عمري ما هنسي

لمحة نيوز

نظرة أمي يوم فرحي من 12 سنة كانت باصة لجوزي كريم بنظرة كلها إحراج وتقليل، كأنه عار لازم يستخبوا منه.
كريم كان قصير القامة بسبب حالة خلقية اتولد بيها، لكن بالنسبة لأهلي، دي كانت في وسط الناس. ما فرقش معاهم إنه مهندس معماري ناجح، ولا إنه أحن وأجدع راجل عرفته في حياتي. كل اللي كانوا شايفينه إنه واحد ما يليقش باسم العيلة.
أبويا حتى ما حاولش يداري سخريته. وهو ماسك المايك في الفرح، قال قدام الناس وهو بيضحك إنه بيتمنى أحفاده يطلعوا طوال كفاية يعرفوا يقعدوا على السفرة.
ما وقفتش هنا كانوا دايمًا إنه اتربى في دار أيتام بعد ما أهله الحقيقيين رموه وهو صغير. ومع الوقت، بدأت أبعد عنهم واحدة واحدة مكالمات أقل، زيارات أقل، لأن كل مرة كنت بشوفهم فيها كانوا بيجرحوا الراجل اللي بحبه بكلمة أو تريقة جديدة.
لكن كريم عمره ما رد عليهم كان ساكت، وبيشتغل في هدوء، ويبني نفسه خطوة بخطوة لحد ما بقى ناجح بشكل محدش فيهم كان يتوقعه.
لحد ما الدنيا اتقلبت فجأة.
شركة أهلي  في الديون، وخلال شهور خسروا تقريبًا كل حاجة كانوا طول عمرهم بيتباهوا بيها. الثلاثاء اللي فات، جم وقفوا قدام باب بيتنا ومضطرين، ولأول مرة من سنين بيتكلموا بذوق.
ما جومش يعتذروا جم عشان سمعوا إن شركة كريم كسبت مشروع ضخم، وكانوا محتاجين 20 ألف دولار بسرعة قبل البنك ما يحجز على .
أنا كنت مستعدة أطردهم، لكن كريم بهدوء دخلهم وقعد يسمع شكاويهم أكتر من ساعتين وهو هادي كأنه ولا فاكر أي عملوها فيه.
بعدها قام دخل المكتب ورجع

شايل شيك مكتوب
بالفعل.
20 ألف دولار كاملة.
عين أمي لمعت وهي بتمد إيدها تاخده، لكن كريم سحب الشيك بهدوء قبل ما تلمسه.
وقال بصوت ثابت
الفلوس دي هتبقى معاكم حالًا بس بشرط واحد.
وفجأة، الأوضة كلها سكتت.
أهلي بصوا لبعض بتوتر، والثقة اللي كانوا داخلين بيها بدأت تختفي.
أبويا بلع ريقه وقال بصوت مهزوز
وإيه هو الشرط؟
كريم بصلهم بنظرة هادية جداً، النظرة دي كان فيها قوة غريبة هزت كيانهم، قوة شخص مش مستني منهم حاجة، ولا فارق معاه رأيهم.
كريم حط الشيك على الترابيزة، وسند بإيده عليه وقال بنبرة صوت واضحة ومسموعة
الشرط هو.. إنكم هتمضوا على وصل أمانة ووصل رهن لبيوتكم باسمي، وبصفتي صاحب الشركة اللي هتدفع المبلغ.. الفلوس دي مش مساعدة ولا سلف ودي، دي صفقة عمل، وبنسبة أرباح وفوائد هتدفعوها كل شهر.
أبويا وشه جاب ألوان، ووقف بغضب وهو بيزعق أنت بتستغل لو الخسارة عشان ؟ عايزنا نمضي على وبيوتنا ليك يا كريم؟!
كريم ما اتهزش، فضل قاعد مكانه وحط رجل على رجل بكل برود وقال
أنا راجل مهندس وسوق العمل علمني إن مفيش حاجة ببلاش. زمان كنتوا بتقولوا عليا إني ما أليقش باسم العيلة.. والنهارده العيلة دي جاية تطلب من  ده إنه . البنك مش هيرحمكم، ومحدش من صحابكم الطوال واللي يملوا العين رضي يسلفكم دولار واحد.. أنا هنا مش ، أنا بحميكم من نفسكم.. بس بشروطي أنا.
أمي بدأت تعيط وبصتلي وهي بتقول الحقيني يا بنتي.. هيرضي ه يرمي أبوكي وأمك في الشارع؟ ده جوزك عايز !
في اللحظة دي، أنا وقفت جنب كريم، حطيت
إيدي على كتفه وبصيت لأمي بكل حسم وقلت لها
كريم مش يا أمي.. كريم بيعلمكم الأصول اللي ما عرفتوش تعلموهالي. هو كان قادر زي ما كنتوا بنظراتكم وكلامكم.. بس هو قرر يتعامل معاكم بأصل ابن دار الأيتام اللي كنتوا بيه.. أصل الجدعنة والرحمة، بس بذكاء رجل الأعمال. اللي كريم يقوله هيمشي، ولو مش عاجبكم.. الباب يفوت جمل والبنك مستنيكم.
الأوضة ساد فيها هدوء .. أبويا بص للأرض، واكتشف إن الكبرياء المزيف اللي عاش بيه طول عمره انهار قدام حقيقة إنه محتاج الراجل اللي كان بيسخر من طوله. ب إيد ، أبويا مد إيده وأخد القلم، ومضى على الأوراق.. وأمي مضت وراه وهي .
كريم ساب لهم الشيك، وبص لأبويا وقاله كلمة واحدة قبل ما يمشوا
على فكرة يا عمي.. أحفادك طلعوا طوال
كفاية فعلاً، بس الأهم من طول الجسم.. إنهم هيطلعوا طوال القيمة والقامة، ومش بيقعدوا على سفرة حد  خاطر الناس.
بعد مرور سنة كاملة.. نقطة التحول الكبرى!
الدنيا دارت دورتها.. شركة كريم كبرت وبقت من أكبر شركات المقاولات في البلد، بينما أهلي، رغم الفلوس، ما عرفوش يديروا اللي باقي من شغلهم وفشلوا تماماً في سداد الفوائد والأقساط لكريم.
قانونياً.. البيوت  والشركة القديمة بقت ملك لكريم بالكامل.. كانوا متوقعين إن كريم هيحجز عليهم ويرميهم في الشارع عشان ل 12 سنة من .
وفي يوم اجتماع تصفية الأملاك.. أهلي جم مقر شركة كريم، كانوا قاعدين في مكتبه الفخم، الجناح، مستنيين حياتهم المستقرة.
دخل كريم، وراه المساعد بتاعه شايل ملفات كتير. قعد على
مكتبه، وبص لأبويا وأمي اللي كانوا مش قادرين يرفعوا عينهم فيه.
كريم فتح الملفات وقال
حسب الأوراق.. شقتكم والفيلا القديمة بقوا ملكي رسمي من النهاردة.. وأنا من حقي منها بقوة القانون.
أمي بدأت تبكي وتقول سامحنا يا كريم.. إحنا غلطنا في حقك كتير.. بلاش ترمينا في السن ده.
كريم ابتسم ابتسامة هادية مليانة سلام داخلي، وطلع ورقتين من الملف، وقام قطعهم قدام عينيهم!
الورق ده كان وصولات الأمانة وعقود الرهن.
أبويا بص له بذهول أنت بتعمل إيه يا كريم؟!
كريم رد عليه بكل نبل
أنا بقطع العقد اللي بيني وبينكم.. البيوت هتفضل باسمكم، والديون أنا شيلتها من حساباتي تماماً.. أنا مش  أهل مراتي في الشارع، ولا هكون السبب في راجل وست كبار في السن.. دار الأيتام اللي اتولدت واتربيت فيها علمتني إن البيوت سترة، وأنا مش هكشف ستركم قدام الناس.
أبويا في اللحظة دي تماماً.. قام من مكانه، ولأول مرة في حياته، مشي خطوتين ووطى على إيد كريم وهو بيبكي  وبيقول سامحني يا ابني.. أنا اللي كنت قزم.. قزم بأخلاقي وتفكيري.. وأنت السبع الجدع اللي يملى العين.. سامحني.
كريم أبويا بسرعة ومنعه إنه ، وبص لأمي اللي كانت بتعيط فرحة وندم في نفس الوقت.
من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.. أهلي بقوا هما اللي بيتباهوا بكريم قدام كل الناس، مش عشان فلوسه ونجاحه، بس عشان أخلاقه اللي ورتهم إزاي يكون البني آدم حقيقي كبير.. بمقامه وأصله، مش بطوله ولا باسم عيلته. وبقيت أشوف في عين أمي نظرة جديدة خالص.. نظرة فخر واحترام حقيقي
للراجل اللي اختاره قلبي ونصرني قدام الدنيا كلها.

تم نسخ الرابط