سوسن
فيه.
وفجأة
رجل عجوز كان جالسًا بالقرب من الدكان نظر إليها طويلًا.
ثم قال
إنتِ مين؟
قالت
اسمي سوسن.
رفع رأسه.
سوسن إيه؟
قالت
سوسن حمدان.
الرجل سكت.
ثم قام ببطء.
إنتِ بنت حمدان؟
سوسن بدأت تبكي.
إنت تعرف أبويا؟
قال
أبوك كان بيدور عليكي.
ثم أضاف
لسنين.
الرجل كان من أقدم العاملين في المحطة.
وكان محتفظًا بدفتر قديم.
فتح الدرج وأخرج ورقة صفراء.
كانت صورة من البلاغ القديم.
وعليها وصف سوسن.
ثم قال
أنا فاكر أبوكي. كان بييجي كل ما يعدي قطار هنا.
سوسن سألته
كان بييجي هنا؟
أيوه.
قد إيه؟
كتير.
ثم ابتسم بحزن
كان دايمًا يقول لنا بنتي عايشة.
سوسن انهارت في البكاء.
لأول مرة منذ سنوات، عرفت إن أبوها لم يتخلَّ عنها.
كان يبحث عنها.
الرجل أخرج ورقة أخرى.
أبوك كان سايب عنوان شغله في بورتسودان.
وبعدها بدأت خيوط البحث تتحرك.
استغرق الأمر وقتًا.
عناوين قديمة.
أشخاص تغيرت أماكنهم.
أقارب انتقلوا.
لكن في النهاية
وصلت رسالة إلى حمدان.
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها قلبت حياته.
ظهرت معلومات عن طفلة يُعتقد أنها سوسن حمدان.
حمدان قرأها مرة.
ثم مرة ثانية.
ولم يستطع الكلام.
زوجته سألت
في إيه؟
مد لها الورقة.
ما إن قرأتها
سقطت على الكرسي وهي تبكي.
بنتي عايشة؟
بعد
وصل حمدان.
كان أكبر سنًا.
شعره شاب منه الشيب.
وفي يده صورة قديمة لسوسن وهي طفلة.
كان يمشي وهو لا يعرف ماذا سيقول.
هل هي فعلًا ابنته؟
هل ستعرفه؟
هل ستجري نحوه؟
أم ستخاف منه لأنه أصبح غريبًا عنها؟
عندما وصل
كانت سوسن واقفة أمام البيت.
رآها.
توقف.
هي أيضًا رأته.
لم تعرف وجهه.
لكنه كان يحمل الصورة.
رفعها أمامها.
وقال بصوت مكسور
سوسن؟
الفتاة لم تتحرك.
ثم قالت
بابا؟
حمدان لم يستطع الرد.
فتح ذراعيه.
وسوسن جريت نحوه.
احتضنته بكل قوتها.
وظلت تبكي
إنت اتأخرت ليه؟
وهو يكرر
سامحيني يا بنتي والله ما بطلت أدور عليكي.
قالت
كنت فاكرة إنكم نسيتوني.
فقال
نسيكي؟ أنا كنت مستنيكي كل يوم.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما وصلت أم سوسن.
كانت المرأة قد أصبحت أكبر سنًا.
وفي البداية، سوسن وقفت أمامها دون أن تعرفها.
ثم الأم قالت جملة واحدة
كانت مجرد زخة يا حبيبتي وبعدها بيظهر قوس قزح.
سوسن شهقت.
كانت الجملة الوحيدة التي بقيت في ذاكرتها من طفولتها.
اقتربت منها ببطء.
ثم قالت
ماما؟
الأم انهارت وهي تضمها.
بعد عودتها، لم تكن الحياة سهلة.
سوسن كانت قد عاشت سنوات طويلة وسط عائلة أخرى.
كانت تعرفهم.
وكانوا جزءًا من طفولتها.
وفي الوقت نفسه،
لم يحدث كل شيء في يوم واحد.
احتاجت شهورًا.
ثم سنوات.
لكن حمدان لم يضغط عليها.
كان يقول
إنتِ بنتي سواء افتكرتيني من أول يوم أو بعد سنة.
وأمها كانت تحاول تعوضها عن كل ليلة نامت فيها بعيدًا عنها.
أما أختها
فكانت أكثر شخص حاول التقرب منها.
كانت تقول لها
أنا استنيتك سنين.
وفي البداية كانت سوسن محرجة.
ثم بمرور الوقت
أصبحتا أقرب مما كانتا عليه قبل أن تضيع.
أما العائلة التي احتفظت بسوسن
فلم تنتهِ القصة عند مجرد عودتها.
تم فتح تحقيق في واقعة إخفائها وعدم الإبلاغ عنها.
واعترف الشاب أن خطأه الأول كان عندما أخذ الطفلة من المحطة بدلًا من تسليمها للشرطة.
وقال
كنت فاكر إني بساعدها.
لكن الحقيقة أن الخوف والطمع والسكوت حوّلوا المساعدة إلى سنوات من الفقد.
أما أمه، فاعترفت أنها عرفت منذ البداية أن الطفلة لها أهل يبحثون عنها، لكنها خافت من فقدانها.
وكان الاعتراف الأصعب
بعد أول سنة، بقينا خايفين نبلغ لأننا كنا عارفين إننا غلطنا.
سوسن سمعت الاعتراف.
ولم تصرخ.
لم تنتقم.
فقط قالت
أنتم ما سرقتوش مني يوم أو يومين أنتم سرقتوا طفولتي.
ثم تركتهم.
مرت سنوات أخرى.
تزوجت سوسن.
وكان عندها أطفال.
وفي كل
كانت تتوقف للحظة.
في البداية كان صوت القطار يخوفها.
ثم بمرور الوقت أصبح مجرد ذكرى.
وفي أحد الأيام، أخذت أولادها إلى محطة قديمة.
وقفت أمام القضبان.
كان القطار يمر بعيدًا.
ابنها الصغير سألها
ماما، إنتِ بتحبي القطر؟
ابتسمت.
وقالت
بحبه وبخاف منه شوية.
ضحك الطفل.
ليه؟
نظرت إلى الأفق.
ثم قالت
عشان هو أخدني بعيد عن أهلي زمان لكنه في الآخر كان السبب إنهم يفضلوا يدوروا عليا لحد ما رجعوني.
ثم سكتت لحظة.
وأخرجت من حقيبتها صورة قديمة جدًا.
صورة لطفلة صغيرة.
وقالت
دي أنا.
أولادها تجمعوا حولها.
وفي اللحظة دي، كانت الشمس بدأت تغيب.
نزلت أمطار خفيفة.
وبعد دقائق
ظهر قوس قزح فوق المحطة.
سوسن رفعت عينيها للسماء.
وافتكرت أمها.
وافتكرت نفسها وهي طفلة، واقفة في مكان مظلم لا تعرف أين أهلها.
لكنها لم تعد تلك الطفلة.
لقد عادت إلى بيتها.
وبعد أكثر من عشرين سنة من الفقد
عرفت أخيرًا أن والدها كان على حق.
كانت سوسن عايشة.
وكان هناك دائمًا خيط رفيع بينها وبين أهلها، مهما طال الزمن.
والأهم
أن القطار الذي أخذها منهم في ليلة مظلمة
لم يستطع أن يأخذها منهم إلى الأبد.
لأن الأب الذي رفض يصدق أنها ماتت
ظل يبحث.
والأم التي لم تتوقف عن
ظلت تنتظر.
والطفلة التي ضاعت ذات ليلة
كبرت، وعادت.
وفي النهاية، لم تكن أغرب معجزة في الحكاية أن سوسن عاشت كل تلك السنوات
بل أن عائلتها، رغم كل ما حدث، لم تتوقف يومًا عن البحث عنها.