بنت صغيرة اتصلت بالشرطة

لمحة نيوز

تبص ناحية الباب، وبعدها ترجع عينيها للأرض، وكأنها بتحاول تلاقي مخرج من الموقف اللي بقت محاصرة فيه.
أما ليلي، فكانت واقفة جنب أحد الضباط، ماسكة إيده، ومش راضية تبعد عنه. سألها الضابط برفق
حبيبتي، إنتِ خاېفة من إيه بالظبط؟.
ردّت وهي بتبص ناحية أمها
أنا خاېفة ماما تزعل مني عشان كلمتكم. بس أنا عايزة بابا يرجع.
الضابط حسّ بوخزة في قلبه. الطفلة ما كانتش فاهمة معنى اختفاء والدها، ولا كانت مستوعبة إن اللي بتطلبه ممكن يكون مستحيلًا. كل اللي كانت عايزاه إنها تلاقي الشخص اللي كان بيحضنها كل يوم قبل النوم، واللي اختفى فجأة من غير ما يقول لها حتى إنه مسافر.
في الوقت نفسه، بدأ فريق التحقيق يفحص الجزء المختلف من الأرضية. أحد الضباط أشار إلى الألواح الخشبية وقال
الألواح دي شكلها أحدث من بقية الأرض. واضح إنها اتركبت قريب جدًا.
ردّ عليه زميله
وكمان المسامير مختلفة. لازم نعرف إيه اللي موجود تحتها.
الأم انتفضت من مكانها وقالت بعصبية
إنتوا لسه مصرّين على الكلام ده؟! أنا قلت لكم إن جوزي مسافر، ومش من حقكم تقلبوا بيتي بالشكل ده!.
طلب منها الضابط أن تهدأ، وأوضح لها أن الإجراءات هتتم وفق التصريح القانوني اللازم، خصوصًا بعد ظهور معلومات تتعارض مع كلامها. لكنها ما كانتش قادرة تخفي ارتباكها.
وفي اللحظة دي، بدأت ليلي تتكلم من جديد
بابا كان بيحب يقعد هنا.
أشارت إلى الكنبة القريبة من الأرضية
كان بيقعد يحكي لي حكايات قبل ما أنام، وكان دايمًا يقول لي إنه مهما حصل، مش هيسيبني لوحدي.
ثم سكتت قليلًا، وأضافت
عشان كده أنا عارفة إنه ما سافرش من غير ما يقولي.
الضابط انحنى لمستواها وسألها
إنتِ فاكرة آخر مرة شفتي فيها بابا كانت إمتى؟.
فكرت ليلي شوية، وبعدها قالت
من كام يوم. كان فيه صوت عالي في البيت، وماما وبابا كانوا بيتكلموا بصوت مرتفع. أنا كنت في أوضتي، وماما قالت لي أفضّل مكاني.
تبادل الضباط النظرات، وسألها
وبعدين حصل إيه؟.
هزّت البنت كتفيها بحيرة
مش فاكرة كل حاجة. أنا سمعت صوت حاجة وقعت، وبعدها ماما قالت لي أنام. ولما صحيت الصبح، بابا ما كانش موجود.
الضابط ما ضغطش عليها بأسئلة أكتر، خصوصًا إنها كانت صغيرة وخاېفة، لكنه دوّن كلامها وطلب وجود شخص مناسب يفضل معاها بعيدًا عن مكان الفحص.
بعد الحصول على الإذن اللازم، بدأ فريق التحقيق في إزالة الألواح الخشبية بحذر. في البداية، ظهر تحتها بعض التراب وبقايا مواد البناء. قال أحد الضباط
واضح إن فيه شغل اتعمل هنا مؤخرًا.
واصلوا إزالة الطبقات واحدة تلو الأخرى، وكلما تقدموا في الفحص، ظهرت آثار تؤكد إن المكان اتفتح واتردم من جديد.
وبعد وقت قصير، بدأت رائحة غريبة تنتشر في الصالة. توقف أحد الضباط عن الحركة، وبص لزميله بجدية وقال
استنى لحظة، فيه حاجة هنا.
انحنى بحذر، وأبعد بعض قطع الخرسانة الصغيرة، فلاحظ طرف غلاف بلاستيكي أسود سميك تحت طبقة من التراب. سكت الجميع. حتى الأم، اللي كانت من شوية بتعترض بصوت مرتفع، ما بقتش قادرة تنطق.
بدأ الضباط يزيلون المواد المحيطة بالمكان بحرص شديد، لحد ما اتضح إن فيه شيئًا مخفيًا تحت الأرضية. وبعد دقائق بدت طويلة على الجميع، انكشف المشهد اللي غيّر مسار القضية بالكامل؛ كان هناك جسد رجل بالغ مدفون تحت أرضية الصالة.
ساد الصمت للحظات، ثم بدأ الضباط يتعاملون مع المكان باعتباره مسرح محتملة، وأبعدوا ليلي فورًا عن الصالة حتى لا ترى أي تفاصيل صاډمة. لكن الطفلة كانت تبكي وتسأل
فين بابا؟ إنتوا لقيتوه؟ هو هيطلع دلوقتي؟.
لم يستطع أحد أن يخبرها بالحقيقة في تلك اللحظة.
أما
أمها، فبمجرد ما أدركت إن السر اللي حاولت تخفيه قد انكشف، اندفعت ناحية الباب محاولة الهرب. لكن أحد الضباط اعترض طريقها وأوقفها. صړخت وهي بتحاول الإفلات
سيبوني! إنتوا مش فاهمين حاجة!.
لكن محاولتها لم تنجح، وتم التحفظ عليها وبدأت التحقيقات الرسمية، بينما تولى فريق متخصص فحص الموقع وجمع الأدلة اللازمة.
وبعد إجراء الفحوصات الجنائية، تأكدت هوية الرجل؛ كان والد ليلي. الرجل اللي قالت زوجته إنه سافر إلى مدينة أخرى من أجل العمل، بينما كانت ابنته الصغيرة تصرّ على أنه لم يغادر المنزل أصلًا.
في غرفة التحقيق، جلست الزوجة أمام المحقق، وبدت عليها علامات الإنهاك والارتباك. في البداية، تمسكت بروايتها الأولى، وقالت إن زوجها سافر، وإنها لا تعرف كيف وصل جسده إلى المكان الذي عثروا عليه فيه. لكن الأدلة والأسئلة المتتالية بدأت تضيق الخناق حولها.
سألها المحقق
لو جوزك مسافر فعلًا، ليه محدش شافه من خمسة أيام؟ وليه ما راحش شغله؟ وليه الأرضية اتغيرت قبل اختفائه مباشرة؟.
لم ترد.
كرر السؤال، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حزمًا
إيه اللي حصل بينك وبينه في الليلة اللي اختفى فيها؟.
خفضت رأسها، وظلت صامتة فترة طويلة، ثم بدأت تتكلم بصوت خاڤت معترفة بأن علاقتها بزوجها كانت تمر بأزمة كبيرة منذ فترة، وأن الخلافات بينهما زادت بسبب ديون مالية كانت تخفيها عنه. كانت قد اقترضت مبالغ من جهات مختلفة، ولم تخبره بحقيقة حجم الديون أو بالمشكلات اللي بدأت تحاصرها. وعندما اكتشف الأمر، نشب بينهما شجار عڼيف، ولم يكن الخلاف متعلقًا بالمال وحده، بل بمستقبل ابنتها أيضًا.
فقد أخبرها الزوج أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار بهذه الطريقة، وأنه يفكر في الانفصال عنها، وأنه يريد اصطحاب ليلي معه حتى يضمن لها حياة أكثر استقرارًا. كانت تلك الكلمات بالنسبة إليها صدمة كبيرة؛ لم تكن مستعدة لفكرة أن تفقد زوجها، ولا أن تبتعد عنها ابنتها، ولا أن تواجه عواقب الديون التي أخفتها طويلًا.
وفي ليلة اختفائه، احتدم الشجار بينهما داخل المنزل، وارتفعت الأصوات وتبادلا الاټهامات، ثم فقدت الزوجة أعصابها وخلال المواجهة ضړبت زوجها بجسم ثقيل. سقط الرجل على الأرض، ولم ينهض بعدها. بحسب اعترافها، أصابها الذعر عندما أدركت ما حدث، ولم تعرف كيف تتصرف أو تفكر في طلب المساعدة، بل استسلمت لخۏفها من العقاپ ومن انكشاف أسرارها المالية.
كان المنزل يشهد أعمال تجديد في ذلك الوقت، وكانت بعض أجزاء أرضية الصالة قد أُزيلت بالفعل، فرأت في ذلك فرصة لإخفاء ما حدث. خلال الليل، حفرت أسفل الجزء المفتوح من الأرضية، وأخفت جسد زوجها في المكان، ثم غطته بالتراب وبقايا مواد البناء، وفي الصباح أعادت تركيب الألواح الخشبية وحاولت أن تجعل الصالة تبدو وكأن أعمال التجديد انتهت بصورة طبيعية، معتقدة أن أحدًا لن يكتشف ما فعلته.
بعد انتهاء الجزء الأول من التحقيق، حاول المحققون فهم كيف عرفت ليلي أن والدها موجود تحت الأرضية. في البداية، كانت الطفلة تكرر أنها رأته في المنام، وأنه أخبرها بأنه يشعر بالبرد وطلب منها أن تبحث عنه. لكن مع مرور الوقت، بدأت تذكر تفاصيل أخرى من الليلة التي اختفى فيها. استدعاها أحد المختصين للتحدث معها في مكان هادئ، بعيدًا عن أجواء التحقيق، وبدأ يسألها أسئلة بسيطة تناسب عمرها
يا ليلي، فاكرة اللي حصل في البيت قبل ما بابا يختفي؟.
جلست الطفلة تفكر وهي تعبث بأصابعها، ثم قالت
أنا كنت في أوضتي، وسمعت ماما وبابا بيتخانقوا.
سألها
فاكرة سمعتي إيه؟.
ردت
مش فاكرة الكلام كله، بس بابا كان صوته عالي، وماما كانت بټعيط وتزعق.
ثم توقفت لحظة، وكأنها
تحاول استعادة صورة بعيدة،
تم نسخ الرابط