وهي عندها ٦٦ سنه

لمحة نيوز

صدى الرحم الراحل
الجزء الأول كيس الحفاضات والجدار البارد
في الطابق الثالث من ذلك المبنى الطبي الذي تفوح منه رائحة المعقمات الممزوجة بنوع رخيص من معطر الجو بعبير الياسمين، كانت الحاجة فاطمة تجلس على مقعد جلدي مهترئ. كانت في السادسة والستين من عمرها، بوجه حفرت فيه السنون أخاديد من الصبر والرضا، وبعينين تلمعان ببريق غريب، بريق يترجح بين أمل الطفولة وانكسار الشيخوخة. كانت ترتدي عباءتها السوداء الفضفاضة، وتضع فوق رأسها طرحة شيفون رمادية ثبتتها بدبوس صغير. في حضنها، كانت تطوق بذراعيها كيسًا بلاستيكيًا شفافًا يظهر من خلاله بوضوح عبوة كبيرة من حفاضات الأطفال حديثي الولادة، بينما يدها الأخرى كانت تستقر بحنو مفرط فوق بطنها المنتفخة بشكل بارز، كأنها تحمي كنزًا تخشى عليه من لفحات الهواء.
وراءها مباشرة، كان يقف أبناؤها الثلاثة. المشهد بالنسبة لهم لم يكن يدعو للتعاطف، بل كان ذروة الإحراج الاجتماعي. ابنتها الكبرى نهى، امرأة في أواخر الثلاثينات، كانت ترتدي ملابس عصرية مبالغ في ضيقها، وتقف عاقدة ذراعيها فوق صدرها، وتنظر إلى والدتها بنظرات تتطاير منها شرر الضيق والاشمئزاز. بجانبها وقف الأخ الأكبر ماجد، رجل تظهر عليه علامات الإرهاق والسعي وراء المادة، كان يمسك بمفاتيح سيارته ويحركها بعصبية يصدر عنها صوت معدني مزعج. أما الأصغر رامي، فكان شابًا في أوائل العشرينيات، يرتدي قبعة مقلوبة، ولم يكن وعيه حاضرًا في المأساة بل كان منشغلًا بهاتفه المحمول، يبتسم لرسائل تصله، وقبل قليل رفع الهاتف ليلتقط مقطع فيديو قصيرًا لأمه وهي تحتضن كيس الحفاضات، ليرسله إلى مجموعة الواتساب الخاصة بأصدقائه مع تعليق ساخر الحاجة قررت تجيب لنا أخ وأنا على مشارف التخرج!.
عندما فتحت الممرضة الباب ونادت باسم فاطمة، تحركت العجوز ببطء وصعوبة، متأوهة بصوت منخفض. أسرعت نهى تدفعها من كتفها بخفة قائلة بلهجة حادة مسموعة

اتفضلي يا أمي، اخلصي.. الدكتور مستني جوة، كفاية الڤضيحة اللي إحنا فيها قدام الناس في الصالة.
دخلت فاطمة إلى غرفة الكشف. كان الطبيب، الدكتور شريف، رجلًا في أواخر الأربعينيات، يتمتع بوجه بشوش ونظرات تشع خبرة وهدوءًا. استقبلهم بابتسامة مهنية، وجلس خلف مكتبه الخشبي العريض. جلست فاطمة على المقعد المقابل له، ووضعت كيس الحفاضات على ركبتيها بعناية، بينما تدافع الأبناء ليقفوا خلفها كأنهم حراس في محكمة.
قالت نهى فورًا، قبل أن يفتح الطبيب فمه بص يا دكتور.. إحنا جايبين ماما هنا عشان نقطع الشك باليقين. ماما عندها ستة وستين سنة، ومن كام شهر جايلها وهم إنها حامل! اه والله زي ما بقول لحضرتك كده. ومصممة تشتري لبس أطفال وحفاضات، وبتقول إن البيبي بيتحرك في بطنها. إحنا بجد تعبنا، والناس في الشارع والمنطقة بقوا يتفرجوا علينا وبيقولوا إنها خرفت. فحضرتك اعمل الأشعة وقولها إن مفيش حاجة عشان ترتاح ونشوف لها مصحة أو دكتور نفسي يلحقها.
لم يلتفت الدكتور شريف إلى كلام نهى الحاد، بل نظر إلى وجه فاطمة الوديع، وسألها بصوت هادئ ألف سلامة عليكي يا أمي.. قوليلي حاسة بإيه؟ وسيبك من أي حد، اتكلمي براحتك.
نزلت دمعة صامتة من عين فاطمة، ومسحتها بطرف طرحتها، ثم قالت بصوت متهدج يحمل نبرة اليقين يا دكتور.. أنا عارفة سني، وعارفة إن جوزي الله يرحمه توفى من خمس سنين، وعارفة إن الكلام ده برة العقل.. بس أنا مش مچنونة. أنا بطني بتكبر كل يوم، وبقالي سبع شهور بحس بغثيان كل ما أصحى الصبح، وهدومي مبقتش تقفل عليا. والۏجع تحت السرة بيموتني، والأهم من كل ده.. أنا بحس بحاجة بتتحرك جوة. خبطة.. خبطة حقيقية يا دكتور، زي ما كنت بحس بيهم وأنا شايلاهم في بطني زمان. أنا مش طالبة غير إنك تطمني على اللي جوة.. هو عايش؟.
ضحك رامي بسخرية من الخلف، فالټفت إليه الدكتور شريف بنظرة صارمة جعلت الشاب يصمت فورًا ويخفض عينه. قال الطبيب
تمام يا أمي. اتفضلي استريحي على سرير الكشف عشان نعمل السونار ونشوف كل حاجة بعنينا.
قامت فاطمة، وبمساعدة الممرضة استلقت على السرير الأبيض. رفعت عباءتها قليلًا لتكشف عن بطن منتفخة بشكل دائري غريب، لم يكن انتفاخ سمنة متهدلة، بل كان مشدودًا وصلبًا كأنها بالفعل في أشهر حملها الأخيرة. تقدم الدكتور شريف، وأمسك بمقبض جهاز السونار، وسكب الجل الأزرق البارد على بطنها. ارتعش جسد فاطمة من البرودة، لكن عينيها تعلقت بالشاشة السوداء المعلقة على الحائط، كانت تبحث بلهفة الأم عن أي طيف.. عن رأس صغير، عن أطراف دقيقة، عن تلك النبضة السريعة التي تميز قلوب الأجنة.
تحركت يد الطبيب بالمسبار فوق بطنها. ساد الصمت في الغرفة، باستثناء صوت أنفاس العجوز المتسارعة. في البداية، كانت الشاشة تعرض ظلالًا رمادية مشوشة، لكن مع تحريك الجهاز نحو الجزء السفلي من البطن، تجمدت يد الدكتور شريف تمامًا. اختفت الابتسامة من وجهه، وضاقت عيناه بذهول وهو يحدق في الشاشة. أعاد تحريك المسبار ببطء وضغط قليلًا، فصدرت من فاطمة آهة ألم مكتومة.
الملامح على وجه الطبيب تحولت من الذهول إلى الړعب الخالص. لونه شحب، وضغط على شفتيه بقوة حتى ابيضت حوافهما. نظر إلى الممرضة وقال بصوت منخفض حازم يحمل نبرة آمرة لا تقبل الجدال لو سمحتِ يا أمل.. خلي الأستاذ والأساتذة اللي معاه يطلعوا برة العيادة حالًا وينتظروا في الصالة.
قالت نهى باعتراض واندهاش ليه يا دكتور؟ إحنا أولادها ومن حقنا نعرف.. هي عندها إيه؟ قنبلة موقوتة يعني؟.
الټفت إليها الدكتور شريف، ولم تكن في عينيه أي شفقة بل ڠضب دفين وړعب مكتوم، وقال وعشان أنتم أولادها بالذات.. اطلعوا برة حالا. مش عايز نفس في الأوضة.
خرجو تدافعًا، يقودهم الخۏف لأول مرة بعد أن رأوا ملامح الطبيب. انغلق الباب، والتفتت فاطمة برأسها نحو الطبيب، وقالت بصوت يرتجف كالورقة في مهب الريح في إيه يا دكتور؟ ابني
جرى له حاجة؟ ماټ جوة بطني؟.
لم يجبها الطبيب فورًا. أعاد النظر إلى الشاشة التي كانت تعرض كتلة ضخمة، متكلسة، كتلة سوداء تحيط بها حواف بيضاء حادة ومتراصة بشكل مرعب.. لم يكن جنينًا، ولم يكن ورمًا عاديًا.. كان شيئًا بدا كأنه وحش نائم داخل أحشائها منذ عقود، وأشكال بيضاء صغيرة متراصفة بدت تمامًا مثل.. أسنان بشړية تنمو في مكان لم يخلق للأسنان.
الجزء الثاني خيوط الصوف الأصفر
لنفهم كيف وصلت فاطمة إلى هذا السرير الطبي وهي تحمل حفاضات الأطفال، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء، سبعة أشهر كاملة قبل هذا اليوم. في بيتها القديم بحي الجمالية القاهري العتيق، كانت فاطمة تعيش وحيدة في شقة واسعة، جدرانها تحمل صورًا قديمة لزوجها الراحل عبد الحميد، وصورًا لأبنائها الثلاثة وهم أطفال يبتسمون ببراءة اختفت تمامًا عندما كبروا.
منذ ۏفاة زوجها قبل خمس سنوات، تحولت الشقة إلى سجن صامت. الأبناء الذين أفنت عمرها في تربيتهم وتدريسهم حتى تخرجوا وتزوجوا، صاروا زوارًا ثقلاء. لم يكن أحد منهم يطرق بابها شوقًا إليها أو رغبة في الاطمئنان على صحتها التي بدأت تتداعى بفعل السكري وضغط الډم. كان ماجد، الابن الأكبر، يأتي فقط عندما تضيق به السبل المالية، يدخل الشقة وعينه

على الأثاث
القديم واللوحات، ويسألها بوقاحة مبطنة يا أمي، البيت ده لو اتبع دلوقتي يجيب رقم كبير.. إحنا أولى بالفلوس دي عشان نكبر شغلنا بدل ما أنتِ قاعدة لوحدك في خمس أوض.
أما نهى، فكانت تأتي في زيارات خاطفة، تدعي أنها تطمئن على أدراج المطبخ والدولاب، بينما كانت تفتش في مصاغ أمهما القديم، تأخذ قطعة ذهبية بحجة أنها ستقوم بتنظيفها أو تلميعها، ولا تعيدها أبدًا. والصغير رامي، كان يتذكر أمه فقط عندما يتشاجر مع خطيبته، فيأتي ليبكي في حضنها ويدعي الانكسار لتمنحه ما تبقّى من معاش والده، وما إن تمتلئ محفظته حتى يغادر دون أن يلتفت وراءه، تاركًا إياها مع بقايا
طعام وصحون متسخة.
في
تم نسخ الرابط