سوسن
عمله و القصة تسد حلقه و حلق زوجته حزناً على فقد إبنتهما و فلذة كبدهما و لم يكن أمامهما الا الصبر الجميل و الدعاء بأن يجمع الله لهما بإبنتهما رائعة الجمال سوسن، إتصل حمدان من تلفون مقر عمله بأهله في بلدهم و أبلغهم بالخبر الحزين و هو غياب طفلته سوسن و من وقتها صار كل واحد من أهل المنطقة رجل كان أو إمرأة و هو مسافر و مر بتلك المحطات إلا و كان الجميع يتمعن جيداً عسى و لعل يجد سوسن بالصدفة و واصل الجميع الدعاء و التضرع للمولي عز و جل أن يجمع بها سالمة معافاة
الجزء الثاني
في اللحظة اللي قالت فيها أخت سوسن
نزلت في المحطة اللي فاتت وما رجعتش.
حمدان حس إن قلبه وقع من مكانه.
بص لمراته.
مراته كانت في الأول ساكتة، كأن عقلها مش قادر يستوعب.
وبعدين فجأة صرخت
سوسن؟!
قامت من مكانها وبدأت تبص بين الركاب.
سوسن! يا سوسن!
كانت بتجري بين العربات وهي بتنادي باسم بنتها.
حمدان كان وراها، بيحاول يمسك نفسه.
كل محطة بعدها كان بيطلب من مسؤولي القطار إنهم يوقفوا الرحلة.
لكن القطار كان اتحرك بالفعل مسافة كبيرة.
وفي أول محطة كبيرة وصلوا لها، نزل حمدان مسرعًا.
راح لشرطة السكة الحديد، وحكى لهم اللي حصل.
بدأت الأسئلة.
اسم الطفلة؟
سوسن حمدان عبيد الطاهر.
السن؟
ثمان سنين.
الملابس؟
بدأ يصف فستانها وشعرها وملامحها.
وبعدها اتكتب البلاغ.
لكن المشكلة
لا موبايلات.
لا إنترنت.
لا صور بتتبعت في ثواني.
ولا وسيلة تخلي كل محطة في البلد تعرف شكل طفلة مفقودة فورًا.
كل اللي قدروا يعملوه إنهم يرسلوا تعميم للمحطات التالية، ويطلبوا من الشرطة والموظفين يدوروا عليها.
وفي الوقت نفسه، حمدان أرسل خبر لأهله.
ومن يومها
بدأت رحلة بحث مختلفة.
كل واحد من معارف العيلة كان يسافر بالقطار، كان يحمل في دماغه صورة سوسن.
كل أم تشوف بنت صغيرة في محطة كانت تتوقف وتسأل نفسها
ممكن تكون دي سوسن؟
وكل محطة كانوا بيسألوا فيها عن طفلة ضاعت من القطار.
لكن الأيام مرت
ولا خبر.
أما سوسن
فكانت في بيت لم تعرفه من قبل.
الست الكبيرة، أم الشاب، أعطتها أكل وشرب، وحاولت تهديها.
لكن سوسن كانت طول الوقت بتسأل
هو بابا هييجي إمتى؟
كانت الست تقول
هييجي يا بنتي ما تخافيش.
طب إمتى؟
قريب.
لكن قريب دي طالت.
يوم
واتنين
وأسبوع.
وسوسن كل يوم كانت تقف عند باب البيت، أول ما تسمع صوت حمار أو عربية أو حد جاي من ناحية المحطة، تجري ناحية الباب.
كانت فاكرة إن أبوها هو اللي جاي.
لكن محدش كان بييجي.
مر شهر.
ثم شهران.
ثم بدأت سوسن تفهم إن الموضوع مش يومين وهترجع.
وفي إحدى الليالي، سألت الست الكبيرة
هو بابا عارف أنا هنا؟
الست سكتت.
ما ردتش.
سوسن كررت السؤال
ماما عارفة؟
الست بصت لابنها.
ابنها خفض عينه للأرض.
وفي
محدش بلغ أهلها.
في بورتسودان، كانت أمها لسه محتفظة بآخر حاجة كانت تخص بنتها.
قطعة صغيرة من هدومها.
كل ليلة كانت تطلعها من الدولاب، تضمها لصدرها وتبكي.
أما حمدان
فكان كل ما يرجع من شغله، يفتح الباب وهو للحظة يتخيل إن سوسن هتجري عليه وتقول
بابا!
ثم يفتكر.
فتسقط ابتسامته.
مرت سنة.
ثم سنتان.
ثم بدأت الشائعات تظهر.
واحد يقول
يمكن الطفلة راحت مع عيلة مسافرة.
وواحد يقول
يمكن حصل لها حادث.
وآخر يقول
يمكن حد أخدها.
لكن حمدان رفض يصدق إنها ماتت.
كان دايمًا يقول
لو كانت ماتت، ربنا كان هيوريني علامة. أنا حاسس إنها عايشة.
زوجته كانت أحيانًا تغضب منه
وهنفضل مستنيين لحد إمتى؟
فيقول
لحد ما نلاقيها.
مرت خمس سنوات.
سوسن بقت عندها 13 سنة.
كانت كبرت، لكن جزءًا من ذاكرتها القديمة فضل موجودًا.
كانت فاكرة اسم أبوها.
فاكرة إن عندها أخت.
فاكرة القطار.
وفاكرة المطر اللي كان بينزل على شباك العربية في الليلة اللي اختفت فيها.
لكنها بدأت تنسى تفاصيل صغيرة.
شكل بيتهم.
صوت أمها.
لون الستارة.
حتى ملامح أختها بدأت تبقى مشوشة في دماغها.
وده كان أكتر شيء بيوجعها.
كانت كل ما تحاول تفتكر وش أمها، تلاقي الصورة بتبعد عنها.
في يوم، حصل شيء غريب.
كان فيه تاجر مسافر مر بالقرية.
دخل الدكان الموجود جنب بيت العيلة.
وكان
سوسن شافت صورة صغيرة في الجريدة.
طفلة.
الصورة كانت قديمة جدًا ومطبوعة بشكل مش واضح.
لكن الاسم اللي تحتها كان واضحًا
سوسن حمدان عبيد الطاهر طفلة مفقودة.
وقفت مكانها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
قربت من الجريدة.
قرت الاسم مرة تانية.
سوسن.
حمدان.
نفس الاسم.
نفس الاسم اللي كانت بتسمعه في أحلامها.
مسكت الجريدة بإيد مرتعشة.
وقالت
الاسم ده مين صاحبه؟
التاجر قال
دي بنت ضاعت من قطار من سنين.
سوسن سكتت.
ثم قالت
وأنا اسمي سوسن.
التاجر ضحك معتقدًا إنها بتهزر.
لكنها لم تضحك.
في نفس الليلة، واجهت الست الكبيرة.
رفعت الجريدة قدامها.
أنا مين؟
الست اتوترت.
إيه الكلام ده؟
أنا مين؟!
دخل ابنها.
سوسن بصت له وقالت
إنت عارف.
فضل ساكت.
إنت عارف أنا بنت مين.
بدأت الست تبكي.
وسوسن فهمت.
الحقيقة كانت موجودة في البيت ده من سنين.
لكن محدش كان عنده الشجاعة يقولها.
قال الشاب أخيرًا
أيوه إنتِ البنت اللي ضاعت من القطار.
سوسن رجعت خطوة.
وأهلي؟
ما ردش.
صرخت
أهلي فين؟!
قال
إحنا ما عرفناش نوصل لهم.
كداب!
في البداية كان ممكن نبلغ لكن الوقت عدى.
ليه؟
الست الكبيرة انهارت وقالت
خوفنا يا بنتي.
سوسن كانت بتبص لهم وهي مش قادرة تصدق.
سنين من حياتها اختفت.
مش بسبب حادث.
ولا بسبب الموت.
لكن بسبب خوف ناس قرروا يسكتوا.
في اليوم التالي، خرجت سوسن من البيت لأول
مشيت للمحطة القديمة.
كانت المحطة اتغيرت.
لكن بعض تفاصيلها كانت لسه موجودة.
وقفت في المكان اللي قالت لها الست إنه المكان اللي لقوها