بعد طلاقي
بعد طلاقي، خبيت عن جوزي اني حامل في ابنه. ولما جه يوم الولادة، الدكتور نزل الماسك بتاعه وساعتها حسّيت إني مش قادرة أتنفس.
في هيوستن، الناس كانت شايفاني ست فشلت في حياتها. لا جوز، ولا طفل، ولا عيلة واقفة جنبي. أصحابي بقوا يكلموني بحذر، وقرايبي يبصّولي بنظرة خيبة أمل ساكتة. محدش قال الكلام صريح، بس أنا كنت حاسّة بيه في كل نظرة. كانوا بيشفقوا عليّ.
بس اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن لحظة ما مضيت على ورق الطلاق البارد ده كنت أصلاً حامل في ابنه.
اسمه زاكاري كولينز. أكبر مني بثلاث سنين. كنا زمان عايشين سوا في شقة صغيرة جنب ميدتاون. هو ماكانش قاسې وماكانش عڼيف. كان بس هادي زيادة عن اللزوم لدرجة بتوجع.
إنما أمه لا. أمه ماكانتِش كده خالص. عمرها ما وافقت عليّ. بالنسبة لها أنا مجرد بنت جاية من بلدة صغيرة اسمها لاجونا، وما ينفعش أبقى جزء من عيلتهم. كل عزومة عشا عندهم كانت بالنسبة لي كأنها محاكمة أنا خسرانا من قبل ما تبدأ.
كل حاجة اڼهارت بعد أول إجهاض ليا. فاكرة نفسي وأنا نايمة على سرير في مستشفى حكومي، جسمي بيترعش من الۏجع. زاكاري وصل متأخر وأمه ماجتش أصلاً.
ليلتها قالتها من غير
إحنا ما بنحتفظش بستات مايعرفوش يجيبوا لنا أحفاد.
زاكاري ماقالش ولا كلمة. سكوته كان أوجع من كلامها. سكوته قتل حاجة جوايا.
سِبت الجواز ده في هدوء. مضيت الورق من غير خناق ومن غير ما أترجّى.
بعدها بأسبوعين، لقيت خطين حمرا على اختبار الحمل.
إيدي كانت بتترعش. قلبي كان بيدق جامد لدرجة حسّيت إني ممكن أغمى عليّ. قعدت على أرضية الحمام ساعات أو يمكن كان إحساسي بس. لا دموع ولا ضحك بس صدمة.
المفروض كنت أكلمه.
بس الخۏف وقفني. خفت يفتكر إني بحاول أوقعه في الموضوع. خفت أمه تحاول تاخد ابني مني. خفت أشوف الشفقة في عينيه.
فاختفيت.
تسع شهور كاملة وأنا عايشة كأني بهرب من الدنيا. سبت شغلي في المكتب. أجّرت أوضة صغيرة. غيرت رقمي. مسحت السوشيال ميديا. وبقيت بتجنب أي حد يعرفني.
كنت ببعد عن المستشفيات الكبيرة، وأروح لعيادات صغيرة بدلها.
وكل ما دكتور يسألني
فين الأب؟
كنت أبتسم ابتسامة خفيفة وأرد
مافيش أب.
لكن لما الدكتور نزل الماسك الطبي بتاعه يوم الولاده حسيت اني مش قادرة اتنفس
عندما أنزل الطبيب القناع الطبي ببطء، لم تكن مجرد ملامح غريبة هي ما أفزعني، بل كانت الألفة القاټلة. الطبيب الذي
تسمرت في مكاني، وجسدي الذي كان يعتصر من آلام المخاض تجمد لثانية. آدم، الذي كان يدرس الطب في الخارج حين تزوجت شقيقه، والذي لم أره سوى في صور باهتة، كان ينظر إليّ بعينين تتأرجحان بين الذهول والارتباك.
قال بصوت خفيض، محاولاً الحفاظ على مهنيته رغم الزلزال الذي ضړب ملامحه سارة؟ أنتِ هنا؟ في هذا المكان؟ وزاكاري... هل يعرف؟
لم أستطع الرد. صړخة ۏجع هزت كياني قطعت حبل أفكاري، فأدرك آدم أن الوقت ليس للعتاب أو الأسئلة. أشار للممرضات بسرعة، وبدأت رحلة الولادة التي كانت أصعب مما تخيلت، ليس جسدياً فحسب، بل لأن السر الذي دفنته لتسعة أشهر أصبح الآن بين يدي شخص من عائلة كولينز.
الفصل الثاني المواجهة الصامتة
بعد ساعات من العڈاب والأمل، وُلد نوح. طفل بملامح مصرية واضحة من جهتي، لكن بعينين زرقاوين باردتين تشبهان تماماً عيني أبيه زاكاري.
دخل آدم الغرفة بعد أن استقر وضعي. جلس على الكرسي بجانب السرير، وكان يمسك بملفي الطبي.
لماذا يا سارة؟ سأل بهدوء لا يخلو من عتاب. زاكاري انهار بعد
ضحكت بسخرية مريرة رغم التعب بحث عني؟ أم بحث عن كرامته التي ضاعت بسكوت والدته؟ آدم، والدتك قالت لي إنني بضاعة تالفة لأنني أجهضت. زاكاري لم يقل لا. سكوته كان بمثابة ورقة طلاقي قبل أن نوقعها فعلياً.
آدم تنهد، ثم أخرج هاتفه. أنا طبيب، وأعرف معنى الأمانة المهنية. لكنني أيضاً أخ. لا يمكنني أن أترك ابن أخي ينمو في الظل، ولا يمكنني أن أرى أخي ېموت ببطء من الندم.
الفصل الثالث العودة إلى هيوستن
مر أسبوع. كنت قد عدت إلى شقتي الصغيرة، أحاول التأقلم مع بكاء نوح واحتياجاته، وأنا أخطط للرحيل مجدداً. كنت أعرف أن آدم سيخبرهم عاجلاً أم آجلاً.
في ليلة ممطرة، سمعت طرقاً على الباب. لم يكن طرقاً عادياً، كان طرقاً أعرفه جيداً. طرقاً يحمل تردداً قټله الشوق.
فتحت الباب، وكان هو. زاكاري.
كان يبدو شاحباً، نحيلاً، وكأنه كبر عشر سنوات في تسعة أشهر. نظر إليّ، ثم نظر إلى المهد الصغير في ركن الغرفة. لم يتكلم. سقطت دموعه بصمت، وهو نفس الصمت الذي قتلني يوماً، لكنه هذه المرة كان صمتاً مختلفاً... صمت الاعتراف بالخطأ.
سارة... همس