في الوقت اللي فيه زوجة رجل الاعمال
ارتفع الخط الأخضر على شاشة المراقبة بسرعة، ثم هبط فجأة إلى الأسفل.
وخلال لحظة واحدة، خيّم على غرفة الولادة صمت ثقيل، كأن أحدهم أمسك أنفاس الجميع داخل قبضته.
أصدرت الدكتورة ميساء السامرائي أمرها فورًا
الجميع يبقى مستعدًا. إذا لم تستقر النبضات خلال دقيقتين، سندخل في إجراء طارئ فورًا.
أمسك سيف الكعبي رأسه بيديه وقال
قلت لكم! هذه المرأة لا تلمس زوجتي!
قالت رنا وهي تضغط على أسنانها
اصمت.
كان صوتها ضعيفًا، لكن فيه نارًا خفية أوقفت سيف في مكانه.
اقتربت أمينة جبار من السرير. وضعت يدها أولًا على جبين رنا. لم تكن لمسة باردة مثل لمسات الأطباء، ولا لمسة مرتبكة مثل خوف الأجهزة. كانت يد امرأة رأت الألم يولد في البيوت القديمة، وبين مواقد الطين، وفي الليالي المعتمة، وتحت أسقف بسيطة لا تعرف الرفاهية.
قالت أمينة بصوت منخفض
يا بنتي، اسمعيني. طلّعي الخوف من صدرك. الطفلة تنكمش أكثر لما أمها تخاف.
انسابت الدموع من عيني رنا.
تعبت...
قالت أمينة
لا تتعبين الآن. ليس الآن. طفلتك تطلب طريقها.
ضحك سيف بسخرية موجوعة
هذا مستشفى، مو حوش قرية.
ردت أمينة دون أن تنظر إليه
الولادة تبقى ولادة يا سيدي. في قصر أو في بيت طين، الطفل ينزل بشجاعة أمه، مو بفلوس أبيه.
تبادل الأطباء النظرات.
احمر وجه سيف، لكن الدكتورة ميساء رفعت يدها ومنعته من الكلام.
ثم قالت
أمينة... قولي لنا ماذا نفعل.
لمعت عينا أمينة للحظة قصيرة. طوال سنوات عملها في هذا المستشفى، لم تنادها طبيبة كبيرة باسمها بهذه الطريقة.
قالت
خلّوا الأم على جنبها الأيسر. اثنوا ركبتيها. اسندوا ظهرها. لا تضغطون على البطن من فوق. الطفلة ما تدور بالقوة... تدور لما تلقى مساحة.
تقدمت ممرضتان بسرعة.
تأوهت رنا وهي تغيّر وضعيتها. غرست يديها في الملاءة. كان العرق يسيل حتى عنقها، وأنفاسها متقطعة وكأنها تخرج بصعوبة.
وضعت أمينة كفيها على بطن رنا.
كانت الدكتورة ميساء واقفة قربها، بكامل انتباهها.
قالت
بهدوء.
أجابت أمينة
نعم دكتورة.
لم تكن تضغط على البطن. كانت كأنها تقرأ اتجاهًا مخفيًا داخل الجسد. تتوقف أصابعها، ثم تتحرك قليلًا. مرة تطلب من رنا أن تحبس نفسًا قصيرًا، ومرة تطلب منها أن تطلق زفيرًا طويلًا. وأحيانًا كانت تتحدث مع الطفلة.
يلا يا بنتي الصغيرة... لا تعاندين... أمك تعبت.
حرّك طبيب شاب عينيه باستهزاء وقال
ما هذا الكلام؟
نظرت إليه أمينة وقالت
الأطفال لا يسمعون بالأذن فقط. يسمعون من جسد أمهم.
أشارت الدكتورة ميساء للطبيب أن يصمت.
وعلى شاشة المراقبة هبطت النبضات مرة أخرى.
بيب.
بيب.
بيب.
بطيئة.
ثم أبطأ.
صرخت رنا
طفلتي...
أمسكت أمينة بذقنها فورًا ووجهت وجهها نحوها.
انظري في عيني. لا تنظري تحت. لا تنظري إلى الجهاز.
قالت رنا
لا أستطيع...
تستطيعين. ستفعلين الآن. ما دام النفس موجودًا، فالطريق موجود.
طلبت أمينة وضع وسادة أسفل خصر رنا، ثم قالت للممرضة
ارفعي رجلها اليمنى قليلًا. لا، ليس كثيرًا. هكذا... نعم.
كان جسد رنا يرتجف من الألم.
وكان سيف واقفًا على بعد خطوتين يشاهد كل شيء. ولأول مرة بدأ الغضب المتعالي ينسحب من وجهه، وظهر مكانه خوف زوج لا يملك شيئًا.
أسندت أمينة أعلى بطن رنا بلطف.
الآن خذي نفسًا طويلًا. مثل الهواء حين يدخل بين سنابل الحنطة.
حاولت رنا.
قالت أمينة
والآن أخرجيه. لا تطفئين النار... فقط تخلين لهبها ينحني.
أطلقت رنا زفيرها.
حرّكت أمينة يديها باتجاه خفيف.
وفجأة اهتز جسد رنا.
قالت الدكتورة ميساء وهي تتقدم
انتظروا!
تحرك الخط على الشاشة.
ثم ارتفعت النبضات قليلًا.
همست إحدى الممرضات
النبض يصعد...
تنفس أحدهم بصوت مسموع داخل الغرفة.
لكن أمينة لم ترفع يديها.
قالت
ليس بعد. الطفلة دارت نصف الطريق فقط. تحتاج تكمل.
سأل سيف لأول مرة بصوت منخفض
هل... هل هي تدور فعلًا؟
قالت أمينة
زوجتك تقاتل. وطفلتك تجاوبها.
أغمضت رنا عينيها من شدة الألم وقالت
أمينة... لا تتركيني...
قالت أمينة
لن أتركك يا بنتي.
ما إن سمعت رنا كلمة يا بنتي حتى انفجرت بالبكاء.
ربما كانت تلك أول مرة في تلك الليلة لا يراها أحد كزوجة رجل
بدأت المحاولة الثانية داخل الغرفة. طلبت أمينة من الممرضات أن يرخين الملاءة. وطلبت من رنا أن تقرب ركبتيها. ثم مالت قليلًا وقالت
إذا جاء الألم، لا تقاوميه. الألم ليس عدوك. الألم يفتح الباب.
قالت رنا
أنا خائفة...
قالت أمينة
إذا خفتِ، أمسكي يدي.
أمسكت رنا بمعصم أمينة.
كان المعصم خشنًا. تفوح منه رائحة المطهر والصابون. الجلد متشقق من سنوات العمل. لكن في ذلك المعصم وجدت رنا ثقة لم تجدها في اثنتي عشرة شهادة، ولا في ثمانية أجهزة، ولا في أموال لا تُعد.
وفجأة جاء ألم أقوى.
قالت أمينة
الآن! دفعة خفيفة. لا تضغطين بكل قوتك. اتركي الطفلة تدور.
نظرت الدكتورة ميساء، وظهر الذهول في عينيها.
الوضع يتغير...
سأل الطبيب الشاب بعدم تصديق
دكتورة؟
قالت الدكتورة ميساء
الطفلة تنزل.
أمسك سيف بالحائط.
لكن في اللحظة نفسها ظهرت مشكلة جديدة.
انحبس نفس رنا. بدأ وجهها يتغير، ووضعت يدها على صدرها.
صرخت الدكتورة ميساء
الأوكسجين!
وضعت الممرضة القناع على وجه رنا. وبدأ طبيب آخر بفحص الضغط.
قال
الضغط يهبط!
ركض سيف إلى جانب السرير.
رنا! انظري إليّ!
بدأت جفون رنا تثقل.
أمسكت أمينة يدها بكلتا يديها وقالت
يا بنتي، لا تنامين الآن. تسمعينني؟ ليس الآن. طفلتك وصلت إلى الباب.
كانت أصابع رنا ترتخي.
اقتربت أمينة
الذي جعلك زوجة في هذا البيت ربما علمك أن تسكتي. لكن الطفلة لا تنزل من أم صامتة. اصرخي يا رنا.