا خرج من البلد من عشرين سنة بعد ما أفلس وباع حتة الأرض اللي حيلته!
المحامي بص لسامي بقلة صبر، ورجع وبص في الورق اللي في إيده وقال بتأنٍّ
المرحوم الحاج محمود مأفلسش يا أستاذ سامي.. المرحوم باع نصيبه في أرض الورث ليكم زمان ب التراب عشان كان عايز يرحم نفسه من المشاكل معاكم، وأخد القرشين دول ودخل

بيهم شريك مع واحد صاحبه قديم في مخازن وقشاشات خشب في منطقة السبتية، وفي أرض في ضواحي الجيزة.
أنا أول ما سمعت كلمة السبتية جسمي قشعر! السبتية؟ الورشة اللي أنا بطفح فيها الكوتة بقالي عشرين سنة وعرقان فيها؟!
المحامي كمل قراية في الرسالة بخط حمايا الله يرحمه
المحامي كمل قراية في الرسالة بخط حمايا الله يرحمه
يا مروان يا ابني.. لما جيتلك من عشرين سنة، كنت قادر أشتري أحسن شقة في أجدد مكان، وكنت قادر أعيش ملك. بس أنا شفت في عيون إخواتي الطمع، وشفت عيالي التانيين بايعيني ومش سائلين فيا، ولما دخلت بيتك، لقيت راجل أصيل بياكلها بملحها، صاين بنتي وسترها، حتى وهو مش حيلته حاجة.
أنا لما دخلت ورشتك في السبتية زمان ولقيتك شغال أسطى صغير عند معلمها، أنا اللي اشتريت الورثة والمخازن دي كلها من ورا الطبخة من صاحبها الأصلي لما كبر، وكتبت الشراكة باسمك أنت من غير ما تعرف! كنت بدفع إيجار الورشة ومصاريفها للبنك تحت حساب مستتر، عشان تفضل أنت الأسطى والمالك الحقيقي للورشة من غير ما غرور الشباب ياخدك أو تحس إن حد جاملَك.. أنت يا مروان بقالك عشرين سنة بتصرف على بيتي من عرقك، وأنا بقالي عشرين سنة بتسحب كل شهر أروح البنك أحط أرباح الورشة وأرض الجيزة في حساب مقفول باسمك وباسم عيالك!
سعاد صړخت وحطت إيدها على بقها، وأنا دماغي زفتت وفزيت واقف من على الكرسي
أنت بتقول إيه يا حضرة المحامي؟! الحساب ده فيه كام؟ وحمايا كان معاه كل ده وعايش معايا في أوضة السطح وياكل فول وعيش ناشف؟!
المحامي طعننا بالحقيقة لما طلع دفتر التوفير والعقود
الحاج محمود الله يرحمه سابلك الحساب ده فيه
رقم يتجاوز الملايين، غير الأرض اللي في الجيزة اللي دخلت كردون مباني ودلوقتي تسوى الشيء الفلاني، غير عقد ملكية الورشة والمخازن اللي في السبتية بالكامل باسمك يا مروان.. الحاج محمود عاش معاكم زاهد، بياكل من أكلكم ويشرب من شايكم، عشان كان خاېف الفلوس تفرقكم، وكان خاېف إخواته وعياله التانيين يعرفوا فييجوا ينهبوه وياخدوا شقا عمره اللي قرر يسيبه للراجل اللي شاله وهو مريض وحمانه من الپهدلة.

عم سامي وشه جاب ألوان، وعيون إخوات سعاد التانيين كانت هتطلع من مكانها. سامي صړخ وقال
ده يتقال عليه خرف! الراجل ده كان كبر وخرف! العقد ده
باطل! إحنا الورثة الشرعيين، محمود أخونا ونسبة الورث دي بتاعتنا!
المحامي ابتسم ببرود، وطلع ورقة تانية من الملف وقال
الحاج محمود كان عاملكوا حسابكم يا أستاذ سامي.. أدي تقرير طب شرعي كامل بتاريخ السنة اللي فاتت، بيثبت إن قوته العقلية كانت ١٠٠٪، وأدي فيديو مسجل بالصوت والصورة بصوت الحاج محمود في مكتبي، بيشرح فيه ليه حَرَمكم وليه كتب كل حاجة لمروان.. تحبوا نشغله ونسمع رأيه فيكم بصوته؟
ساد سكون مرعب في الصالة. محدش قدر ينطق كلمة.
سامي بص لإخواته، وبصلي بغل، وبعدين لف وضهره ماشى وهو بيبرطم ويدعي، وإخوات سعاد برضه مشيوا وراه وجروا خايبين ومكسورين من جشعهم.
الباب اتقفل وراهم.. وبقيت أنا وسعاد والمحامي.
المحامي حط الملف قدامي، وطبطب على كتفي وقال
الحاج محمود سابلك كمان الرسالة دي.. الجزء الأخير منها خاص بيك أنت بس يا مروان.
أخدت الورقة بإيد بترعش، وعيني دموعها نازلة مغمية الرؤية، وقريت آخر السطور اللي كتبها الراجل العجوز بصعوبة
يا
مروان يا ابني.. عارف إنك بعت عربيتك الشاهين عشان تعملي عملية المية البيضا.. وعارف إنك أجلت تصليح السقف عشان دوايا.. كنت بشوفك ترجع إيديك متوسخة شحم، وكنت بدعي ربنا في كل سجدة بليل في الأوضة الصغيرة إن يردلك الأرش ده أضعاف.

أنا مكنتش عبء عليك يا ابني.. أنا كنت شايلك الشيلة الكبيرة للزمن.. الشاهين اللي بعتها هتشتري بدالها أحسن عربية، والسقف اللي بينقط مية هتشتري بداله العمارة كلها.. الأوضة المزنوقة اللي ولادك كبروا فيها خلاص هتتفتح على جنة. سامحني إن كنت تقلت عليك أو حسستك في يوم إن حيلتي قليلة.. بس أنا كنت خاېف أعرفك فالقرش يغيرك أو الطمع يدخل بينك وبين سعاد. أنت صنتني وأنا في عجزِي، وأنا صنتك وأنا تحت التراب. افتكرني بالدعاء كل ما تشرب شاي كشړي على كرسيك المفضل.
وقع السطر الأخير من إيدي، واڼهارت على الركبتين في الصالة.. وبكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي.
أفتكرت كل مرة اتعفرتت فيها من مصاريف دواه..
افتكرت كل مرة بصلي فيها وقال ربنا يرضى عليك يا ابني ويفتحها في وشك..
اتاري الدعوة دي كانت بتتنفذ في السر كل يوم وفي كل ثانية!
مشيت للأوضة الصغيرة اللي في آخر الطرقة.. فتحت الباب.
ريحة الشاي بالنعناع وطاقية الشباك الرمادي كانت لسه في الأوضة.. الكرسي الخشب القديم كان فاضي، والراديو الصغير محطوط على الترابيزة.
قعدت على الأرض جنب كرسيه، ومسكت الطاقية بتاعته وحطيتها على وشي وأنا بعيط وبستغفر ربنا..
الراجل اللي كنت فاكره حِمل وتقيل عليا بقالي عشرين سنة.. طلع هو اللي شايلني وشايل ولادي وعاززني من غير ما ينطق بكلمة واحدة!
عاش بينّا بسيط ومستور، وماټ
وهو سايبلي درس عمري ما هنساه طول حياتي

إن الأصول والجدعنة عمرهم ما بيضيعوا.. وإن الستر اللي بيجي من ربنا على إيد راجل طيب، أغلى من
كل كنوز الدنيا.

تم نسخ الرابط