بنت الشارع حكايات زهرة حصري
نفسي.
أنا اللي كنت فاكر إني بعمل حركة أغيظ بيها أهلي، طلعت اتجوزت إنسانة شايلة ۏجع سنين، وأنا حتى ما سألتهاش عن اسمها!
قربت منها وقلت
أنا آسف يا مريم. أنا غلطت في حقك من أول لحظة، لأني ما فكرتش فيكي كإنسانة، فكرت فيكي كوسيلة أنتقم بيها من أهلي.
مريم بصتلي وقالت
الاعتذار مش هيغير حاجة يا أحمد. أنا مش عايزة أعيش معاك عشان تشفق عليا، ولا عايزة أفضل في بيتك عشان أنت حاسس بالذنب. واصلا بعد اللي عرفته وانك ابن الناس اللي اتسببوا في مۏت ابويا وضياعي مستحيل افضل هنا.
وقبل ما أرد، جرس الباب رن.
أبويا اتوتر بشكل غريب، وأمي قامت بسرعة تمسح دموعها.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة وماسك ملف كبير في إيده. أول ما شاف مريم، وقف مكانه وقال
الحمد لله إني لحقتك يا بنتي!
مريم جريت عليه وقالت
كويس انك وصلت بسرعه يا عم فؤاد
الراجل بص لأبويا وقال
كان لازم اجي يا بنتي اناكنت مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة، وكنت عارف إن الحقيقة هتظهر مهما طال الزمن بس كنت مستني لما تكملي ٢١ سنع وتقدري تاخدي حقك لو مش بالذوق يبقى بالقانون.
أبويا اتراجع لورا، وقال بتوتر
إنت بتعمل إيه هنا يا فؤاد؟!
فؤاد رد عليه
جاي أرجع الحق لصاحبه. أنا كنت محاسب الشركة، وكنت شاهد على كل اللي حصل، لكنك هددتني وقتها وخۏفت على عيالي، فاضطريت أسكت. وبعد ما سافرت، احتفظت بنسخ من
الحسابات والمستندات اللي تثبت براءة محمود.
فتح الملف وطلع منه أوراق قديمة، وحطها على الترابيزة.
وقال
المستندات دي فيها كل التحويلات، والتوقيعات، والتواريخ. فيها دليل واضح إن محمود ما سرقش جنيه واحد، وإن الفلوس اللي اتهمته باختلاسها راحت لحسابات تخصك.
أبويا قعد على الكرسي كأنه فقد القدرة على الوقوف.
وأنا كنت ببص للأوراق، وحاسس إن حياتي كلها پتنهار قدامي.
فؤاد كمل
أنا حاولت أوصل لمريم من سنين، لكن الظروف فرقتنا. ولما عرفت إنها بتدور على الحقيقة، اتواصلت معاها وبدأت أساعدها، ودلوقت لما لقت استاذ احمد جايبها هنا اتصلت عليا وقالتلي اجي.
مريم بصت لأبويا وقالت
أنا مش عايزة أشوفك في السچن، ولا عايزة أدمرك زي ما ډمرت أبويا. أنا عايزاك تعترف بالحقيقة قدام الناس، وترجع الحقوق لأصحابها، وتقول إن محمود الشناوي كان راجل شريف.
أبويا حط وشه بين إيديه، وفضل ساكت وقت طويل.
وبعدين رفع راسه وقال
أنا غلطت، ومهما عملت مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت. بس أنا مستعد أعترف بكل حاجة، وأرجع حقك.
أمي بصت له بذهول، وقالت
إنت هتضيع نفسك بإيدك؟!
رد عليها
أنا ضيعت نفسي من يوم ما ظلمت محمود. الفلوس اللي كسبتها وقتها ما جابتليش غير الخۏف، وكل يوم كنت بخاف إن الحقيقة تظهر.
في اللحظة دي، فهمت ليه أمي كانت مړعوپة لما شافت مريم. ما كانش خۏفها من شكلها، ولا من إنها بنت فقيرة، لكن لأنها كانت شايلة الحقيقة اللي ممكن تهدم كل اللي بنوه على الظلم.
بعد أيام، أبويا اعترف أمام المحامي بكل اللي حصل، وبدأنا الإجراءات القانونية عشان حق مريم يرجع. ما كانش الموضوع سهل، لأن القضية قديمة، لكن المستندات وشهادة فؤاد ساعدوا في إعادة فتح الملف ومراجعة الحكم.
أما أنا، فكنت قدام قرار صعب.
كنت أقدر أعتبر إن مريم مجرد ضحېة لظلم أهلي، وأطلقها وأبعد عن كل المشاكل، لكن كل ما كنت ببص في عينيها، كنت بحس إن دي أول مرة في حياتي أقابل إنسانة ما بتطلبش غير حقها.
قلت لها
مريم، أنا عارف إن جوازنا بدأ بطريقة غلط، وعارف إنك مش مطالبة تكملي معايا. لو عايزة ننفصل، هحترم قرارك، وهساعدك توصلي لحقك من غير ما يكون بينا أي ضغط.
بصتلي باستغراب، وبعدها قالت
لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت ده، أحس إن حد بيسألني أنا عايزة إيه، مش بيقرر عني.
سكتت شوية، وبعدين قالت
أنا مش هقدر أحبك لمجرد إنك اعتذرت، لكن ممكن أدي لنفسي فرصة أعرفك بعيد عن تصرفك الأول. لو هنكمل، لازم يكون بينا احترام، ولازم تفهم إن حياتي مش ملكك.
ابتسمت رغم الۏجع اللي جوايا، وقلت
موافق. ودي أول مرة أختار فيها حاجة من غير ما يكون هدفي أغيظ حد.
عدت الشهور، وبدأت مريم تستعيد حياتها. رجعت تكمل دراستها اللي كانت وقفتها بسبب الظروف، وساعدتها
تفتح مشروع صغير كانت بتحلم بيه من زمان. ما كنتش بديها فلوس عشان أحسسها إنها مدينة ليا، لكن كنا بنتفق على كل حاجة، وهي كانت بتشتغل بنفسها وتبني مستقبلها بإيديها.
وأبويا بدأ يرجع الحقوق اللي يقدر يرجعها، ووافق على تسوية قانونية تحفظ حق مريم. أما أمي، فكانت كل ما تشوفها تحاول تعتذر، لكن مريم ما سامحتهاش بسرعة.
وفي يوم، أمي راحت لمريم لوحدها، من غير ما تعرف إني موجود.
قالت لها وهي بټعيط
أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، ويمكن ما تسامحينيش أبدًا، بس أنا عايزة أقولك إني كنت غلطانة. أنا ظلمت أبوكي، وبعدها ظلمتك لما بصيتلك على إنك أقل مننا.
مريم ردت بهدوء
أنا مش هقدر أرجع الأيام اللي عشتها من غير أبويا، ولا هقدر أنسى إن أمي ماټت وهي شايلة الۏجع ده. لكن لو إنتي فعلًا ندمانة، ساعدي إن الحقيقة تفضل معروفة، وما تسمحيش لحد تاني يتظلم عشان الفلوس.
أمي هزت راسها، وكانت دي أول مرة أشوفها تعترف بغلطها من غير ما تدور على مبرر.
بعد سنة،
وقفت جنب مريم في افتتاح مشروعها الجديد، وكانت لابسة فستان بسيط ووشها منور بالفرحة. بصتلي وقالت
فاكر اليوم اللي طلبت مني فيه الجواز تحت الكبري؟
ضحكت وقلت
ده يوم عمري ما هنساه، لأني دخلت فيه البيت وأنا فاكر نفسي بانتقم، وخرجت منه وأنا عارف إن الاڼتقام مش بيصلح حاجة.
قالت
وأنا كمان عمري ما هنسى اليوم ده. كنت فاكرة إن الدنيا انتهت بيا، لكن اكتشفت إن ممكن الإنسان يبدأ من جديد حتى بعد ما يخسر كل حاجة.
مسكت إيديها وقلت
بس المرة دي، أنا مش هقولك تعالي معايا لمجرد إني عايز أثبت حاجة لحد. أنا بقولك إني عايز نكمل حياتنا سوا، لو إنتي لسه شايفاني أستاهل فرصة.
ابتسمت وقالت
هديك الفرصة، بس بشرط.
قلبي اتقبض وقلت
شرط إيه؟
ضحكت وقالت
عمرك ما تقرر عني حاجة من غير ما تسألني، حتى لو كنت فاكر إنك بتعمل مصلحتي!
ضحكت من قلبي وقلت
وعد.
وفي اللحظة دي، فهمت إن المصېبة اللي أمي كانت بتصرخ منها ما كانتش إني اتجوزت بنت فقيرة أو متسولة.
المصېبة كانت إن البنت اللي دخلت بيتي من غير ما تعرف هي داخلة بيت مين، كانت معاها الحقيقة اللي أهلي ډفنوها سنين.
وأنا اللي كنت فاكر إني بعاقبهم، اكتشفت إني كنت بعاقب نفسي بجهلي وغروري.
ومن يومها، عرفت إن قيمة الإنسان مش في فلوسه، ولا في اسم عيلته، ولا في البيت اللي عايش فيه.
قيمته في الحق اللي بيحافظ عليه، والظلم اللي بيرفض يشارك فيه، والكرامة اللي ما يسمحش لحد إنه يدوس عليها.
أما مريم، ففضلت في حياتي مش لأنها كانت محتاجة بيت تعيش فيه، لكن لأنها اختارت تكمل معايا بعد ما بقى عندها القدرة إنها تختار طريقها بنفسها.
وكانت هيه
زوجة عمري والحب اللي حلمت بيه، واتعلمت إن الندم الحقيقي مش دموع ولا كلام، لكنه إنك تصلح اللي تقدر عليه من غير ما تطلب من المظلوم إنه ينسى وجعه عشان ترتاح إنت.