العجوز والتابوت المدفون
المحتويات
الصورة دي ده أبويا!
الصورة كانت بتظهر خمسة رجال واقفين قدام مبنى خشبي قديم، ووراهم كنيسة صغيرة.
ماري اتعرفت على والدها فورًا، رغم إن الصورة كانت قديمة جدًا، وكان عمره وقتها ما يتجاوزش التلاتين سنة.
الشرطي قلب الصورة على ضهرها، فلقى تاريخ مكتوب بخط باهت سنة 1947.
وتحت التاريخ كانت مكتوبة خمسة أسماء عائلية.
واحد من الأسماء كان اسم عائلة ماري قبل جوازها.
الشرطي سألها
حضرتك تعرفي إيه عن الصورة دي؟
ماري هزت رأسها ببطء.
لا أنا عمري ما شفتها قبل كده. أبويا ما حكى ليش عن حاجة زي دي.
لكن قبل ما الشرطي يكمل أسئلته، جه صوت راجل من ورا الناس بيقول
أنا أعرف الحكاية.
الجميع لفوا ناحية الصوت.
كان فيكتور واقف عند بوابة الحديقة، جاي بعربيته القديمة، وأول ما عينه وقعت على التابوت المفتوح، وقف مكانه كأنه اتسمّر في الأرض.
وشه اتغير تمامًا، واللون انسحب منه.
ماري قامت بسرعة، ومشت ناحيته وهي مش قادرة تتحكم في ڠضبها.
فيكتور!
هو بص لها، لكن ما نطقش.
صړخت فيه
إنت عملت إيه؟! وفين فاليري؟!
فيكتور رفع إيده كأنه بيحاول يهديها.
يا خالتي، استني الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة!
أمال زي إيه؟! إنت اللي زرعت البطاطس هنا! وإنت اللي كنت مع فاليري! وبعدها اختفت، ودلوقتي نلاقي تابوت مدفون في أرضي!
الناس بدأت تتكلم بصوت عالي، وكل واحد بيقول رأيه.
واحد صړخ
لازم يتقبض عليه!
وواحد تاني قال
فتشوا البيت والأرض كلها!
الشرطي رفع صوته عشان يسكت الجميع.
هدوء! محدش هيتهم حد قبل ما نعرف الحقيقة!
وبعدين بص لفيكتور وقال
إنت هتيجي معايا، وهتحكي كل حاجة من أولها لآخرها.
فيكتور بلع ريقه، وبص للتابوت مرة تانية، وبعدها قال بصوت مبحوح
أنا ما قتلتش حد.
الشرطي رد بهدوء
كويس. يبقى نبدأ من هنا. احكي لي إيه اللي حصل.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية، الحكاية اللي كانت أبعد بكتير من مجرد تابوت مدفون تحت البطاطس.
السر اللي اكتشفه فيكتور وفاليري
فيكتور بدأ يحكي إن كل حاجة بدأت في الربيع، وقت ما ماري كانت في المستشفى بتتعافى من العملية.
كان هو المسؤول عن زراعة الأرض، وفاليري كانت بتساعده. وفي يوم، وهما بيحفروا صفوف البطاطس، المجرفة خبطت في حجر مسطح مدفون تحت التراب.
في البداية، افتكروا إنه حجر عادي، لكن لما شالوا التراب من حواليه، اكتشفوا إن الحجر جزء من أساس مبنى قديم.
فيكتور افتكر الحكايات اللي كان بيسمعها من أهل القرية عن الكنيسة اللي كانت موجودة في المنطقة دي زمان.
فقرروا يكملوا الحفر بحذر.
وبعد فترة، ظهر جزء من حاوية معدنية قديمة، كانت مدفونة تحت بقايا الأساس.
الحاوية كانت مصدية، لكن لما فتحوها، لقوا جواها مستندات وصور فوتوغرافية وسجلات قديمة خاصة بالكنيسة.
كان فيه كمان دفتر مكتوب بخط اليد، فيه أسماء ناس من المنطقة، وتفاصيل عن أراضي وممتلكات وديون، بالإضافة لرسائل قديمة.
فيكتور وفاليري ماكانوش فاهمين قيمة الأوراق دي، لكنهم أدركوا إنها مش مجرد شوية ورق قديم.
أخدوا كل حاجة وخزنوها في مخزن ماري مؤقتًا.
ماري بصت لفيكتور بعتاب شديد.
وإنتوا لقيتوا كل ده في أرضي وما قلتوليش؟!
فيكتور نزل عينه للأرض.
كنا ناويين نقول لك يا خالتي، والله. بس فاليري قالت إن ممكن يكون للأوراق دي قيمة كبيرة، وقررنا نفهم الأول إحنا لقينا إيه بالظبط.
ماري ردت پغضب
يعني كنتوا بتفكروا تبيعوها من ورايا؟!
فيكتور اتردد لحظة، وبعدها قال الحقيقة
في الأول أيوه، فكرت في الموضوع.
الاعتراف ده ما عجبش ماري خالص، لكنها سكتت وسمعته يكمل.
فيكتور قال إنهم صوروا
بعض المستندات، واتواصلوا مع شخص بيجمع التحف والأوراق القديمة.
الغريب إن الراجل عرض عليهم مبلغ كبير جدًا بمجرد ما شاف الصور، من غير حتى ما يطلب يشوف المستندات الأصلية أو يفحصها بنفسه.
وهنا فاليري بدأت تشك.
ليه شخص غريب مستعد يدفع آلاف الجنيهات مقابل أوراق قديمة، لو كانت فعلًا مجرد أوراق مالهاش قيمة؟
قررت تبحث عن الأسماء والتواريخ المكتوبة في السجلات.
وبعد ما جمعت معلومات من مصادر تاريخية مختلفة، اكتشفت إن الأوراق ممكن تكون مرتبطة بأحداث حصلت في المنطقة بعد الحړب العالمية التانية، وقت ما عائلات كتير فقدت أراضيها وممتلكاتها بسبب تغييرات سياسية وإدارية.
السجل القديم كان فيه إشارات لعمليات نقل ملكية، وديون، وممتلكات بعض العائلات اللي سلمت حاجاتها للكنيسة عشان تحفظها من الضياع.
لكن فاليري كانت حريصة إنها ما تستنتجش أكتر من اللي الأدلة تسمح بيه.
الأوراق ممكن يكون ليها قيمة تاريخية كبيرة، لكن ده مش معناه إن أي شخص اسمه مكتوب فيها يقدر يطالب فجأة بنص القرية أو يسترد أرضًا من غير إجراءات قانونية.
كان لازم متخصصين يفحصوا المستندات ويتأكدوا من صحتها.
وعشان كده، فاليري أصرت إنهم يسلموا الأوراق لجهة أرشيفية متخصصة.
لكن فيكتور كان خاېف.
مش بس من ضياع فرصة بيع الأوراق، لكن كمان من حاجة تانية بدأت تحصل حواليهم.
مين اللي كان بيدور على الأوراق؟
بعد اكتشافهم بوقت قصير، ظهر راجلين عند بيت فيكتور.
قالوا إنهم باحثين مهتمين بتاريخ الكنائس القديمة، وإنهم عرفوا إن فيه اكتشاف حصل في المنطقة.
الغريب إنهم كانوا عارفين تفاصيل دقيقة عن الأوراق اللي اتوجدت، رغم إن فيكتور وفاليري ما أعلنوش عن اكتشافهم لأي حد.
الراجلين عرضوا يشتروا المستندات بمبلغ كبير، لكن فاليري رفضت.
قالت لهم إن الأوراق لازم تتفحص الأول، وإنها مش هتبيع حاجة ممكن تكون جزءًا من تاريخ القرية.
الراجلين مشيوا، لكن بعدها بكام يوم، فيكتور رجع للمخزن واكتشف إن حد اقتحم المكان وفتش فيه.
لحسن الحظ، مفيش حاجة اتسرقت، لأن فاليري كانت نقلت المستندات لمكان تاني.
لكن الحاډثة خوفتهم جدًا.
فيكتور بدأ يتساءل إذا كان الشخص اللي عرض شراء الأوراق هو نفسه اللي ورا محاولة الاقټحام.
وفاليري قالت له إنهم لازم يبلغوا الجهات المختصة، بدل ما يفضلوا يخبوا الموضوع.
لكن فيكتور كان شايف إنهم محتاجين وقت يفهموا فيه اللي معاهم، خصوصًا إن اسم عائلة خالته ماري كان موجودًا في بعض الأوراق.
كان عايز يستنى لحد ما ترجع من المستشفى ويحكي لها بنفسه.
وهنا، بدل ما يتفقوا، الخلاف بينهم كبر.
فاليري اتهمته إنه بيأجل الموضوع عشان لسه بيفكر في الفلوس اللي ممكن يحصل عليها من بيع المستندات.
وهو اتهمها إنها بتتعامل مع تاريخ عائلته كأنه مجرد مشروع بحثي.
الخلاف استمر لحد ما فاليري قررت تمشي.
وفيكتور، بدل ما يقول لماري الحقيقة، حكى لها إنه طردها من البيت.
كان محرجًا من فكرة إنها تعرف إن علاقته بفاليري انتهت بسبب خلاف، فاختار أسهل رواية بالنسبة له.
لكن الكذبة دي هي اللي خلت أهل القرية يشكوا إنه ممكن يكون عمل لها حاجة.
ماري بصت له پغضب وقالت
يعني إنت كمان كذبت عليّا؟! خليتني أفتكر إنك طردتها، وهي أصلًا مشيت بمزاجها؟!
فيكتور حك راسه بإحراج.
كنت مكسوف أقول لك إننا اتخانقنا وافترقنا.
ماري ردت عليه بحدة
إنت عندك ستة وأربعين سنة يا فيكتور! مش طفل صغير عشان تغير الحكايات لما تتكسف!
واحد من الجيران كتم ضحكته، لكن ماري ما كانتش لسه خلصت ڠضبها.
وفين التابوت ده بقى؟ وليه مدفون في أرضي؟
فيكتور أخد نفسًا طويلًا، وبدأ يحكي الجزء اللي كان مخبيه عن الكل.
بعد ما حصلت محاولة اقټحام المخزن، هو وفاليري قرروا
يخبوا المستندات الأصلية في مكان محدش يفكر يدور فيه.
فيكتور جاب ألواح خشب قديمة، وصنع منها صندوقًا طويلًا يشبه التابوت.
وحط جواه الطوب الأحمر عشان يثبت المحتويات ويمنعها تتحرك، وبعدها حط اللفافات اللي فيها الأوراق والصور بين طبقات
متابعة القراءة