وهم يغسلونها بدأ النمل يظهر على جسدها كله
في عقلها يبحث عن تفسير.
لكن أنفاسها تغيّرت لأن البيت تغيّر معها.
لم تعد الصالة صالة.
صارت كأنها مساحة انتظار.
الجدران أغمق، والضوء أضعف، حتى الشمس التي تدخل من النافذة كانت تبدو خجولة، كأنها لا تريد أن ترى.
شدّت عواطف الدفتر إلى صدرها، ومشت نحو الممر.
كان ممرًا ضيقًا ينتهي بثلاثة أبواب.
أبواب لم ترَها مفتوحة في حياتها.
في الماضي، كانت تمر من هنا فقط حين تضع الخبز أمام عتبة البيت، ثم تهرب.
الآن كانت تقف أمام بابٍ أيسر، عليه قفل قديم كأنه من زمن آخر.
القفل كان مفتوحًا.
مدّت يدها، تردّدت، ثم دفعت الباب.
فتحت الغرفة على رائحة غبار و شيء آخر.
رائحة ليست كريهة، لكنها كانت ثقيلة، تشبه رائحة ملابس قديمة تُركت طويلًا في صندوق مغلق.
دخلت عواطف خطوة، واختفى صوت الصالة خلفها كأن الباب قطعها عن العالم.
الغرفة كانت صغيرة، وفيها سرير حديدي ومرآة طويلة وخزانة خشبية.
لكن الشيء الذي جعل عواطف تضع يدها على فمها لم يكن الأثاث
بل المرآة.
المرآة لم تعكسها.
كانت تقف أمامها، ترى كتفها ووجهها جزئيًا لكن وسط المرآة كان هناك ظل.
ظلّ واقف في مكانها.
ظل طويل، رقبته أطول مما يجب، وملامحه غير واضحة، لكنه يملك عينين
عينين تنظران إليها من داخل انعكاسها.
تراجعت عواطف خطوة، والظل تراجع معها.
رفعت يدها والظل رفع يده.
لكن حين فتحت فمها لتصرخ، لم يفتح الظل فمه.
ابتسم فقط.
سمعت خشخشة خفيفة من داخل الخزانة.
كأن أحدًا يحرك شيئًا بين الملابس.
قالت بصوت مرتجف
مين مين هناك؟
لم يجب أحد.
لكن الدفتر في يدها بدأ يسخن.
سخونة غير طبيعية، كأن الكلمات تحترق بداخله.
فتحته بسرعة، فوجدت صفحة جديدة لم تكن موجودة قبل دقائق.
كانت تُكتب الآن سطرًا سطرًا كما لو أن قلمًا غير مرئي يخطها.
دخلتِ الغرفة اللي نسيتيها.
المرآة مش مرآة
دي باب.
واللي جوّا الباب كان مستنيكي.
توقفت الكلمات لحظة، ثم ظهر سطر جديد
لو بصيتي في المرآة أكتر هتشوفي يوم ما دفنتي صوتك.
رفعت عواطف رأسها ببطء.
الظل في المرآة كان ما زال هناك لكنه هذه المرة لم يقلّدها.
تحرّك وحده.
مدّ يده نحو سطح المرآة
ثم بدأ يضغط عليه، كما لو كان الزجاج شيئًا لينًا، كالماء.
المرآة تشوّهت تحت أصابعه، وظهرت تموّجات تتسع.
عواطف تراجعت للخلف وهي تلهث.
اصطدمت بالسرير الحديدي.
صدر منه صوت طِن حاد.
وفي اللحظة نفسها، سُمِع من داخل المرآة صوت دقّات نفس الدقّات التي سمعتها في الليل
دقّة
دقّتان
ثلاث
ثم خرج صوت همسٍ شديد القرب، كأنه يسكن أسفل جلدها
إنتِ فاكرة إنك سمعتي الخربشة بعد مۏتها؟
لا
إنتِ سمعتيها يوم ما قررتي تسكتي.
لم تعرف عواطف ماذا يعني حتى رأت شيئًا في زاوية الغرفة
حذاء صغير.
حذاء طفل رماديّ اللون مغطى بالغبار.
الحذاء كان مألوفًا.
مألوفًا بطريقة جعلت قلبها ينهار قبل أن تتذكر السبب.
وفي الدفتر، ظهر سطر أخير كأنه حكم
ده بتاعه
وده سبب إن اسمك في القائمة.
وفي اللحظة التي مدّت فيها يدها نحو الحذاء
انطفأ الضوء تمامًا.
ولم يبقَ إلا صوت واحد
خربشة من تحت البلاط.
حين انطفأ الضوء، لم يصبح الظلام مجرد غياب للرؤية
صار وجودًا.
كأنه شيء كثيف يملأ الغرفة ويضغط على صدرها، ويقيس أنفاسها واحدةً واحدة.
مدّت عواطف يدها تتحسس الحائط لم تجد المفتاح، ولا النافذة، ولا حتى موقع الباب كما تتذكره.
الغرفة تغيّرت.
كانت تسمع نفسها فقط ثم سمعت شيئًا آخر
صوت حركة في المرآة، كأنها ماء يُحرَّك من الداخل.
تراجعت حتى اصطدمت بحدّ البلاط قرب الصالة.
الشعور بأن البيت يوجهها لم يغب.
بل صار أوضح
هو لا يخيفها كي تهرب
هو يخيفها كي تتذكر.
قالت بصوت متحشرج
أنا ما عملتش حاجة.
جاء الرد من العتمة، هادئًا، بلا ڠضب
ده اللي بتقولي لنفسك.
وفجأة
اشټعل الضوء.
لكن ليس ضوء الشمس.
بل ضوء أبيض قاسٍ، كأنه من غرفة تحقيق.
رأت الصالة مرة أخرى، لكن الأشياء فيها لم تعد كما كانت.
الأثاث ليس أثاث أمّ وداد
الأثاث صار أثاث بيتها هي.
نفس السجادة التي كانت في غرفة جلوس عواطف.
نفس الطاولة الخشبية الصغيرة التي كانت تضع عليها الشاي للضيوف.
حتى المزهرية المکسورة هي نفسها.
شهقت وهي تلتفت حولها.
هذا ليس بيت أمّ وداد.
أو هو كذلك، لكنّه يتقمّص شكل ذاكرةٍ دفنتها.
ثم رأت الباب.
باب غرفة صغيرة في آخر الصالة لم يكن موجودًا في بيت أمّ وداد.
لكنها تعرفه.
تتعرف عليه كما تتعرف اليد على جرحٍ قديم بمجرد لمسه.
الباب كان نصف مفتوح.
لم ترد الاقتراب، لكن قدميها اقتربتا وحدهما، وكأن الأرض تسحبها من كاحليها.
وكلما اقتربت، عاد صوت الخربشة، ليس من تحت البلاط هذه المرة
بل من داخل رأسها.
عند الباب، ترددت ثانية.
ثم دفعت.
الغرفة كانت ضيقة جدًا.
جدرانها عاړية.
وفي وسطها صندوق خشبي صغير.
ليس تابوتًا بل صندوق ألعاب قديم، مغطى بطبقة غبار كثيفة.
وعلى الصندوق نفس الحذاء الرمادي.
سقطت عواطف على ركبتيها.
لم تبكِ.
عيناها ظلتا جافتين، كأن الدموع رفضت أن تشارك في الاعتراف.
ومن خلفها سُمعت خطوات.
خطوات خفيفة، كأن شخصًا لا يريد أن يوقظ أحدًا.
التفتت عواطف ولم ترَ أحدًا.
لكن المرآة في الصالة كانت تعكس شيئًا يقف خلفها
الظل الطويل.
هذه المرة كان أقرب، وملامحه بدأت تتشكل لا بوضوح، بل كأن الوجه يتكون من ظلال وجوه كثيرة.
همس
افتحي الصندوق يا عواطف.
قالت
ليه؟
رد
عشان تعرفي الاسم الاسم اللي ما بتقولهوش الاسم اللي دفنتيه تحت البلاط.
ارتجفت أصابعها وهي ترفع غطاء الصندوق.
لم يكن فيه چثة ولا شيء دامي، لكن ما كان بداخله كان أسوأ
دفتر رسومات صغير.
في الصفحة الأولى، رسمة طفولية لشخصين يمسكان بأيديهما.
شخص كبير وشخص صغير.
وفوق الرسمة كلمة واحدة مكتوبة بخط طفل
ماما
شعرت عواطف أن الهواء انقطع.
لا هذا ليس دفتر ابنها.
هي لم يكن لها ابن.
أو هكذا كانت تقول للجميع.
قلبت الصفحة التالية.
كانت فيها رسمة لباب مغلق، وتحتها جملة
لو ما فتحتِليش هفضل أخبط.
ثم الصفحة التالية
أنا