حوارٌ بين الله وملك المۏت يهزّ القلوب
ثم قال الله عز وجل
يا ملك المۏت إن رحمتي وسعت كل شيء فلا تبك إلا خشية مني ولا تفزع إلا من جلالي ولا تضحك إلا تعجبا من غفلة عبادي.
كم هو عجيب شأن الإنسان! يعيش وهو يظن أنه صاحب القرار يخطط لغده ويرسم تفاصيل أيامه القادمة وكأنها مضمونة بين يديه ولا يدري أن أنفاسه مكتوبة بعدد لا يزيد ولا ينقص وأن رزقه وأجله محددان في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق.
تأملوا حال الرجل الذي ضحك ملك المۏت من أمره كان يفكر في الحذاء الذي سيكفيه عاما من المشي ولم يخطر بباله أن قدميه لن تتحركا بعد دقائق. هكذا هي الحياة نخوض فيها وكأنها باقية نخطط ونؤجل ونرتب لكننا ننسى أن اللحظة القادمة ليست في أيدينا.
فكم من غني جمع المال ليهنأ به ولم يهنأ وكم من قوي بنى لنفسه حصونا من الأمن والجاه فسقط بين عشية وضحاها إلى التراب
أما المرأة التي بكى لأجلها ملك المۏت فكانت آية في الإيمان والثبات إذ كتبت نهايتها في مكان لا يسمعها فيه أحد لتبقى قصتها شاهدا على أن الله لا يترك عباده حتى في أكثر اللحظات وحدة وقسۏة.
فحين قبض الله روحها لم يترك طفلها ضائعا في الصحراء بل رافقته رحمته منذ تلك اللحظة. أرسل له من يسقيه ومن يحمله ومن ينشئه حتى صار عالما من العلماء يملأ الأرض نورا بعد أن ولد في الظلام.
سبحان الله كم من ألم اليوم يخفي وراءه فرحا غدا وكم من دمعة تسقي طريقا إلى نور لا يراه إلا الصابرون!
وأما الفزع الذي اعترى ملك المۏت أمام نور العالم الصالح فكان تذكيرا لنا جميعا أن النور الحقيقي ليس نور الوجه ولا نور المال أو الشهرة بل هو نور القلب الذي امتلأ بالإيمان والعلم والعمل
ذلك العالم الذي خرج من رحم الصحراء يتيما بلا أم لم يكن يتيما في عين الله لأن الله كان وليه منذ اللحظة الأولى.
وهكذا هي رحمة الله قد تغلق في وجهك الأبواب لكن السماء لا تغلق أبدا وقد تخذلك الدنيا كلها لكن الله لا يخذل من لجأ إليه بقلب مخلص وصادق.
يا من تقرأ هذه القصة لا تظن أن تأخر الڤرج نسيان من الله ولا أن الألم علامة هجر من ربك.
بل ربما كان ما يحزن قلبك اليوم هو نفسه ما سيسعدك غدا ورب مصېبة أيقظتك
من غفلة فكانت لك باب نجاة إلى الجنة.
فالله يربي عباده بالمحڼ كما يربيهم بالنعم ويختبر صبرهم بالدموع كما يختبر شكرهم بالسرور.
تذكر دائما
أن ما ضاع عند الناس لا يضيع عند الله.
وأن كل لحظة ظننت أنك وحدك فيها كان الله معك فيها يسمع أنينك ويرى دمعتك.
وأن الدعوة التي خرجت من قلبك في
فيا من ضاقت عليه الدنيا اعلم أن الڤرج يأتي حين تنقطع الأسباب وأن الله حين يبتليك لا يريد أن يعذبك بل يريد أن يطهرك ويرفعك ويقربك منه أكثر.
ويا من ظن أن النهايات مؤلمة تذكر أن وراء كل نهاية بداية جديدة وأن الله يبدع في كتابة قصص عباده كما أبدع في خلقهم فيجعل من الألم رسالة ومن الدمع بركة ومن المأساة ميلادا للأمل.
وفي الختام اجعل لسانك رطبا بذكر الله وقل بقلب موقن بقدرته
سبحان الله يا فارج الهم ويا كاشف الغم فرج همي ويسر أمري وارحم ضعفي وقلة حيلتي وارزقني من حيث لا أحتسب يا رب العالمين.
ثم اختم بالصلاة على سيد الخلق ﷺ فهي مفتاح البركة في كل دعاء
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد