اتجوزت البواب
ورثة الشركاء في المكان المتفق عليه، ويُسلَّم ما تبقى من الأمانة إلى من يثبت أنه حافظ على العهد، دون استخدام نفوذ أو مال.
عم حسن همس
عشان كده رامي عاش حياته بعيد عن كل حاجة...
عادل كمل
ومن غير ما يعرف إنه بيتختبر.
أنا بصيت لرامي.
افتكرت كل مرة قال فيها إنه راضي بحياته، وإنه عمره ما مد إيده لحد.
حتى لما عرضت عليه فلوس مقابل الجواز...
وافق يساعدني، لكنه عمره ما طلب زيادة، ولا استغل موقفي.
الراجل المجهول قال
الاختبار كان في الأخلاق... مش في الغنى.
وفجأة مد إيده ناحية الظرف الموجود في الصندوق.
وقال
دلوقتي... افتحوه.
رامي بص لأبويا.
أبويا هز رأسه بالموافقة.
رامي فك الختم الأحمر ببطء.
فتح الظرف...
وأخرج منه ورقة واحدة فقط.
قرأ أول سطر...
فتغيرت ملامحه تمامًا.
ثم رفع عينيه ناحية أبويا، وقال بصوت منخفض
واضح إن كل اللي حصل... من أول مقابلتي ل...
وسكت فجأة.
لأن عينيه وقعت على آخر سطر في الورقة.
آخر سطر خلاه يشد نفسًا طويلًا، ويطوي الورقة بسرعة قبل ما أي حد يشوفها.
أنا قربت منه وقلت بلهفة
مكتوب إيه؟
رامي بصلي، وكان واضح إنه بيناضل بين إنه يقول الحقيقة... أو ينفذ الوصية المكتوبة أمامه.
ثم قال بهدوء
لو قرأت السطر الأخير بصوت عالي... كل حاجة هتتغير.
وساد الصمت في الغرفة، بينما الجميع كان ينتظر القرار الذي سيكشف السر الأكبر فضل رامي ماسك الورقة بإيده، وعينه ثابتة
أنا قربت منه أكتر وقلت
رامي... إحنا وصلنا لحد هنا. مينفعش تسكت دلوقتي.
تنهد ببطء، وبص لعادل وعم حسن، ثم لأبويا.
وقال
الوصية بتقول إن السطر الأخير لازم يتقري قدام الشهود الأربعة... وإلا تعتبر الوصية لاغية.
عم حسن عقد حاجبيه.
إحنا أربعة فعلًا... لكن فين الشاهد الرابع؟
سكت الجميع.
أبويا بص حوالينه باستغراب.
إحنا هنا فؤاد، وعادل، وحسن... مين الرابع؟
في اللحظة دي...
الراجل الغامض اللي كان واقف عند باب الممر ابتسم لأول مرة.
وشال الكاب اللي كان مغطي جزء من وشه.
وقال بهدوء
أنا.
كلنا بصيناله في ذهول.
عادل قال وهو بيحاول يفتكر
إنت... يوسف؟!
الراجل هز رأسه.
أيوه... يوسف. كنت أصغر محاسب في الشركة وقتها، وأبو رامي اختارني أكون الشاهد الرابع لأن محدش كان يشك فيا.
أبويا قعد على أقرب كرسي وهو بيتمتم
افتكرت إنك سافرت بره ومارجعتش.
يوسف رد
سافرت فعلًا... لكن رجعت من أسبوع واحد، لأن الموعد اللي اتكتب في الوصية جه.
بعدها بص لرامي وقال
اقرأ.
الغرفة كلها غرقت في صمت.
رامي فتح الورقة تاني، وبدأ يقرأ
إذا اجتمع الشهود الأربعة، واجتمع وريث صاحب الأمانة، فاعلموا أن المال ليس هو الميراث الحقيقي.
وقف لحظة.
وأكمل
الميراث الحقيقي هو الاسم... والشركة... والسمعة التي بُنيت بالصدق.
كلنا كنا مركزين مع كل كلمة.
ثم وصل للسطر الأخير.
اتنهد، وقرأه بصوت واضح
ويكون صاحب القرار
ساد الصمت.
لكن المفاجأة كانت إن مفيش أي حد اتكلم.
ولا حتى أبويا.
لأن كلهم كانوا مستنيين يكمل.
رامي قلب الورقة.
لقي في ظهرها جملة قصيرة جدًا، مكتوبة بخط مختلف
أول قرار هتاخده... هيكشف إذا كنت تستحق الأمانة فعلًا.
رفع رامي عينه ببطء.
وبص مباشرة ناحية أبويا.
ثم قال
قبل أي شركة... وقبل أي فلوس... عندي سؤال واحد.
أبويا ابتلع ريقه.
اسأل.
رامي قال بهدوء شديد
ليه لما شفتني أول مرة... وقعت على ركبتك وعيطت؟
أبويا غمض عينيه...
وأدرك الجميع أن الإجابة على هذا السؤال، هي الحقيقة الوحيدة التي لم تُكشف بعد أبويا فضل ساكت ثواني طويلة...
وبعدين بص لرامي، وقال بصوت مكسور
لأن أول ما شوفتك... شوفت أبوك قدامي.
كلنا سكتنا.
أبويا كمل وهو بيحاول يمسك دموعه
أبوك أنقذ حياتي في حادثة كانت هتنهي كل حاجة. ولما توفى بعدها بسنين، وعدته إني أحافظ على حق ابنه... لكن مع الوقت، انشغلت بالفلوس والسلطة، ونسيت الوعد.
رامي سأله بهدوء
وليه ما دورتش عليّ؟
رد أبويا وهو بيبكي
دورت... لكن اللي كان مسؤول عن رعايتك نقلك من مكان لمكان، ولما وصلت ليك كان الأوان فات. فضلت فاكر إنك سافرت، وبعدها وصلني خبر إنك توفيت. عشان كده... أول ما شوفتك، حسيت إن الزمن رجع بيا.
عم حسن فتح الدفتر على آخر صفحة.
كان فيها رسالة
إذا عاد ابني يومًا، فلا تعطوه المال لأنه ابني... أعطوه الأمانة إذا استحقها.
نظر الجميع إلى رامي.
قال عادل
إحنا كلنا شهدنا إنك استحقيتها.
لكن رامي فاجأ الجميع.
أخذ ملف الشركة، ووضعه على الطاولة.
وقال
أنا مش جاي أنتقم... ولا جاي آخد شركة. أنا عندي شغل بسيط بعيش منه بكرامة.
ثم نظر إلى أبويا.
لكن عندي شرط واحد.
أبويا قال بسرعة
أي شرط.
ابتسم رامي وقال
ترجع الشركة تشتغل بالمبادئ اللي بدأت بيها. حقوق العمال ترجع، وكل موظف اتظلم ياخد حقه. وساعتها بس... أقبل أكون جزء من إدارتها.
عم حسن ابتسم لأول مرة.
وقال
دلوقتي عرفت ليه والدك اختارك.
أما أنا...
فكنت ببص لرامي بإعجاب.
أنا اللي اتجوزته عشان أتحدى أبويا...
اكتشفت إنه أغنى إنسان قابلته، مش بفلوسه...
لكن بأخلاقه.
أبويا قرب منه، ومد إيده وهو بيقول
سامحني.
رامي مسك إيده، ورفعه من على الأرض، وقال
الاعتذار الحقيقي... يكون بالأفعال.
بعد عدة أشهر...
تغيرت الشركة بالكامل.
رجعت حقوق ناس كتير، واتفتحت أبوابها للشباب المجتهد، واتخصص جزء من أرباحها لمساعدة أسر العمال.
أما رامي...
فرفض يعيش في قصر.
واختار يفضل في البيت البسيط اللي بدأ منه، لأنه كان دايمًا يقول
الإنسان قيمته في أخلاقه، مش في عنوانه.
وأبويا؟
أول مرة في حياته، وقف قدام الناس وقال بكل فخر
أنا كنت فاكر إني هختار لبنتي الزوج المناسب... لكن هي
ابتسمت وأنا ماسكة إيد رامي.
واتأكدت إن القرار اللي أخدته بدافع التحدي...
كان أجمل قرار غيّر حياتي للأبد.
تمت.