ابني
إيصالًا قديمًا عليه ختم رسمي، وتوقيع باسم ديفيد ميلر. دانيال أخد الإيصال وراجعه بعناية. وفجأة، رفع عينيه وقال استنوا... الإيصال ده ممكن يغيّر فهمنا للاتفاق كله. بصيت له بلهفة. إزاي؟ رد لأنه ممكن يكون دليلًا على إن جزءًا من المبلغ المطلوب اتدفع بالفعل، وده معناه إننا محتاجين نراجع الحسابات من البداية. لكن قبل ما نقدر نكمل، أبويا قال جملة خلتني أبص له بصدمة فيه سبب تاني خلاني ما أقولكيش عن الاتفاق ده يا سارة... والسبب ده له علاقة بآخر مقابلة حصلت بيني وبين ديفيد قبل وفاته. سألته بسرعة إيه اللي حصل في المقابلة دي؟ أبويا بص للإيصال، وبعدها قال ديفيد طلب مني وعد. وعد إني ما أتكلمش عن جزء من الاتفاق إلا لما أقدر أثبت حقيقة معينة. إيلين اتغيرت ملامحها. حقيقة إيه يا روبرت؟ أبويا رفع عينيه لينا وقال إن أم سارة ما كانتش بتحاول تحافظ على البيت لنفسها... كانت بتحاول تحميه من قرار كان ممكن يضيّع حلمها كله. لكن إيه القرار اللي كانت نادية بتحاول تمنعه؟ وليه ديفيد طلب من روبرت يخفي جزءًا من الاتفاق؟ يتبع... الجزء الرابع السر اللي أمي دفنته جوه البيت أبويا فضل واقف قدامنا، ماسك طرف الترابيزة بإيده، وكأنه بيحاول يجمع شجاعته عشان يقول حاجة مخبيها من سنين. أنا بصيت له وقلت بحدة يا بابا، أنا تعبت من الأسرار دي! كل ما نعرف حاجة، نكتشف إن فيه حاجة أكبر منها. إنت كنت عارف إن أمي سايبة البيت ده وراه حكاية، وعارف إن فيه مستندات مستخبية، وعارف إن فيه اتفاق مالي... ليه ما قلتليش من الأول؟ أبويا نزل عينيه وقال لأني وعدت أمك إني ما أتكلمش قبل ما أتأكد من الحقيقة كاملة. وأنا بنتها! مش المفروض أكون أول واحدة تعرف؟ ما ردش. دانيال تدخل وقال بهدوء خلينا نسمع القصة كاملة يا روبرت. دلوقتي معانا مستندات ممكن تساعدنا نفهم اللي حصل، لكن لازم نعرف إيه القرار اللي نادية كانت بتحاول تمنعه. أبويا سحب كرسي وقعد، وبعد لحظات بدأ يحكي. قبل وفاة أمك بسنة تقريبًا، مشروع ترميم البيوت القديمة كان ماشي كويس. نادية كانت عايزة تشتري البيت ده وتحوّله لمركز يساعد الأمهات اللي بيواجهوا ظروف صعبة. ديفيد كان مسؤول عن جزء من التمويل، وكان فيه مستثمرين تانيين مستعدين يساهموا. سألته طيب، إيه اللي اتغير؟ قال ظهر عرض من شركة عقارات كبيرة. كانوا عايزين يشتروا البيت والأرض اللي حواليه، ويبنوا مكانهم مشروع تجاري ضخم. العرض كان بمبلغ كبير جدًا، لدرجة إن بعض الشركاء بدأوا يضغطوا على أمك إنها توافق. إيلين هزت راسها بحزن. أنا فاكرة الفترة دي. نادية كانت مقتنعة إن البيت لازم يفضل لهدفه الأصلي، لكن كان فيه خلاف على طريقة سداد التمويل. أبويا كمل أمك اكتشفت إن فيه بند في الاتفاق ممكن يسمح ببيع العقار لو حصلت ظروف معينة. وهي كانت خايفة إن البند ده يُستخدم عشان يغيّروا هدف المشروع من غير موافقتها. بصيت لدانيال. يعني الشركة ممكن تكون لسه ليها حق في البيت؟ رد بحذر ما نقدرش نستنتج ده من الكلام وحده. لازم نعرف طبيعة الاتفاق، وهل كان فيه أي حقوق اتسجلت رسميًا، وهل انتهت أو اتنقلت لحد تاني. وبعدين سأل أبويا طيب، وإيه اللي حصل في آخر مقابلة بينك وبين ديفيد؟ أبويا أخد نفسًا طويلًا. ديفيد اتصل بيا قبل وفاته بكام يوم، وقال إنه اكتشف إن نسخة من الاتفاق الأصلي اتغيرت بعد ما أمك مضت عليها. إيلين شهقت. أما أنا، فحسيت إن رجلي مش شايلاني. اتغيرت إزاي؟ رد أبويا ما كانش معاه دليل نهائي. كان شاكك إن فيه صفحة اتبدلت، وإن النسخة اللي اتقدمت لبعض الأطراف ما كانتش مطابقة للنسخة اللي أمك وافقت عليها. دانيال فتح الملف الأسود تاني، وبدأ يقارن بين الأوراق. بعد شوية قال لو ده صحيح، فالموضوع محتاج مراجعة دقيقة. لكن إحنا لسه ما نعرفش مين غيّر الصفحة، ولا إذا كان التغيير متعمدًا أصلًا. سألته طيب، نعرف إزاي؟ أبويا بص ناحية الخزانة الحديد، وقال ديفيد قال لي إن نادية كانت محتفظة بنسخة تانية، نسخة عليها ملاحظاتها بخط إيدها. وقال إنها كانت مخبياها في مكان محدش هيفكر يدور فيه. اتجهت بنظري ناحية الباب. بس إحنا فتشنا الخزانة كلها! قال أبويا لأننا كنا بندور على ورق، مش على حاجة تانية. الجملة دي خلتني أرجع أبص للمخزن. بدأنا نفتش الصناديق واحد ورا التاني. فتحنا أدراج قديمة، وراجعنا الكتب والفواتير، لكن ما لقيناش أي حاجة مختلفة. لحد ما إيلين وقفت قدام صورة كبيرة كانت متعلقة على الحيطة. الصورة كانت لأمي وهي واقفة في الحديقة، وخلفها شجرة ضخمة. إيلين قربت منها وقالت الصورة دي اتصورت قبل وفاة نادية بشهرين تقريبًا. فاكرة إنها كانت بتقول إن فيه حاجة في الحديقة بتفكرها بطفولتها. بصيت للصورة كويس. في الركن السفلي، كان فيه جزء صغير من إطار الصورة مكسور، وتحته علامة بالقلم على شكل نجمة. ناديت دانيال. لما جه، لاحظ إن العلامة مش عشوائية، وإن فيه ورقة صغيرة محشورة خلف الإطار. سحبها بحذر. كانت ورقة مطوية، مكتوب عليها بخط أمي اللي بيدور على الحقيقة، لازم يبدأ من المكان اللي اتعلم فيه أول درس عن الأمانة. فضلنا نبص لبعض. أنا حاولت أفتكر طفولتي في البيت ده. المكان اللي كنت بقعد فيه مع أمي، والأماكن اللي كانت بتحكي لي فيها القصص، والألعاب اللي كانت بتخبّيها عشان أكتشفها بنفسي. وفجأة افتكرت حاجة. قلت أمي كانت بتعلمني أقرأ في المكتبة. وكان عندها كتاب قديم بتقول لي دايمًا إن قيمته مش في تمنه، لكن في اللي مكتوب جواه. إيلين بصت لي بسرعة. فاكرة اسم الكتاب؟ قلت كان اسمه حكايات البيوت القديمة. رجعنا للمكتبة، وبدأنا ندور على الكتاب بين الرفوف. بعد دقائق، لقيته في رف منخفض، وسط مجموعة كتب قديمة. فتحته، فوقع منه ظرف صغير. جواه ورقة عليها رسم مبسط للبيت، وثلاث علامات المكتبة، والسلم الخلفي، وغرفة في الدور العلوي كانت مقفولة من سنين. وتحت الرسم، أمي كاتبة ما تفتحيش الباب ده إلا لما يكون معاكي شخص يقدر يراجع الحقيقة، مش بس يسمع الحكاية. دانيال قال فورًا هنحتاج نفحص المكان قبل ما ندخل. ما ينفعش نتصرف بعشوائية، خصوصًا إن البيت قديم. طلعنا السلم الخلفي، ووصلنا للباب المقفول. كان عليه قفل صدئ، وبجانبه لوحة خشبية صغيرة مفيهاش أي كتابة. أبويا قرب منها، ولمس طرفها بإيده. قال بصوت واطي أنا ما دخلتش الأوضة دي من يوم وفاة أمك. بصيت له باستغراب. ليه؟ رد لأنها طلبت مني ما أفتحهاش إلا لما تكوني موجودة، وتكوني مستعدة تعرفي كل حاجة. دانيال فحص القفل، وبعد التأكد إن فتحه آمن، استخدم المفتاح الصغير اللي لقيناه في الظرف. الباب اتفتح ببطء. الأوضة كانت مليانة ملفات وصناديق، لكن اللي لفت نظري فورًا كان مكتب صغير في منتصفها، فوقه جهاز تسجيل قديم، وبجانبه شريط كاسيت مكتوب عليه إلى سارة... لما تكبر وتبقى مستعدة تفهم. حسيت إن قلبي وقف للحظة. أمي كانت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي. دانيال فحص الجهاز، وبعد محاولات بسيطة اشتغل، وبدأ صوت أمي يملأ الأوضة. سارة حبيبتي... لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى وصلتي للمكان اللي كنت أتمنى إنك ما تحتاجيش ترجعي له بالطريقة دي. صوتها كان هادي، لكن فيه حزن واضح. فيه ناس هتحاول تقنعك إن البيت مجرد أرض وعقار، وإن أي اتفاق قديم ممكن يتفسر بالطريقة اللي تناسبهم. لكن الحقيقة مش دايمًا بتكون في الورق وحده. أحيانًا بتكون في السبب اللي خلّى الناس تمضي عليه. سكت التسجيل ثواني، وبعدها كملت أنا ما كنتش خايفة أخسر البيت. كنت خايفة إن الناس اللي وثقت فيهم يغيّروا الغرض اللي اتبنى عشانه المشروع. دانيال كان بيسجل ملاحظات، وإيلين واقفة ساكتة. وبعدين قالت أمي جملة خلت أبويا يقف فجأة ولو لقيتي النسخة الأصلية من الاتفاق، ما تعتمديش عليها وحدها. لازم تدوري على المحضر اللي اتكتب يوم الاجتماع الأخير، لأن فيه شخص حضر الاجتماع ده، وسمع بنفسه الكلام اللي اتقال قبل التوقيع. انتهى التسجيل فجأة. بصيت لدانيال وسألته مين الشخص ده؟ دانيال رد لازم نعرف مين حضر الاجتماع، وده ممكن يكون موجود في محاضر الشركة أو سجلات المحامي القديم. لكن أبويا كان باصص للأرض، ووشه شاحب. قربت منه وسألته إنت تعرف مين كان موجود؟ فضل ساكت لحظات طويلة، وبعدها رفع عينيه وقال أيوه يا سارة... أنا كنت حاضر الاجتماع ده. قبل ما أقدر أرد، طلع من جيبه ورقة قديمة، وحطها على المكتب. وفيه حاجة لازم تعرفيها عن اليوم ده... حاجة ما قلتهاش لأي حد، حتى دانيال. بصيت للورقة. كان عليها تاريخ الاجتماع، وتوقيعات الحاضرين. لكن فيه اسم واحد متشطب بقلم أسود، لدرجة إن صعب يتقري. دانيال قرب الورقة من النور، وبدأ يحاول يميز الحروف. وبعد ثواني، بص لأبويا بصدمة وقال روبرت... إنت متأكد إن الاسم ده كان موجود في النسخة الأصلية؟ أبويا رد بصوت مبحوح أيوه. وده بالضبط السبب اللي خلاني أخاف أتكلم. مين صاحب الاسم اللي اتشطب؟ وليه وجوده في الاجتماع ممكن يقلب قضية البيت كلها؟ يتبع... الجزء الخامس الاسم اللي أبويا خاف ينطقه دانيال فضل باصص للورقة، وبعدها رفع عينيه لأبويا وقال إنت فاهم إن شطب الاسم ده ممكن يكون مهم جدًا في التحقيق؟ لو الشخص ده كان حاضر الاجتماع فعلًا، لازم نعرف دوره بالضبط. أبويا قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه للحظات. أنا ما قدرتش أستحمل السكوت أكتر من كده. قلت له يا بابا، كفاية! أنا مش جاية أحاكمك، أنا عايزة أعرف الحقيقة. مين الشخص ده؟ أبويا رفع راسه وبص لي. اسمه سامويل برايس. دانيال فتح الملف بسرعة، وبدأ يقلب في الأوراق. سامويل برايس؟ ده كان المحامي المساعد اللي اشتغل مع المحامي الأساسي في المشروع! إيلين قالت باستغراب أنا كنت فاكرة إنه ساب القضية قبل الاجتماع الأخير. أبويا هز راسه. ده اللي اتقال للناس. لكن الحقيقة إنه حضر الاجتماع، وكان معاه نسخة مختلفة من الاتفاق. سألته يعني هو اللي غيّر الورقة؟ رد بسرعة أنا ما أقدرش أتهمه بحاجة من غير دليل. اللي أعرفه إن أمك كانت معترضة على بند معين، وإن سامويل أصر إن البند موجود في النسخة النهائية. دانيال قاطعنا استنوا. لازم نفرّق بين الشك والدليل. وجود نسختين مختلفتين مش معناه بالضرورة إن حد زوّر مستند. ممكن يكون فيه تعديل اتعمل بطريقة قانونية، وممكن يكون فيه خطأ في النسخ. لازم نشوف الأصل. بصيت لأبويا وقلت طيب، ليه ما قلتش الكلام ده من سنين؟ رد بصوت مليان ندم بعد الاجتماع، أمك طلبت مني أحتفظ بصورة من المحضر. قالت لي إنها محتاجة وقت عشان تراجع كل حاجة مع ديفيد. وبعد وفاتها، حاولت أوصل لسامويل، لكن مكتبه كان اتقفل، ومحدش عرف يقولي راح فين. سألته وإنت فضلت ساكت كل السنين دي؟ قال كنت خايف أقول حاجة تظلم حد، أو أسبب مشكلة قانونية من غير ما يكون معايا دليل. لكن كان المفروض أقولك إن فيه أسئلة لسه من غير إجابة. كلامه ما خلانيش أنسى إنه خبّى عني حاجات كتير، لكن على الأقل بدأنا نعرف ليه كان متردد. دانيال جمع الأوراق وقال هراجع سجل المحامي القديم، وأشوف إذا كان فيه أرشيف أو مراسلات تخص سامويل. ومش هنتخذ أي خطوة في الملكية قبل ما نتأكد من كل حاجة. وقبل ما نخرج من الأوضة، لاحظت صندوقًا خشبيًا صغيرًا تحت المكتب. كان مختلفًا عن باقي الصناديق؛ نظيفًا، وكأن حد فتحه قريب. سحبت الصندوق، ولقيت عليه نقشًا صغيرًا المكان مش هو السر... السر في اللي اتساب جواه. فتحته، فوجدت دفترًا بنيًا، وصفحاته مليانة بخط أمي. قلّبت الصفحات بحذر، لحد ما وصلت لصفحة مكتوب في أعلاها اجتماع الخميس. وتحت العنوان، كانت فيه ملاحظات قصيرة عرض الشركة الجديدة. اعتراض ديفيد على بعض الشروط. طلب سامويل تأجيل التوقيع. ملاحظة بخط أمي لازم أتأكد إن كل الأطراف فاهمة إن البيت مخصص للمشروع الخيري. لكن آخر سطر كان مختلفًا عن الباقي. كان مكتوبًا بحبر أحمر لو الورقة الأصلية اختفت، دوروا على النسخة اللي ما اتسلمتش للمحامي. رفعت عيني لدانيال. يعني فيه نسخة تانية؟ رد ممكن تكون موجودة، لكن لازم نعرف كانت فين، ومين كان مسؤول عنها. إيلين قربت من الدفتر، وفضلت تقرأ الملاحظات. وفجأة قالت أنا