رجع من الغربة
أخيرًا نحو أخيه.
كنت أغار منك.
تفاجأ الجميع.
أما عبد الرحمن فظل ثابتًا.
أكمل مصعب بصوت مكسور
الناس كانوا يقولون دائمًا عبد الرحمن فعل عبد الرحمن أرسل
عبد الرحمن بنى البيت وكأنني لا أفعل شيئًا.
ثم ضرب بيده على ركبته بعصبية
وأنا كنت أركض كل يوم لأحل مشاكل البيت! كنت أريد مرة واحدة أن أشعر أنني صاحب القرار لا مجرد أخ يعيش من مال أخيه.
قال رجل مسن من آخر المجلس
لكنك تجاوزت الحدود يا ولدي.
هز مصعب رأسه ببطء.
أعرف.
ثم نظر إلى أخيه لأول مرة مباشرة
لكنني والله ما أردت أن أقطعك عن أمك بالكامل الأمور خرجت من يدي.
ضحك عبد الرحمن بوجع
خرجت من يدك بعد سبعة عشر عامًا؟
لم يجد مصعب ردًا.
وتدخل الحاج عثمان سريعًا قبل أن يشتعل المجلس.
قال بهدوء
الخطأ وقع والسؤال الآن هل ندفن البيت فوق الخطأ، أم نصلحه؟
ثم التفت إلى عبد الرحمن
أنت صاحب الحق والقرار قرارك.
نظر الجميع إليه.
وكان واضحًا أن كلمة واحدة منه قد تُدخل أخاه المحكمة فعلًا.
صمت طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم قال أخيرًا
أريد شيئًا واحدًا فقط.
اقترب الرجال بانتباه.
فقال
أريد أن تعود أمي تتكلم معي دون خوف وأن يعرف الجميع أن عبد الرحمن ليس غبيًا ولا ضعيفًا.
ثم التفت إلى أخيه مباشرة.
ولن أقبل بعد اليوم أن تُدار حياتي أو حقي باسمي وأنت تخفي عني الحقيقة.
هز مصعب رأسه ببطء.
وقال بصوتٍ مبحوح
من حقك.
فسأله الحاج عثمان
وماذا عن القضية؟
ساد الصمت مجددًا.
ثم قال عبد الرحمن
إذا أعاد كل شيء باسم أمي رسميًا أمام الجميع سأتنازل عنها.
ارتفعت همهمات الارتياح داخل المجلس.
لكن عبد الرحمن أكمل بحزم
وهناك شرط آخر.
نظر إليه مصعب بتوتر.
فقال
لن أعيش بعد اليوم كضيف في بيت أبي.
خفض مصعب رأسه.
ثم قال بهدوء مكسور
البيت بيتك يا عبد الرحمن.
ولأول مرة منذ وصوله
شعر عبد الرحمن أن الجملة خرجت صادقة فعلًا.
انتهى المجلس بعد منتصف الليل.
لكن المصالحة الحقيقية لم تحدث فورًا.
فالكسور العميقة لا تُشفى في ساعة.
وفي
كما كتب تعهدًا بعدم التصرف في أي شيء يخص العائلة دون موافقتها الكاملة.
أما عبد الرحمن
فسحب البلاغ بالفعل.
وحين سأله المحامي إن كان متأكدًا، أجاب بهدوء
المحاكم تعيد الحقوق لكن ليس العائلة.
بعد أسبوع
عاد عبد الرحمن إلى البيت نفسه الذي خرج منه مكسورًا.
لكن هذه المرة
كانت والدته تنتظره عند الباب.
وحين رأته، احتضنته بقوة وبكت طويلًا.
أما هنادي
فوقفت بصمت ثم قالت بخجل
سامحنا يا عبد الرحمن.
نظر إليها للحظة.
ثم قال بهدوء
أنا لم أكن أريد أكثر من مكان بينكم.
وفي تلك الليلة
أصرّت والدته أن ينام في غرفة والده القديمة.
الغرفة التي بقيت مغلقة سنوات.
وحين دخلها
وجد فوق الرف مسبحة والده القديمة، وصورة باهتة للعائلة قبل سفره.
جلس طويلًا ينظر إليها.
كان الجميع فيها يبتسمون ببساطة
قبل أن تدخل الأموال، والغربة، والغيرة بينهم.
وفي الخارج
كان يسمع صوت مصعب يتحدث مع العمال عن إزالة الجدار الحديدي الكبير الذي بُني أمام البيت قبل سنوات.
ابتسم عبد الرحمن لأول مرة منذ عودته.
لأنه فهم أخيرًا
أن المشكلة لم تكن في الجدران
بل في القلوب التي ارتفعت بينها الجدران بصمت.
رجع من الغربة بعد سبعة عشر عامًا بجلابية باهتة وحقيبة قديمة، فرفض أخوه أن ينام ليلة واحدة في بيت أمه، ولم يعرفوا أن في جيبه أوراقًا ستكشف سرًا يهدّ البيت فوق رؤوسهم في السودان قرب أم درمان، كان عبد الرحمن الطيب رجلًا أكلت الغربة عمره، خرج شابًا نحيفًا بعد رحيل أبيه بأشهر، وهو يحمل وصية واحدة في قلبه لا تترك أمك وحدها سافر إلى الخليج وعمل في البناء والحراسة والمخازن، نام في غرف ضيقة مع غرباء، وتحمل الحر والإهانة ووحشة الليل، فقط حتى لا تحتاج أمه شيئًا كل شهر كان يرسل المال لأخيه الأكبر مصعب، مالًا لعلاج أمه، وترميم البيت، وتعليم أبناء أخيه، وشراء الأرض الزراعية التي حلم بها أبوه قبل رحيله كان
مانع عنها الانفعال لكن الأم ظهرت في آخر الممر بثوب بسيط ويدين ترتجفان، وهمست بصوت كسر قلبه عبدو؟تحرك نحوها فورًا، لكن مصعب وقف بينهما وقال يا أمي، لا تتعبي نفسك رأى عبد الرحمن في عين أمه شيئًا لم يفهمه، دموعًا وخوفًا وكلامًا محبوسًا خلف صمت طويل جلس دقائق في المجلس كضيف ثقيل، لا أحد سأله كيف عاش، ولا من داواه في الغربة، ولا كم ليلة نام جائعًا حتى يرسل لهم المال طلب أن ينام ليلة واحدة فقط