خسائر واصابات
إذن هناك فرق بين الاستعداد العسكري لحماية الملاحة وبين الدخول في حرب شاملة، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين.
وماذا عن مضيق هرمز؟
في الوقت نفسه، شهد مضيق هرمز تطورات منفصلة زادت من حساسية المشهد الإقليمي.
في 18 سبتمبر، أعلنت إيران أن الحرس الثوري استهدف ناقلة تجارية تحمل اسم «تريند» أثناء مرورها قرب مضيق هرمز، وقالت إن السفينة كانت تخالف ترتيبات العبور التي حددتها إيران.
وبحسب التقارير، اندلع حريق في السفينة وتوقفت عن الحركة، بينما تحدثت مصادر بحرية عن حادث استهداف لسفينة تجارية في المنطقة.
لكن تفاصيل الواقعة ظلت محل اختلاف في الروايات، كما لم يكن هناك تحقق مستقل كامل من جميع التفاصيل التي أعلنتها إيران بشأن السفينة والسبب المباشر للحادث.
وهذه النقطة مهمة للغاية، لأن هرمز ليس مجرد ممر بحري عادي.
إنه أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع ومستمر فيه يمكن أن يرفع تكاليف النقل والطاقة والتأمين.
وتشير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن أكثر من 80% من تجارة السلع العالمية من حيث الحجم تنتقل بحرًا، وأن اضطراب الممرات البحرية يمكن أن ينعكس سريعًا على تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
ماذا عن الولايات المتحدة والسعودية؟
في الخلفية أيضًا يوجد الدور الأمريكي.
تقارير صحفية في سبتمبر تحدثت عن تقديم واشنطن دعمًا استخباراتيًا ومساعدة في الاستهداف للسعودية في مواجهة الحوثيين، مع عدم وجود قرار أمريكي معلن في ذلك الوقت بشن ضربات مباشرة ضد الحوثيين.
وذكرت تقارير أخرى أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن الموقف قد يتغير إذا تصاعدت التهديدات ضد الملاحة في البحر الأحمر بشكل أكبر.
وبالتالي، فإن المشهد لا يمكن اختزاله في مواجهة سعودية-حوثية فقط، لأن أي توسع كبير في استهداف السفن أو الممرات البحرية قد يفرض على دول أخرى إعادة حساباتها الأمنية.
وفي مجلس الأمن.. تطور آخر بشأن إيران
في 17 سبتمبر، شهد مجلس الأمن الدولي مواجهة دبلوماسية جديدة بشأن ملف العقوبات على إيران.
روسيا والصين استخدمتا حق النقض ضد مشروع قرار كان يهدف إلى تمديد تفويض فريق الخبراء المستقل المكلف بمراقبة تنفيذ العقوبات المتعلقة بإيران.
وحصل المشروع على 11 صوتًا مؤيدًا، لكن تصويت روسيا والصين ضده حال دون اعتماده بسبب كونهما عضوين دائمين في المجلس.
وبحسب مجلس الأمن، فإن المشروع كان يستهدف تمديد ولاية فريق الخبراء حتى سبتمبر 2027، لكن القرار لم يمر.
وهذا التطور الدبلوماسي مهم لأنه يوضح أن التوتر لا يتحرك فقط على مستوى السفن والطائرات والصواريخ، وإنما يمتد أيضًا إلى المؤسسات الدولية.
أزمة إنسانية تتسع في اليمن
وبعيدًا عن الحسابات العسكرية والسياسية، هناك جانب آخر ربما يكون الأكثر تكلفة بالنسبة للمدنيين.
فالأمم المتحدة حذرت خلال سبتمبر من ارتفاع أعداد النازحين داخل اليمن بصورة حادة.
وفي أحدث الأرقام التي نقلتها الأمم المتحدة، تحدثت منظمة الهجرة الدولية عن نحو 144 ألف شخص نزحوا داخل اليمن حتى 28 سبتمبر بسبب التصعيد الأخير، مع اختلاف الأرقام بين المؤسسات الدولية نتيجة سرعة تغير الوضع وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن آلاف الأشخاص عبروا البحر باتجاه جيبوتي هربًا من القتال، بينما تواجه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المناطق المتضررة وتوفير الخدمات الأساسية.
وتؤكد هذه الأرقام أن أي حديث عن الممرات البحرية لا يتعلق فقط بأسعار الشحن والتأمين، وإنما يرتبط أيضًا بحياة آلاف الأسر التي وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها.
هل هناك رابط مباشر بين الطائف وباب المندب وهرمز؟
هنا يجب الحذر.
هناك تزامن واضح بين مجموعة من الأحداث العسكرية والبحرية في المنطقة، لكن هذا لا يعني تلقائيًا وجود خطة واحدة معلنة تربط كل واقعة بالأخرى.
حادث الطائف مرتبط بتطورات الصراع السعودي-الحوثي.
وتحرك إيطاليا يرتبط بحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب.
أما هرمز، فيرتبط بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة وحوادث السفن والتهديدات المرتبطة بالملاحة في الخليج.
لكن جمع هذه الأحداث في صورة واحدة يمكن أن يساعد في فهم حجم المخاطر الإقليمية، وليس بالضرورة إثبات وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه التطورات.
لماذا يخشى العالم من اجتماع أزمتي باب المندب وهرمز؟
السيناريو الذي يثير القلق الاقتصادي هو أن تتزامن اضطرابات كبيرة في أكثر من ممر بحري استراتيجي.
فعندما تتعرض سفن للخطر في باب المندب، قد تختار شركات الشحن طرقًا أطول حول أفريقيا.
وعندما تتعرض الملاحة للخطر في هرمز، فإن شركات الطاقة والناقلات قد تواجه بدورها ارتفاعًا في تكاليف التأمين والمخاطر.
وإذا اجتمع الأمران لفترة طويلة، فقد تتضاعف الضغوط على النقل والطاقة وسلاسل الإمداد.
وتشير خبرات أزمة البحر الأحمر السابقة إلى أن تحويل السفن لمسارات أطول يرفع استهلاك الوقود وأجور الطواقم وتكاليف التأمين والاستئجار، كما يزيد زمن وصول البضائع.
وهذا هو الجانب الذي قد يصل تأثيره في النهاية إلى المستهلك العادي.
فارتفاع تكلفة النقل لا يبقى بالضرورة داخل شركات الملاحة، بل يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار بعض المنتجات والخدمات إذا طال أمد الأزمة.
ماذا يمكن أن يحدث خلال الفترة المقبلة؟
هناك أكثر من مسار محتمل، ولا يمكن الجزم الآن بأن أحدها سيحدث حتمًا.
المسار الأول هو استمرار الضربات والعمليات المحدودة، مع بقاء الأطراف حريصة على عدم تحويل الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة.
المسار الثاني هو زيادة الإجراءات الدولية لحماية السفن، خصوصًا في باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما يفسر الدعوات الأوروبية إلى زيادة قدرات عملية أسبيدس.
المسار الثالث هو اتساع نطاق استهداف السفن والممرات البحرية، وهو السيناريو الذي قد يرفع تكلفة التجارة والطاقة والتأمين بصورة أكبر.
وهناك أيضًا المسار الدبلوماسي، خصوصًا أن الاتصالات الدولية بشأن إيران واليمن وملفات المنطقة لم تتوقف بالكامل رغم التصعيد العسكري.
الخلاصة
الصورة التي ظهرت خلال سبتمبر أكثر تعقيدًا من مجرد حادث طائرة مسيّرة أو تحرك سفينة حربية.
الطائف شهد خسائر بشرية بعد سقوط شظايا مسيّرة تم اعتراضها، واليمن شهد تصعيدًا عسكريًا أدى إلى موجة نزوح كبيرة، وإيطاليا تحركت بصورة أوضح لحماية سفنها التجارية في باب المندب، بينما شهد هرمز حوادث بحرية جديدة زادت المخاوف بشأن أمن الملاحة.
وفي الوقت نفسه، ما زالت بعض الأرقام والادعاءات العسكرية بحاجة إلى التعامل معها باعتبارها تصريحات صادرة عن أطراف النزاع وليست حقائق مستقلة نهائية.
أما اقتصاديًا، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في اسم الدولة أو السفينة أو الممر وحده، وإنما في احتمال استمرار الاضطرابات بما يكفي لإجبار شركات النقل والطاقة على تغيير طرقها بصورة واسعة.
ولهذا تبقى الأنظار معلقة على الطائف وباب المندب وهرمز، ليس لأن الأحداث الثلاثة تمثل بالضرورة جبهة واحدة، وإنما لأن أي تصعيد طويل في هذه المناطق يمكن أن تكون له آثار تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى التجارة والطاقة والأسواق العالمية.
وفي النهاية، السؤال الأهم ليس فقط: ماذا حدث؟
بل:
هل تبقى هذه التطورات في حدود عمليات متفرقة، أم تتحول أزمة الممرات البحرية إلى عامل ضغط اقتصادي وأمني أكبر خلال الأسابيع المقبلة؟