جاءوا ليدرسوا الطب في مصر فانتهى بهم الأمر بارتكاب جريمة مروعة
دماء على المعطف الأبيض: كيف تحولت خطبة رسمية لطلاب طب إلى جريمة هزت الرأي العام؟
في أروقة واحدة من أعرق كليات الطب في العاصمة المصرية القاهرة، حيث تفوح رائحة المعقمات وتمتزج بطموحات الشباب الآتي من بلاد الرافدين بحثاً عن العلم والمستقبل، دارت فصول واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها سجلات الحوادث. قصة لم تكن لتُصدق لولا أن أبطالها ومجرميها وضحيتها كانوا يقفون جميعاً على بُعد خطوات من قسم أبقراط الطبي. إنها مأساة "فاطمة"، و"فاروق"، و"كاظم"؛ ثلاثة طلاب عراقيين مغتربين، جمعتهم الغربة، ووحدهم حلم الطب، وفرقتهم دماء غادرة نُزفت في ظلام الليل.
الفصل الأول: حلم عراقي ورباط مقدس
بدأت القصة حين حطت رحال الثلاثة في القاهرة. شباب في مقتبل العمر، يحملون على أكتافهم آمال عائلاتهم في العراق التي سهرت ودفعت الغالي والنفيس لترى أبناءها أطباء يشار إليهم بالبنان. في الكلية، تميز الثلاثة بالالتزام، لكن القدر رسم مساراً مختلفاً لـ "فاروق" و"فاطمة".
لم تكن العلاقة بين فاروق وفاطمة مجرد زمالة عابرة أو طيش شباب، بل كانت علاقة راقية تُوجت في النور. طرق فاروق أبواب الأصول، وتواصل مع عائلتها في العراق، وتمت الخطبة الرسمية والمباركة الشرعية بموافقة العائلتين. ارتدت فاطمة خاتم الخطبة، وبدأت تنسج بخيالها صورة لعيادتهما المشتركة، ولبيت هادئ يجمعهما بعد التخرج. كانت أياماً مليئة بالأمل، حيث يدرسان معاً، يخططان للمستقبل، ويتشاركان قسوة الغربة وضغوط المناهج الطبية الصعبة.
الفصل الثاني: رياح الانفصال القاسية
كما تتغير الفصول، تتغير القلوب. لسبب لا يعلمه إلا الله، ثم أطراف العلاقة، بدأت غيوم الخلافات تتراكم في سماء الخطبَين. أدرك "فاروق" بعقلانية أن التوافق بينه وبين "فاطمة" أصبح شبه مستحيل، وأن استمرار هذه الخطبة قد يؤدي إلى زواج تعيس يظلم فيه نفسه ويظلمها معه. وبشجاعة، وإن كانت قاسية، طلب فاروق الجلوس مع فاطمة وأخبرها بقراره النهائي: فسخ الخطبة وإنهاء هذا الارتباط بشكل رسمي وودي، متمنياً لها التوفيق في حياتها العلمية والشخصية.
كان وقع الكلمات على فاطمة كالصاعقة. لم تتقبل قرار الانفصال كفتاة مؤمنة بالنصيب والقدر. جرح الرفض كبرياءها بشدة، واعتبرت قرار فاروق إهانة شخصية لا تُغتفر وتدميراً لأحلامها التي بنتها على مدى سنوات. تحول الحب والاحترام في قلبها إلى نقيضه تماماً؛ غضب أعمى، وحقد أسود، ورغبة متوحشة في الانتقام. لم تعد ترى في فاروق الزميل أو الخطيب السابق، بل رأت فيه "العدو" الذي يجب أن يدفع ثمن كسر خاطرها.
الفصل الثالث: تقاطع المصالح المظلمة
أثناء تخطيط فاطمة لانتقامها، كانت تبحث عن أداة أو حليف. وبحكم زمالتها، علمت بوجود خلاف مالي حاد ومتراكم بين فاروق وبين زميلهم العراقي الثالث "كاظم". كانت هناك شراكات مالية أو ديون معقدة بين الشابين وصلت إلى طريق مسدود، وكان كاظم يشعر بالغبن والغضب تجاه فاروق.
هنا، التقت الرغبة في الانتقام العاطفي مع جشع الانتقام المادي. تقربت فاطمة من كاظم، وبدأت تغذي نيران غضبه،
الفصل الرابع: ليلة الاستدراج والغدر
حدد المتهمان يوم التنفيذ بعناية. اتصل كاظم بفاروق بنبرة هادئة ومسالمة، وطلب منه اللقاء لتصفية الخلافات المالية العالقة بينهما بشكل نهائي وودي، بعيداً عن أجواء الكلية والتوتر. فاروق، الذي كان يتمتع بطيبة قلب ونوايا حسنة، لم يشك للحظة في نوايا زميله، خاصة أن اللقاء بدا وكأنه خطوة إيجابية لإنهاء المشاكل.
وافق فاروق على الفور، ونزل من سكنه ليلتقي بهما. استقلو سيارة معاً بحجة الذهاب إلى مكان هادئ للجلوس والحديث. استدرج المتهمان فاروق إلى منطقة نائية ومقطوعة تماماً عن الحركة العمرانية في أطراف العاصمة. وبمجرد أن توقفت السيارة وتأكدا من خلو المكان وسكون الليل، سقطت الأقنعة.
انقض كاظم وفاطمة على فاروق في مشهد يعجز العقل البشري عن استيعابه. انهالا عليه بضربات غادرة. صرخات فاروق، استنجاده بزملائه، ونظرات الاستغراب في عينيه لم تشفع له أمام قلوب تحولت إلى حجارة صماء. وفي دقائق معدودة، سقط الشاب الطموح، خطيب الأمس وصديق العمر، جثة هامدة . ولإخفاء معالم الجريمة، قاما بدفنه في منطقة رملية صحراوية، ونفضا أيديهما من الدماء، وعادا في صباح اليوم التالي إلى مدرجات الكلية
الفصل الخامس: الخيط الرفيع وعدالة السماء
اختفاء فاروق المفاجئ لم يمر مرور الكرام. انقطاع اتصالاته أرعب أهله في العراق، وأثار قلق زملائه في الكلية. تم تحرير محضر رسمي باختفائه، وهنا تدخلت الأجهزة الأمنية المصرية. برجال مباحث محترفين وتكتيكات جنائية دقيقة، بدأ تتبع آخر تحركات الضحية والمكالمات الصادرة والواردة لهاتفه.
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى قاد "الخيط الرفيع" رجال الشرطة مباشرة إلى فاطمة وكاظم، باعتبارهما آخر من تواصل مع فاروق. في البداية، حاولا الإنكار واصطناع الصدمة والحزن على اختفاء زميلهما، لكن مع تضييق الخناق الأمني ومواجهتهما بتناقض أقوالهما وتتبع النطاق الجغرافي لهواتفهما يوم الحادث، انهارت قلاع الكذب. اعترفت فاطمة تفصيلياً بالجريمة، وأرشدت عن مكان إخفاء الجثة، لتنتهي فصول مسرحية الإخفاء وتتجلى الحقيقة المروعة.
الخاتمة: نهاية مأساوية في قفص الاتهام
أحالت النيابة العامة المتهمين إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. لم تجد المحكمة أي مبرر للرأفة بطلاب علم تحولوا إلى قتلة بدم بارد. استمعت المحكمة لمرافعة النيابة التي جسدت بشاعة خيانة الأمانة والغدر، لتنطق بالحكم الرادع الذي أثلج صدور أسرة الضحية: إحالة أوراقهما إلى المفتي، ومن ثم الحكم بالإعدام شنقاً.
وقف المتهمان خلف القضبان، وقد تبدلت المعاطف البيضاء التي كانا يحلمان بارتدائها في المستشفيات، بملابس السجن، في انتظار ارتداء البدلة الحمراء.
لمشاهدة الفيديو :