وهي عندها ٦٦ سنه

لمحة نيوز

إحدى ليالي الشتاء الباردة، قبل سبعة أشهر، كانت فاطمة تقف أمام حوض المطبخ تغسل كوبًا من الشاي. فجأة، شعرت بمغص حاد يجتاح أسفل بطنها، مغص مألوف للغاية، أعاد إلى ذاكرتها آلام المخاض التي عاشتها ثلاث مرات. وفي نفس اللحظة، شعرت بركلة قوية، حركة عڼيفة من الداخل كأن كائنًا صغيرًا يستدير في رحمها. من شدة المفاجأة والألم، سقط الكوب من يدها ليتناثر شظايا على بلاط المطبخ.
وقفت فاطمة مذهولة، يدها على بطنها، ودموعها تنهمر. يا رب.. إيه ده؟ ده مستحيل.. أنا عندي ستة وستين سنة! أنا عدت السن ده من زمان، همست لنفسها بړعب. في اليوم التالي، ذهبت سرًا إلى وحدة صحية قريبة. قامت طبيبة شابة بفحصها وعملت لها تحليل ډم مبدئي، وجاءت النتيجة غريبة؛ كانت هناك نسب من هرمونات معينة ترتفع عادة في حالات الحمل أو الاضطرابات الغدية الشديدة. الطبيبة الشابة، لقلة خبرتها وخۏفها من المشهد، قالت لها بارتباك يا حاجة، التحليل ده غريب جدًا.. بطنك فيها انتفاخ والنسب دي مش طبيعية لسنك، لازم تروحي فورًا لدكتور نسا كبير يعمل لك أشعة متطورة.
لكن فاطمة لم تذهب. لم يكن عدم ذهابها بسبب الإهمال أو الخۏف من المړض.. بل كان بسبب شيء آخر تمامًا الأمل. فكرة أن هناك روحًا تنمو بداخلها، كائنًا لن يخذلها، طفلًا لن يطلب منها مالًا بل سيطلب حضنها، كانت بمثابة طوق النجاة لنفسيتها المحطمة. لقد اختارت بفطرتها البسيطة أن تصدق المعجزة على أن تصدق المړض.
نزلت إلى سوق العتبة، واشترت شلات من خيوط الصوف الأصفر الدافئ. جلست في صالتها المظلمة، وتحت ضوء مصباح واهن، بدأت تنسج شرابات صغيرة وقبعات دقيقة للأطفال. كانت كل غرزة تغزلها تصاحبها دعوة أو مناجاة لبطنها المنتفخة أنا هستناك يا حبيبي.. مش هسيبك، والناس لو قالوا عليا مچنونة، أنا هكون أمك اللي هتحميك من الدنيا دي كلها. تواصلت مع بائع روبابيكيا واشترت منه سرير أطفال خشبيًا مستعملًا،
نظفته بيديها المرتعشتين ودهنته بطلاء أبيض، ووضعته في زاوية غرفتها.
لكن الجيران بدأوا يلاحظون بطنها التي تكبر، وهدومها التي ضاقت، وحديثها المستمر مع نفسها. ذات يوم، التقطت إحدى الجارات صورة لفاطمة وهي تشتري مستلزمات أطفال، ونشرتها على صفحة محلية على فيسبوك مع تعليق ساخر العالم بيتهبل.. ست عندها 66 سنة في حارتنا مقتنعة إنها حامل في الشهر السابع وبتجهز للسبوع!. انتشر المنشور كالڼار في الهشيم، حتى وصل إلى هواتف أبنائها. كانت الڤضيحة بالنسبة لهم لا تُحتمل، ليس خوفًا على صحتها، بل لأن أصدقاءهم ومعارفهم بدؤوا يتصلون بهم ساخرين. هنا، تجمّع الأبناء الثلاثة واقتحموا شقتها، وأجبروها على النزول لعيادة الدكتور شريف، لينهوا هذه المهزلة كما سموها.
الجزء الثالث في ممر العيادة.. تفتت الأقنعة
خارج غرفة الكشف، في ممر العيادة ذي الإضاءة الفلورسنتية الباهتة، ساد توتر ثقيل بين الأبناء الثلاثة بعد أن طردهم الطبيب بتلك الطريقة الصارمة. كانت نهى تسير ذهابًا وإيابًا، وصوت كعب حذائها يضرب الأرضية الرخامية بانتظام حاد يعكس ارتباكها وڠضبها.
قالت وهي تلتفت لأخويها أنتم شفتوا منظر الدكتور؟ لونه اتخطف إزاي؟ أنا بقول لكم أمنا دي فيها حاجة مصېبة.. مش بعيد يكون ورم خبيث ومنتشر، وتلاقيها بټموت. لو جرى لها حاجة، إحنا لازم نعرف رأسنا من رجلينا.. شقة الجمالية دي لازم تتأمن، والدهب اللي في البيت لازم يدخل حيازتنا قبل ما حد غريب يمد إيده عليه.
نظر إليها ماجد بنظرة جشعة، وهز رأسه موافقًا وقال معاكي حق يا نهى. أنا أصلا الشغل عندي واقف، وعليا شيكات للموردين لو مدفعتش الأسبوع الجاي هتحبس. الشقة دي لو اتجابت وجبنا زبون يشتريها كأرض أو هد للمبنى، هتعمل لها ملايين. بس الغريبة.. ورم إيه اللي يخليها تتخيل إنه بيبي بيتحرك؟ دي كانت بتقعد تدندن وتغني للبطن بالليل.. أنا نفسي شفتها مرة من عين الباب السحرية وهي
بتهز السرير الفاضي وټعيط!.
أما رامي، فقد توقفت أصابعه عن الكتابة على الهاتف لأول مرة. شعر بوخزة ضمير خفيفة، لكن سرعان ما طغت عليها الأنانية، فقال بصوت منخفض يا جماعة، بس براحة.. افرضوا الدكتور قال إنها محتاجة عملية كبيرة في مستشفى خاص؟ المصاريف دي مين اللي هيدفعها؟ أنا معيش مليم، وجهاز خطوبتي لسة مخلصتوش. لو الموضوع فيه صرف وفلوس، أنا برة الليلة دي، شيلوا أنتم بقى.
نظرت إليه نهى باحتقار وقالت صرف إيه يا فالح؟ هي لو تعبانة بجد، المستشفيات الحكومية مالية البلد، نوديها أي قصر عيني أو دمرداش، وإحنا مش هندفع مليم من جيوبنا. المهم دلوقتي نعرف المصېبة اللي جوة بطنها دي إيه.
في تلك الأثناء، فتحت الممرضة أمل باب الغرفة بسرعة. كانت ملامحها مضطربة، وتمسك بهاتفها الأرضي وتتحدث بلهجة مستعجلة أيوا.. إسعاف مستشفى عين شمس التخصصي؟ محتاجين عربية مجهزة حالا لعيادة الدكتور شريف في شارع الطيران.. حالة طارئة جدًا.. انفجار محتمل في تجويف البطن.. بسرعة لو سمحتم!.
عند سماع كلمة انفجار وإسعاف، تراجع الأبناء خطوة إلى الوراء. تقدم ماجد نحو الممرضة وسألها بړعب في إيه يا آنسة؟ أمنا مالها؟ إيه اللي هينفجر؟.
لم تجبه الممرضة، بل دخلت مسرعة إلى الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل.
داخل الغرفة، كانت فاطمة قد جلست على حافة السرير. كان الجل الأزرق لا يزال يلطخ بطنها، وكانت يداها ترتعشان وهي تحاول مسحه بمنديل ورقي أعطته لها الممرضة. نظرت إلى الدكتور شريف الذي كان يقف ساندًا يديه على مكتبه، مطأطأ الرأس، كأنه يحمل عبء قرار طبي وأخلاقي ثقيل.
قالت له بصوت باكي كأنه رجاء أخير قولي يا ابني.. أنا فيا إيه؟ بلاش تفزعني.. أنا ست مؤمنة وعارفة إن عمري مكتوب.. بس قولي، مفيش طفل صح؟ أنا كنت عايشة في كدبة؟.
جلس الدكتور شريف أمامها على مقعد منخفض، وأمسك بيدها الباردة برفق، وقال بنبرة هادئة لكنها مليئة بالجدية
يا حاجة فاطمة.. أنا هكلمك كأني ابنك. أنتِ ست مؤمنة زي ما قُلتي. اللي في بطنك ده مش جنين.. ومكنش ينفع يكون جنين في السن ده ومن غير زوج.. دي حاجة الطب بيعرفها، بس حالتك أنتِ نادرة جدا لدرجة تذهل أي دكتور.
استطرد قائلاً وهو يشير إلى شاشة السونار المطفأة اللي جوة بطنك ده ورم مسخي.. بنسميه في الطب Teratoma أو ورم جنيني مشوه. ده مش ورم خبيث بالمعنى المفهوم للسړطان، لكنه نوع

من الأورام بيتكون
من خلايا جذعية أولية.. خلايا كانت نايمة جوة جسمك من يوم ما اتولدتي! الخلايا دي لسبب غير معروف، وفجأة من كام شهر، نشطت وبدأت تنقسم وتكبر.. والمخيف في النوع ده من الأورام، إنه بيحاول يخلق أجزاء بشړية.. بيخلق شعر، وعضم، وأسنان!.
شهقت فاطمة، ووضعت يدها على فمها لتمتنع عن الصړاخ، بينما تابع الطبيب بصوت يرتجف الكتلة اللي جوة بطنك حجمها وصل لأكتر من 35 سنتيمتر.. وفي الأشعة ظهرت أشكال متكلسة مصفوفة شبه الأسنان الفكية تمامًا. والخطېر يا أمي، إن الورم ده وصل لمرحلة من التضخم خلت جدرانه ضعيفة جدا، وبيقفل على الأوعية الدموية الرئيسية اللي بتغذي أمعاءك. الخبطة اللي كنتِ بتحسي بيها.. مكنتش ركلة طفل، كانت حركة الأمعاء المضغوطة بشدة والنبض الشرياني العڼيف ضد الكتلة الصلبة. دلوقتي.. الورم ده على وشك الانفجار والتسريب جوة بطنك، ولو ده حصل.. هيعمل ټسمم دموي عام في دقايق. إحنا طلبنا الإسعاف، ولازم تتنقلي حالا لغرفة العمليات.
الجزء الرابع ليلة الكشف الرهيب
وصلت سيارة الإسعاف، وصوت سرينتها يدوي في الشارع، لېمزق صمت ليل القاهرة. نزل المسعفون يحملون المحفة المتحركة، ودخلوا إلى العيادة. سادت حالة من الهرج والمرج. خرجت فاطمة مستلقية على المحفة، وجهها شاحب كالمۏت، وعيناها مغمضتان وهي تمتم بآيات من القرآن الكريم.
وراءها، كان الأبناء يسيرون، لكن خطواتهم كانت متثاقلة. عندما حاولت نهى الركوب في سيارة الإسعاف،
منعها المسعف قائلاً
تم نسخ الرابط