جنون امي من حكايات زهرة الربيع
ابتسم ابتسامة قذرة ومريضة، وزقني بقوة على الأرض، وقفلت الباب بالمفتاح عشان مايا ما تسمعش حاجة. وقرّب مني وهو بيفك زراير أكمام قميصه، وقال بصوت واطي ومخيف: "أنا اللي ربيتكم! أنا اللي شلتكم لما أبوكي الحقيقي مات واندفن تحت الأرض ومحدش دريان بيه!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. "أبويا الحقيقي مات؟!"
قال وهو بيضحك بتهكم ومرارة: "أبوكي المرحوم كان أخويا التوأم.. التوأم الملتزم، الشريف، اللي أخد العز والبيت والست اللي طول عمري بحلم بيها! مديحة كانت ملكي أنا الأول، بس هي اختارته هو عشان كان الأخ الطيب.. وأنا طلعت الصايع، البصام، اللي العيلة بريت منه وطردته من حياتها! سافرت وتغربت وكنت بشوف نجاحه وأنا باكل في نفسي من الغل."
كمل وهو بيمشي في الأوضة زي الوحش المحبوس، وعيونه بتلمع في النور الضعيف: "من 15 سنة، جيت هنا في نص الليل سر من غير ما حد يحس. كان بيني وبين أخويا حسابات وفلوس قديمة. دخلت عليه وهو صاحي، اتشاكلنا بصوت واطي، ومسكت في رقابته لحد ما مات في إيدي. ما كنتش ألمح خيار تاني غير إن أحل محله! إحنا توأم متطابق بالملي، محدش يقدر يفرق بينا في الشكل ولا الصوت ولا حتى النبرة. شلت جثته ونقلتها بالليل في شنطة عربيتي، ودفنته في المزرعة المهجورة اللي كانت ملكنا زمان، ورجعت البيت حاسس إني خلاص بقيت صاحب الأملاك وصاحب البيت والزوج والأب!"
دموعي كانت بتنزل بغزارة، والذهول شال تفكيري تماماً.. الراجل ده عاش معانا 15 سنة وممثل دور
كمل وقال وعيونه مليانة غضب مجنون: "أول ليلة ليّ في البيت، دخلت الأوضة عشان أسرق ورق الشقة والفلوس قبل ما أتقن الدور، مديحة صحيت وفتحت النور.. ولأنه توأمي، ما عرفتش تفرق في الأول، بس لما قربت منها عشان أسكتها، مسكتني من كتفي الشمال تتهمني وتعاتبني.. وعرفت! عرفت إن الوحمة مش موجودة! عرفت إني مش جوزها بل القاتل اللي سرق حياته! قمت زاققها وهي بدأت تصرخ وتتجنن. وما تلاقتش طريقة أهرب بيها من اتهامها القاتل غير إني أتهمها بالجنون، وأمثل قدام الكل إنها جتلها حالة نفسية وتخيلت إني اعتديت على مايا الصغيره عشان أكسر شهادتها قدام الناس والمحكمة وأخلي كلامها كله يهياث مالوش قيمة! الكل صدقني.. عشان أنا الأب الملتزم اللي بيعيط على مراته، وهي الست اللي اتجننت فجأة!"
"يا مجرم.. يا قتال القتلة!" صرخت فيه وأنا بحاول أقوم وأجري على الباب، "أمي عاشت 15 سنة مظلومة ومقيدة في مستشفى المجانين بسبب قذارتك! حرمتنا منها وعيشتنا في وهم وخليتنا نكرهها ونخاف منها! والله ما هسيبك!"
قبل ما أوصل للباب، مسكني من شعري وجرني لورا بقوة. وقعت على الأرض ورأسي خبطت في طرف الكومودينو. الحس ضرب في رأسي ودم دافي بدأ ينزل على وشي. مسك المقص اللي كان وقع مني، وقرّب مني وهو بيقول بصوت ملهوش رحمة: "للأسف يا نسمة.. كان نفسي أحضر فرحك وأسلمك لعريسك زي أي أب.. بس إنتي نبشتي في المقابر، واللي ينبش في المقابر يدخل جوة معاهم! مستحيل أسمحلك تهدني بعد كل السنين
رفع المقص وكان نازل بيه في صدري، غمضت عيني وصريخي ملا المكان، واستسلمت للموت وأنا بدعي ربنا ينقذ أختي منه..
وفجأة! الباب اتخلع بصوت حاد جداً زلزل الأوضة!
"سيبهااااا يا حوان!"
فتحت عيني بسرعة، لقيت مايا واقفة على الباب، وشها أصفر زي الميتين، ماسكة فازة ورد رخام ثقيلة جداً، وبكل قوتها وصرخة وجع مكتومة من سنين، خبطته بيها على دماغه من ورا! الراجل اتغير اتزانه ووقع على الأرض مغمي عليه والدم نازل من راسه يغرق السجادة.
مايا كانت بترتعش وبتعيط وهي شايفاني غرقانة في دمي. جرت عليّ وحضنتني وهي بتصرخ بهستيريا: "نسمة! نسمة إنتي كويسة؟! إيه الكلام البشع اللي الراجل ده كان بيقوله ده؟! أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب! بابا فين؟ وأمي فين؟!"
أنا مسكت إيدها بقوة وقلت لها وأنا بقوم بصعوبة ونفسي مقطوع: "أمي مش مجنونة يا مايا.. أمي كانت حاميتنا طول السنين دي بعذابها! أمي مظلومة! اتصلي بالشرطة بسرعة.. اتصلي بعصام (خطيب) وبالشرطة، الكابوس ده لازم ينتهي النهار ده قبل ما يفوق!"
ربطنا إيديه ورجليه بسلك التليفون، وخلال ساعات قليلة، كانت الشقة مليانة بشرطة وباحثين جنائيين. والراجل ده لما فاق اتقبض عليه، ومع الضغط والتحقيقات العنيفة ومواجهته بالأدلة البصمية واختبارات الـ DNA اللي أثبتت إنه مش أبويا البيولوجي بل أخوه التوأم، انهار تماماً. اعترف بكل حاجة.. ارتحلت القوات للمزرعة المهجورة واستخرجوا جثة أبويا الله يرحمه اللي كانت مدفونة هناك،
القضية هزت الرأي العام، وكل الناس اللي اتهموا أمي زمان بالجنون وبصوا لنا بعين الرحمة المزيفة، كانوا موطيين راسهم في الأرض من الخزي والذنب.
بعد أسبوع واحد..
كنت واقفة قدام باب مستشفى الأمراض العقلية، بس المرة دي ما كنتش لوحدي. كنت أنا ومايا، وعصام خطيبي اللي وقف جنبي زي الجبل، ووكيل النيابة اللي جاب قرار إخلاء سبيل رسمي ورد اعتبار كامل لأمي.
الباب الكئيب اتفتح.. وأمي خرجت.
كانت لابسة فستان أبيض هادي جابتهولها مايا، وشعرها الأبيض يتطاير مع الهواء. أول ما شافتني أنا ومايا، ما صرختش ولا عيطت بمأساوية.. ابتسمت نفس الابتسامة الهادية الصافية بتاعة زمان، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي وعارفة إن الحق لازم هيرجع.
جرت مايا عليها وارتمت في حضنها وهي بتعيط وتستسمحها وتبوس إيديها، وأنا قربت منها، مسكت إيدها اليمين، وبست بطن إيدها.. المكان اللي رسمتلي فيه العلامة اللي نقدت حياتنا وحررتها من السجن الظالم.
أمي رفعت رأسي، ومسحت دموعي وإيدها بترتعش من الفرحة، وقالت بصوت كله دفا وأمان رجّع للبيت روحه: "خلاص يا نسمة.. خلاص يا مايا.. الكابوس خلص، ويا دوب نلحق نجهز لفرحك ونفرش شقتك زي ما كنت بحلم طول عمري."
حضنتها بأقوى ما عندي، ولأول مرة من 15 سنة، حسيت إن صدري اتنفس هواء نقي، وإن البيت رجع يتدفى تاني بوجودها.. حسيت إن الحق مهما اتأخر ومهما اندفن