العضم

لمحة نيوز


المبحوح التاني
شفت السر يا أحمد؟ شفت اللي مكنش ينفع تشوفه يا ابن قلبي؟
الكائن اللي جوه الحفرة طلع منه صريخ عالي هز جدران العمارة كلها، وبدأ يتسلق حافة الحفرة وهو باصصلي وبيريل على الأرض! الحاجة سُكينة حطت ايدها على راسه ونهته وهي بتقول
مش ده يا ابني.. ده أحمد اللي بيجيبلك أكلك كل يوم.. اتقل، ميعادك مش النهاردة!
أنا مكنتش قادر أصرخ.. حاسس إن حبالي الصوتية اتقطعت، لساني أصلًا اتجمد في بقي ومش عارف أطلع أي صوت! رجعت بضهري وأنا بقع على الأرض من الخوف، وبزحف لورى كأني مشلول.. الحاجة سُكينة قربت مني بخطوات ثقيلة ومسكتني من القميص بقوة مكنش ممكن تطلع من ست عندها 80 سنة! وطت عليّ وقالت
في ودني وهي بتتنفس بسرعة
لو حد عرف باللي شفته هنا.. مش هخليك تطلع من العمارة دي عايش.. الشقة دي لو لسانك نطق بحرف!
ما حسيتش بنفسي بعدها إلا وأنا برة الشقة، مرمي على السلم وشي أصفر زي الميت، والمفتاح في ايدي! نزلت جري على شقتي، قفلت الباب بمليون قفل، وقعدت في الزاوية بأرتعش. جيت أصرخ، أستغيث، أنادي على أي حد.. مفيش صَوت طالع! حبالي الصوتية اتخرست تمامًا من هول !
عدى شهر، شهرين.. وأنا محبوس في شقتي، مفيش صوت بيطلع مني، صحابي في الكلية بدأوا يدوروا عليّ، زمايلي بيجوا يخبطوا على الباب وأنا مبردش ومبفتحش لحد.. باكل بالعافية، وبشرب بالعافية، وطول الليل سامع صوت الخربشة اللي تحت الأرض جاي من شقتها! سامع صوت العضم وهو بيتكسر فوق دماغي!
خلال الشهرين دول، عرفت اقرأ لغة الإشارة بالصدفة عشان

أتواصل مع الناس لما أضطر أنزل أشتري أكلي، وكل ما أعدي على الحاجة سُكينة، ألاقيها واقفة في البلكونة بتبصلي بابتسامة النصر.. ابتسامة بتقول لي أنا كتمت صوتك خلاص.
في يوم، بعد شهرين بالتمام، كنت قاعد في شقتي وبحاول أكتب في كشكول السر اللي كاتمه جوايا عشان لو جرالي حاجة، أهلي يعرفوا أنا إزاي. وفجأة.. الباب اتخبط!
فتحت بالراحة،
لقيت راجل كبير في السن، شكله راقي بس ملامحه تعبانة جدًا وفي عينيه دموع كتمها بالعافية.
سألني بصوت متقطع
أنت أحمد؟
هزيت رأسي ب أيوه وشرت له ب إيدي إن ماليش صوت.
الراجل دمع وقاللي
أنا عمك منصور.. ابن الحاجة !
أنا عيني وسعت من الصدمة! مسكت ايده ودخلته جوه بسرعة، وقفلت الباب. الراجل قعد على الكرسي وهو بيبكي وقاللي كلام غير حياتي تمامًا وفك لغز الرعب ده كله
أنا عارف إنك شفت حاجة.. وعارف إنك مابتنطقش من يومها! أنا أخي الصغير محمود من 25 سنة، كان عنده 18 سنة ورايح كليته ومرجعش.. أمي اتجننت، لفت بيه على كل الدكاترة، لحد ما وقعت في يد  ومشعوذ من الصعيد.. قالها إيه؟ قالها إن ابنها ، بس هو يقدر يرجع روح ابنها جوه بديل من عالم تاني! بس بشرط.. الكائن ده عشان يفضل عايش ويكبر، لازم يتغذى على العضم الني كل يوم، وفي يوم محدد بعد 25 سنة.. الكائن ده هيتحول لبني آدم كامل، ويرجع لها محمود ابنها!
الراجل كمل بدموع
أمي صدقته! وعايشة في الوهم ده من 25 سنة، بتجيب العضم وتغذي الشيطان ده اللي محبوس تحت الأرض، وفاكرة إنها بتربي ابنها! لكن الحقيقة إن ده مُستحضر،
وميعاد ال 25 سنة بكرة بالليل! لو الليلة دي عدت والكائن
ده شبع.. هيخرج من

فرة ويأكل العمارة باللي فيها، وأمي أول وحدة هيقضي عليها!
أنا سمعت الكلام ده والحبس اللي في حنجرتي بدأ يتفك من الهول! مشاعري كانت متضاربة بين الخوف الشديد والشفقة على الست العجوزة اللي الجهل والروحانيات المظلمة ضيعوا عقلها وحياتها!
الراجل مسك ايدي وقاللي
أنا جبت شيخ معالج وقارئ قرآن معانا بكرة بالليل.. بس محتاج مساعدتك، أنت الوحيد اللي دخلت  وعارف مكان الحفرة والباب! لازم ننهي دي بكرة قبل ما الفجر يطلع!
تاني يوم بالليل، الساعة كانت 12 بليل.. العمارة كلها كانت ساكنة تمامًا مظلمة، ومفيش غير صوت الريح بره. نزلت أنا وعم منصور والشيخ، وهو راجل كبير بلمحة طيبة ماسك في ايده مصحف ومية مقري عليها قرآن.
وصلنا باب الشقة.. عم منصور
طلع نسخة مفتاح قديمة معاه وفتح الباب بهدوء. دخلنا الشقة، وكانت الريحة المرة دي أضعاف المرات اللي فاتت! ريحة لا تطاق!
مشين ببطء للممر، لحد ما وصلنا المقفولة.. الباب مكنش عليه قفل! كان مفتوح سنة بسيطة، ونور أحمر غريب طالع منه!
الشيخ قرب من الباب وبدأ يقرأ سورة البقرة بصوت جلي وقوي..
أول ما الصوت رن في الشقة، سمعنا صرخة تجيب الأجل من جوه الأوضة! صرخة مش بشرية إطلاقًا، صرخة فيها حشرجة وغضب رهيب!
فتحنا الباب بسرعة.. واللي شفنا كان كابوس حقيقي!
الكائن كان خارج من الحفرة بالكامل، طوله عدي الاتنين متر، وضوافره غارزة في الأرض، ومسك الحاجة سُكينة من رقبتها وهي بتصرخ وتبكي وتقول
يا
محمود يا ابني! أنا أمك اللي ربيتك! أنا اللي اطعمتك 25
سنة! افتكرني يا ابني!
لكن الوحش مكنش فاهم ولا حاسس.. كان رافعها في الهواء وعينيه بتطلع شرار، ورايح يكسر رقبتها!
الشيخ مأطّش وقفة، رفع ايده ورش المية المقري عليها على الكائن وهو بيكبر بصوت زلزل المكان
الله أكبر! الله أكبر! أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق!
أول ما المية لمست جلد الكائن، طلع منه دخان أسود كثيف أركان العمارة كلها! الشباك المتقفل بالبطاطين اتكسر والزجاج طار في كل حته! الكائن ساب الحاجة سُكينة ووقع على الأرض وهو بيتلوى زي الثعبان المغلي!
عم منصور جرى على أمه وشالها بعيد، وأنا وقفت جنب الشيخ وأنا بساعده ورشيت باقي المية عليه ونطق لساني فجأة بأعلى صوت عندي من غير ما أحس
يا رب! يا رب انصرنا!
صوتي رجعلي في لحظة
القهر دي!
فضل الشيخ يقرأ آية الكرسي وآيات إبطال السحر، والدخان يزيد ويطلع من الحفرة، والكائن ينكمش قدام عينا ببطء، ملامحه البشري الشبيهة ب محمود بدأت تسيح وتختفي، لحد ما تحول لرماد أسود جوه الحفرة، وساد الهدوء التام في !
الست العجوزة كانت قاعدة على الأرض بتبكي ، مش عشان الخوف.. عشان الوهم اللي عاشت فيه 25 سنة ضاع في لحظة! اكتشفت إنها مكنتش بتربي ابنها، إنها كانت بتغذي كان في الآخر.
تاني يوم الصبح، عم منصور أخد أمه وسافروا بلدهم بعيد عن العمارة دي، وردموا الحفرة بالإسمنت. وأنا لميت هدومي وسبت دي فورًا، ورجعت مدينتي لأهلي..
صحيح صوتي رجعلي، بس ال 15 كيلو عضم وصوت كسرهم تحت الأرض.. لسه بيرنوا
في أذني كل
يوم الصبح في نفس الميعاد!

 

تم نسخ الرابط