من فوق كوبري النيل

لمحة نيوز

 

وبسبب سنين فقدانها للبصر، كانت سارة اتعلمت تعتمد على حاجات كتير غير عينيها.

كانت بتعرف اتجاه الصوت.

وتحس بحركة الهوا.

وتفرق بين أصوات الأماكن.

وفي اللحظة دي، بدل ما تقاوم المية بعشوائية، حاولت تركز على اتجاه التيار.

كانت أنفاسها متقطعة، وجسمها مرهق، والمية بتسحبها بعيد.

لكنها فضلت تقاوم.

مرة.

وبعدها مرة تانية.

لحد ما بدأت تحس إن حركة المية بتقل.

وبعد وقت طويل، خبط جسمها في طرف الضفة.

مدت إيدها، مسكت في صخرة قريبة، وبدأت تحاول تسحب نفسها بره المية.

كانت بترتعش.

هدومها مبلولة.

ونَفَسها متقطع.

لكنها كانت حية.

وفي نفس الوقت تقريبًا، كان عم رجب، راجل في أواخر الستينات، قاعد قريب من النيل بيصطاد.

سمع صوت حركة ناحية المية.

بص ناحية الضفة.

وفجأة لمح سيدة مرمية قريب من الحافة.

ساب الصنارة وجري ناحيتها.

— يا مدام! سامعاني؟

سارة ماقدرتش ترد في الأول.

ساعدها تطلع بعيد عن المية، واتصل بالإسعاف والشرطة.

وبعد ما بدأت تستعيد وعيها، قرب منها أحد رجال الشرطة وسألها:

— حصل إيه؟

سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— جوزي.

الشرطي بص لها باستغراب.

قالت بصوت ضعيف:

— أحمد… هو اللي زقني.

في الوقت نفسه، كان أحمد بيحكي نفس الرواية.

قال إنها اتزحلقت.

وإنه حاول يمسكها.

وإن كل اللي حصل مجرد حادث.

لكن المحقق ما اكتفاش بكلامه.

بدأ يدور على أي كاميرات موجودة حوالين المكان.

وبعد وقت، اكتشفوا إن فيه كاميرا مراقبة كانت بتغطي جزء من الممشى القريب من مدخل الكوبري.

طلبوا التسجيل.

وبدأت الصور تظهر قدامهم.

ظهر أحمد وهو ماشي جنب سارة.

وبعدها ابتعد خطوة.

بص حواليه.

وبعدين قرب منها.

وفي اللحظة التالية ظهر وهو بيدفعها بإيديه.

وقف المحقق التسجيل.

وبص لأحمد.

المرة دي ماكانش محتاج يسمع روايته.

الفيديو كان واضح.

سارة ما اتزحلقتش.

وما فقدتش توازنها.

هي اتدفعت.

ومع استمرار التحقيق، بدأت تفاصيل تانية تظهر.

قبل الرحلة بشهور، سارة كانت بدأت تشك في أحمد.

كانت ملاحظة تغير صوته لما يتكلموا عن الفلوس.

وكانت بتحس بتوتره وصمته كل ما يفتحوا موضوع ممتلكاتها.

وفقدانها للبصر خلاها تعتمد على تفاصيل صغيرة جدًا.

كانت تعرف من خطواته إذا كان متوتر.

ومن نبرة صوته إذا كان بيحاول يخبي حاجة.

ومن طريقة كلامه إذا كان بيكدب.

لكنها ماواجهتوش.

بدل كده، بدأت تحمي نفسها بهدوء.

وقبل الحادث بفترة، عملت وصية موثقة أوصت فيها بثلث تركتها لصالح جهة خيرية بتساعد المكفوفين، بحيث يكون أحمد أقل استفادة مما كان متخيل لو حصل لها شيء.

أما باقي التركة، فكان هيخضع للقواعد القانونية الخاصة بالميراث.

لكن أحمد ماكانش يعرف أي حاجة عن الوصية.

وكان فاكر إنه لو قدر يخلي موتها يبان حادث، هيكون له نصيب من ثروتها.

وماكانش يعرف كمان إن القتل العمد لو ثبت عليه، بيمنعه أصلًا من الميراث.

كل الحسابات اللي بناها في دماغه كانت غلط.

وفي النهاية، التسجيل، وشهادة سارة، وتحريات الشرطة، وباقي الأدلة، كشفوا الحقيقة.

الخطة اللي كان فاكر إنها محكمة انهارت في ساعات.

وأحمد، اللي خرج الصبح من البيت وهو فاكر إنه رايح ينهي حياة مراته، رجع يواجه نتيجة جريمته بدل ما يرجع يحسب فلوسها.

أما سارة، فبعد ما خرجت من المستشفى، احتاجت وقت طويل عشان تتعافى من اللي حصل.

لكنها ما رجعتش الست اللي كانت قبل .

بقت أقوى.

وأهدى.

وأكتر ثقة في نفسها.

وكان كل ما حد يسألها إزاي عرفت إن أحمد هو اللي دفعها، كانت تقول:

— أنا فقدت بصري من سنين… بس يمكن ده اللي علمني أركز في حاجات الناس اللي بتشوف بعينيها مش بتاخد بالها منها.

أما أحمد، فكان فاكر في الصبح ده إنه بيودي مراته للمكان اللي هتنتهي فيه حياتها.

لكن اللي ماكانش يعرفه إن سارة كانت هترجع من المية…

وإن الكاميرا اللي ماخدش باله منها هتكون شاهدة عليه…

وإن السر اللي كانت مخبياه عنه من شهور، هيكون واحد من الأسباب اللي هتخلي كل اللي خطط له ينهار.

تم نسخ الرابط