دخلت علي جوزي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز


فيها، كانوا يصوروني إني السبب في المشاكل.
طارق بصلي وقال لأول مرة قدامهم كلهم
أنا غلطت لما سكت. كنت فاكر إن السكوت هيحافظ على لمّة العيلة، لكنه خلّى الكل يتمادى.
حماتي قالت بغضب
يعني مراتك فرقت بينك وبين أهلك.
رد بهدوء
لا... اللي فرق بينا إن الاحترام اختفى.
ساد الصمت.
وفجأة، الراجل قفل الملف وقال
لسه في مستند واحد بس... هو أخطر ورقة في الملف كله.
كل العيون اتجهت ناحيته.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وربت على الملف بإيده، وقال
الورقة دي لو اتقرت دلوقتي... هتجبر حد من الموجودين يعترف بحاجة مخبيها عن العيلة من أكتر من عشر سنين.
وفي اللحظة دي، اتغيرت ملامح حماتي تمامًا، وقالت بصوت مرتعش
لأ... الورقة دي بالذات ممنوع حد يشوفها فضلنا كلنا باصين ناحية الباب، والهدوء سيطر على المكان لثواني.
الشخص اللي كان واقف بره كان راجل كبير في السن، شيبته مالية راسه، وماسك ملف بني قديم تحت دراعه.
أول ما شاف طارق قال
السلام عليكم... أنا آسف إني جيت من غير ميعاد، بس لازم أقابل العيلة كلها.
حماتي أول ما شافته اتغير لون وشها، وقامت بسرعة وهي بتقول
إنت! إيه اللي جابك هنا؟
الراجل رد بهدوء
جاي أنفذ وعد اتأخر سنين.
الجملة دي خلت الكل يبص لبعض باستغراب.
طارق وسعه يدخل، لكنه كان متوتر بشكل واضح.
الراجل قعد على أول كرسي قدامه، وحط الملف على الترابيزة، وقال
قبل ما أتكلم، عايز كل واحد يسمع للآخر من غير مقاطعة.
حماتي حاولت تمنعه
الكلام ده ملوش لازمة دلوقتي.
لكنه فتح الملف بهدوء، وأخرج منه مجموعة أوراق قديمة وصور للعيلة، وقال
بالعكس... ده أنسب وقت.
بصيت لطارق، لقيته ساكت، لكنه كان مركز في كل كلمة.
أما دعاء وأمها، فكان واضح عليهم القلق، وكل واحدة فيهم بقت تبص للتانية وكأنهم
فاهمين الراجل هيقول إيه.


وفجأة الراجل رفع أول ورقة، وقال
الورقة دي مكتوب فيها اتفاق اتعمل من سنين بين أفراد العيلة... واتاخدت قرارات وقتها أثرت على حياة ناس كتير.
البيت كله سكت.
حماتي حاولت تقوم تاخد الورق من إيده، لكنه رجعه بسرعة وقال
استني... لسه مخلصتش.
بعدها بص ناحيتي أنا وقال
إنتِ أكتر واحدة من حقها تعرف الحقيقة.
قلبي دق بعنف، وقلت بخوف
أنا؟! ليه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لأن اللي حصلك النهارده، كان مجرد بداية... واللي مكتوب في الملف ده هيغير نظرتك لكل اللي حواليكي.
ومد إيده ناحية الملف، واستخرج منه ظرفًا أبيض مختوم بالشمع الأحمر، ووضعه أمامي على الترابيزة، وقال
افتحيه... لكن خلي بالك، أول ما الظرف ده يتفتح، مفيش حاجة في البيت ده هتفضل زي الأول اتجمعنا كلنا حوالين الصندوق، وكل واحد فينا بيبص للتاني مستني يعرف إيه حكايته.
الراجل انحنى ومسح التراب بإيده، وظهر قفل نحاس قديم عليه حروف محفورة.
حماتي أول ما شافته ارتبكت وقالت بسرعة
سيبوه مكانه... ده مالوش أي لازمة.
لكن الراجل رد بهدوء
لو مالوش لازمة، ليه اتخبى كل السنين دي؟
طارق حمل الصندوق وحطه على ترابيزة السفرة، وبعد محاولات بسيطة قدر يفتح القفل لأنه كان مصدي.
أول ما الغطا اتفتح، لقينا جواه ألبوم صور قديم، ومفاتيح مربوطة بشريط، ومظروف صغير مكتوب عليه بخط اليد
يُفتح في وجود جميع أفراد العائلة.
الراجل ابتسم وقال
هو ده اللي كنت بدور عليه.
ناول المظروف لطارق، وقال
إقراه.
فتح طارق المظروف، وبدأ يقرأ
إذا وصل إليكم هذا الخطاب، فمعناه أن الخلافات رجعت تاني بينكم. واعرفوا إن قيمة العيلة مش في البيوت ولا الأراضي، لكن في الاحترام. اللي يهين حد من أهل بيته أو ضيوفه، عمره ما هيعرف يجمع عيلة.
كلنا سكتنا.
كمل القراءة
وأوصي
كل واحد فيكم إنه
يراجع نفسه قبل ما يلوم غيره، لأن الكلمة الجارحة ممكن تفضل في القلب سنين.
بصيت لحماتي، لقيتها منزلة عينيها في الأرض لأول مرة.
أما دعاء، فقربت مني بخطوات مترددة وقالت بصوت واطي
أنا آسفة لو ضايقتك النهارده... مكنش قصدي أوصلك الإحساس ده.
اكتفيت بهزة بسيطة من راسي، ولسه مش قادرة أنسى اللي حصل.
طارق قفل الخطاب، وقال قدام الجميع
من النهارده، أي زيارة للعيلة هتبقى مبنية على الاحترام. اللي هيحترم مراتي، هرحب بيه، واللي هيقلل منها، مش هسمح له يكرر ده.
ساد صمت طويل.
لكن قبل ما حد يرد، وقع مفتاح صغير من بين أوراق الصندوق.
الراجل التقطه بسرعة، وابتسم ابتسامة غامضة، وقال
واضح إن لسه في مكان محدش فتحه من سنين... والمفتاح ده هو اللي هيدلنا عليه.
كل الأنظار اتجهت للمفتاح، وبدأ الفضول يكبر، لأن محدش كان عارف بيفتح إيه، ولا إيه السر اللي لسه مستخبي وراه أول ما حماتي قالت الورقة دي بالذات ممنوع حد يشوفها، عمّ الصمت المكان.
الراجل بص لها بهدوء وقال
ليه؟ إذا كان اللي فيها حق، يبقى محدش يخاف منه.
حماتي ردت بعصبية
أنت جيت تبوظ بيت ابني؟
قال بثبات
أنا جاي أصلح اللي اتكسر من سنين.
فتح الملف ببطء، وأخرج آخر ورقة، لكنها كانت مطوية أكتر من مرة، وعليها توقيعات قديمة.
ناولها لطارق وقال
اقراها بصوت عالي.
طارق بص في الورقة، وكل ما كان بيقرأ سطر، ملامحه كانت بتتغير.
قلت بقلق
فيها إيه؟
رفع عينه ناحيتي وقال
الورقة دي بتثبت إن جدي كان موصي إن البيت الكبير يفضل مفتوح لكل أولاده وأحفاده، وإن محدش يستخدمه للضغط على حد أو لإهانة أي فرد من العيلة.
بص ناحية أمه وأكمل
وفي آخر الوصية كتب جملة واحدة... اللي يهن ضيفه أو يذل زوجة ابنه، يبقى خالف وصيتي ولا يستحق يكون مسؤول عن جمع العيلة.
نزل الكلام على
الصالة كالصاعقة.
حماتي شهقت وقالت
دي كانت مجرد نصيحة... مش وصية ملزمة.
الراجل هز راسه وقال
سواء كانت ملزمة أو لا، فهي كانت آخر رغبة لراجل الكل كان بيحترمه.
سكتت خالة طارق، أما دعاء فكانت أول مرة تطأطئ راسها من بداية اليوم.
طارق لف ناحيتي وقال
أنا آسف إنك اتحطيتي في مواقف كتير كنت لازم أمنعها. يمكن اتأخرت، لكن من النهارده محدش هيعاملك إلا بالاحترام.
قبل ما أرد، قامت حماتي وقالت بانفعال
يعني هتسيب أمك عشان كلام مكتوب في ورقة؟
رد بهدوء
لا يا أمي... أنا مش بسيب حد. أنا بس همنع الظلم إنه يتكرر.
ساد هدوء ثقيل، وكل واحد كان بيفكر في اللي حصل.
لكن فجأة، سمعنا صوت شيء وقع من داخل المطبخ.
جرينا كلنا ناحية الصوت.
لقينا باب الدولاب السفلي مفتوح، وعلى الأرض صندوق خشبي صغير مغطى بالتراب، شكله قديم جدًا، وكأنه محدش لمسه من سنين.
الراجل أول ما شافه، اتسعت عينه وقال بصوت منخفض
إزاي... الصندوق ده لسه موجود؟
واتجه ناحيته بخطوات سريعة، وهو بيقول
واضح إن الحكاية لسه مخلصتش...مدّ الراجل إيده ناحية الدفتر، لكنه وقف فجأة وقال
اللي هيتفتح دلوقتي، لازم الكل يسمعه... ومحدش يقاطع.
خرجنا من المخزن ورجعنا للصالة، وقعد كل واحد في مكانه. حتى حماتي، اللي كانت معترضة من البداية، قعدت من غير ما تنطق.
فتح الراجل أول صفحة، وكان مكتوب فيها تاريخ قديم، وتحت التاريخ جملة بخط كبير
العيلة اللي تخبي الحقيقة عن بعض، الخلاف هيعيش فيها سنين.
بدأ يقلب الصفحات، وكانت كلها عبارة عن مواقف حصلت بين أفراد العيلة، وكل موقف كان في آخره تعليق من الجد، ينصحهم فيه بالعدل واحترام بعض.
وفجأة وقف عند صفحة معينة، واتغيرت ملامحه.
طارق قال بقلق
إيه اللي فيها؟
رد الراجل
دي آخر صفحة كتبها بنفسه.
وسكت
لحظة، ثم بدأ يقرأ
لو
وصل الدفتر ده بعد وفاتي، فأنا أوصي أكبر أحفادي إنه يحافظ على بيته، ومايسمحش لأي

خلاف بين الأهل يدخل بينه وبين زوجته
 

تم نسخ الرابط