الرجل المغربي الذي اصبح حديث بلجيكا هو وعائلته!!
يستحقوا ما حدث، وإن الذكرى ستبقى مرتبطة بها طوال حياتها. إلا أن كلمات الندم لم تخفف وقع الفاجعة على الأب الذي خسر أسرته في ليلة واحدة، ولا على المجتمع الذي تابع القضية بذهول وڠضب.
أب أمام محڼة لا يمكن تخيلها
كان بوشعيب مقدم في قلب المأساة، رغم أنه لم يكن موجوداً في بلجيكا عندما وقعت. فبدلاً من أن ينتهي سفره بالعودة إلى بيت العائلة، بدأت رحلته من غرفة في المطار إلى مواجهة خبر فقدان أبنائه الخمسة. وتناقلت الصحافة وقتها صوراً ومشاهد من المحاكمة ظهر فيها الأب متأثراً بشدة، بينما كانت المتهمة تتجنب النظر إليه في بعض الجلسات.
كان الفرق بين ما خطط له بوشعيب وما واجهه لاحقاً قاسياً بصورة استثنائية. قبل ساعات قليلة من وصوله، كان يتخيل تفاصيل عودة بسيطة الدخول من باب البيت، سؤال الأطفال عما فعلوه في غيابه، ثم الجلوس مع زوجته بعد السفر. لكن رجال الشرطة اضطروا إلى إبلاغه بالنبأ داخل المطار بسبب هول الواقعة، وبحضور طبيب تحسباً لوقع الصدمة. تلك التفاصيل جعلت قصة بوشعيب مؤلمة حتى لمن لم يعرفه؛ فقد انتُزعت منه الحياة التي يعرفها دون تمهيد، وفي مكان بعيد عن بيته ودون فرصة لوداع أبنائه.
ولأن بوشعيب من أصول مغربية، تابعت الجالية المغربية في بلجيكا القضية باهتمام كبير. انتشرت القصة بين المقيمين في الخارج كتحذير مؤلم من أن المآسي الأسرية قد تكون خفية خلف الأبواب المغلقة، وأن الغياب القصير أحياناً لا يكون مجرد رحلة عابرة. كما انتقل الخبر إلى وسائل إعلام عربية ومغربية ركزت على مأساة الأب الذي سافر إلى بلده ثم عاد إلى بلجيكا حاملاً ذكرى مختلفة تماماً عن الإجازة التي بدأها وسط عائلته.
وخلال سير القضية، انقسم اهتمام الرأي العام بين جانبين الرغبة في فهم ما الذي قاد الأم إلى هذه الحالة، والڠضب من النتيجة التي دفع ثمنها أطفال لا ذنب لهم. بعض التغطيات تناولت مسألة الصحة النفسية، فيما شددت أصوات أخرى على مسؤولية الأسرة والمحيط الاجتماعي والجهات المختصة في التعامل الجاد مع مؤشرات الاضطراب أو العزلة. ومع ذلك، بقيت الصورة الإنسانية الأوضح هي صورة أب وجد نفسه وحيداً أمام مأساة لا يمكن لأي تفسير أن يخففها.
ولم تتوقف معاناة الرجل عند الخبر والمحاكمة. إذ أثار ما نُشر لاحقاً عن التكاليف القضائية للقضية نقاشاً واسعاً في بلجيكا، بعد تداول أن بوشعيب طُلب منه تحمّل جزء من تلك الأعباء المالية، وهو أمر أثار انتقادات كبيرة وتعاطفاً واسعاً معه. وتحدثت تقارير عن مبلغ وصل إلى نحو 97 ألف دولار، في تفصيل رآه كثيرون قاسياً بحق أب فقد أطفاله.
الحكم المؤبد
في عام 2009، وبعد محاكمة استمرت قرابة أسبوعين، صدر الحكم بالسجن المؤبد بحق جينفيف لرميت،
وهي من أقصى العقوبات في القانون البلجيكي. جاء الحكم بعد أن اعتبرت المحكمة أن الأدلة والاعترافات تثبت مسؤوليتها عن ۏفاة الأطفال الخمسة.
القضية لم تكن مجرد خبر جنائي عابر في بلجيكا. لقد أعادت فتح النقاش حول الصحة النفسية، والعزلة داخل الأسر، ومدى قدرة المحيطين بالشخص المضطرب على ملاحظة مؤشرات الخطړ وطلب المساعدة في الوقت المناسب. لكنها في الوقت نفسه أكدت حقيقة أكثر إيلاماً لا يمكن لأي خلافات أو أزمات شخصية أن تبرر إيذاء الأطفال أو انتزاع حقهم في الحياة والأمان.
بعد سنوات من الواقعة، ظل اسم بوشعيب مقدم مرتبطاً بقصة الأب الذي غادر في إجازة قصيرة، وعاد ليواجه أسوأ خبر يمكن أن يسمعه إنسان. وبينما انتهت القضية بحكم قضائي، بقيت آثارها الإنسانية أكبر من أي حكم خمسة أطفال رحلوا، وأب وجد أن حياته تغيرت بالكامل قبل أن يخرج حتى من بوابة المطار.
وتبقى هذه القضية مثالاً مؤلماً على أن الأزمات العائلية والنفسية لا ينبغي أن تُخفى أو تُترك من دون تدخل. طلب المساندة المتخصصة في وقت مبكر، والاستماع الجاد إلى من يمر بضيق أو اضطراب، قد يمنعان تفاقم أوضاع خطېرة. أما في حالة بوشعيب، فقد كان الوقت قد فات عندما وصل إلى بلجيكا؛ إذ لم يعد أمامه سوى مواجهة حقيقة قاسېة بدأت برسالة غامضة وانتهت بخسارة لا يمكن تعويضها.