بنت الدليفري
بنت الدليفري اللي خلت الملياردير يندم على غروره!
الفصل الأول اللحظة اللي قلبت المكتب رأسًا على عقب
الملياردير كان لسه بيضحك بسخرية، ومستني البنت تلم حاجتها وتمشي وهي مكسوفة من نفسها، زي ما كان متوقع من أي حد بيشتغل عنده أو بيقدم له خدمة.
لكن البنت ما اتحركتش من مكانها.
بالعكس، فتحت الشنطة الصغيرة اللي كانت معلّقاها على كتفها، وطلعت منها ملف أسود رفيع، وحطته على المكتب قدامه.
بص للملف باستغراب، وبعدين رفع عينيه ليها وقال باستهزاء
إيه ده بقى؟ شهادة محو أمية؟ ولا جاية تطلبي مني بقشيش زيادة؟
ما ردتش على سخريته.
فتحت الملف، وطلعت منه ورقة مطبوعة بعناية، ودفعتها ناحيته.
ممكن حضرتك تقرأ السطر اللي تحت خالص في الورقة دي؟
الملياردير بص لها وكأنه مش مصدق إنها بتتكلم معاه بالطريقة دي.
إنتِ بتأمريني أنا؟!
ردت بهدوء
لأ يا فندم، أنا بطلب منك تقرأ ورقة موجودة قدامك. ولا حتى دي صعبة؟
اتغيرت ملامحه.
ماكانش متعود إن حد يرد عليه، خصوصًا حد شايفه أقل منه اجتماعيًا وماديًا.
مد إيده وخطڤ الورقة، وبدأ يقراها بسرعة. في البداية كان وشه عادي، لكن بعد ثواني، حاجبه اتعقد، وابتسامته اختفت تدريجيًا.
قرب الورقة من عينيه، ورجع قرأ السطر مرة تانية.
وبعدين بص للبنت، ثم رجع بص للورقة، وكأنه بيحاول يتأكد إن اللي قدامه مش مجرد خدعة.
همس بصوت منخفض
إيه الكلام ده؟!
البنت شبكت إيديها قدامها وقالت
الكلام واضح يا فندم. بس لو تحب، أقدر أشرحه لحضرتك بالتفصيل.
قام من كرسيه فجأة.
إنتِ جبتي الورقة دي منين؟!
من نفس المكان اللي حضرتك بتشتغل فيه كل يوم تقريبًا.
إنتِ عارفة إنتِ بتتكلمي مع مين؟!
أيوه، عارفة. أنا بتكلم مع الأستاذ فؤاد المنشاوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المنشاوي للاستثمارات.
اټصدم أكتر لما سمع اسمه كامل على لسانها.
طب إنتِ مين؟! وإيه علاقتك بالورقة دي؟!
البنت بصت له بثبات وقالت
اسمي مريم. وبشتغل في توصيل الطلبات عشان أقدر أصرف على نفسي وعلى أمي. لكن قبل ما أشتغل في الدليفري، كنت بشتغل محللة مالية في شركة استشارات، وكنت براجع حسابات شركات أكبر من شركات حضرتك.
سكتت لحظة، ثم أضافت
وكنت كمان من الناس اللي ساهموا في اكتشاف واحدة من أكبر عمليات التلاعب المالي اللي حصلت في شركة حضرتك من سنتين.
الكلام نزل عليه زي الصاعقة.
فؤاد المنشاوي كان رجل أعمال في أواخر الخمسينات، بنى إمبراطورية مالية ضخمة، وكان اسمه معروف في عالم الاستثمار والعقارات. الناس پتخاف من غضبه، والموظفين بيتجنبوا الاحتكاك بيه، لأنه كان مقتنع إن الفلوس بتديله الحق إنه يتعامل مع أي حد بالطريقة اللي تعجبه.
لكن اسم مريم ماكانش غريب عليه تمامًا.
من سنتين، حصلت أزمة مالية كبيرة في إحدى شركاته التابعة. تقارير داخلية كشفت عن تحويلات مشپوهة بمبالغ ضخمة، وكانت في موظفة شابة ضمن فريق المراجعة لفتت الانتباه لتفاصيل محدش غيرها لاحظها.
بعدها بفترة قصيرة، الموظفة اختفت من الشركة، واتقال إنها سابت الشغل من غير أسباب واضحة.
فؤاد ماكانش مهتم وقتها بتفاصيل مين اكتشف المشكلة. كل اللي كان يهمه إن الأزمة ماتأثرش على اسمه وأسهمه.
لكنه دلوقتي كان واقف قدام البنت نفسها.
مريم... إنتِ مريم اللي كانت شغالة في شركة الأفق للاستشارات؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، من غير أي شماتة.
أهو حضرتك عرفت تقرا اسمي وتفتكره. يبقى إحنا قربنا نوصل لحل المشكلة.
فؤاد اتعصب.
أنا مش فاهم إنتِ عايزة إيه بالظبط! جاية هنا عشان ټنتقمي مني؟ عشان أهنتك؟!
مريم هزت راسها.
أنا ماكنتش أعرف إن حضرتك هو اللي هيستلم الطلب. ولو كنت أعرف، كنت هاجي برضه، لأن الشغل شغل، واللي عندي أهم من أي خلاف قديم.
طب إيه الورقة دي؟!
أشارت إلى المستند الموجود في إيده.
دي نسخة من تقرير مراجعة مالي اتكتب من سنتين، وفيه تفاصيل عن تحويلات مالية اتعملت من خلال شركة وسيطة، ومرتبطة بأحد المديرين التنفيذيين عند حضرتك. وفي آخر التقرير، فيه ملاحظة بخط إيدي عن معاملة مالية ماكانش حد قادر يفسرها وقتها.
قرب فؤاد الورقة من وشه.
إنتِ بتقولي إنك لسه محتفظة بالتقرير ده؟!
أنا محتفظة بنسخة من ملاحظاتي المهنية، لكن المستندات الرسمية الأصلية موجودة في سجلات الشركة، مش معايا.
وإنتِ جاية تفتحي الموضوع ده دلوقتي ليه؟
هنا، اختفت الابتسامة من على وش مريم.
لأن نفس الشركة الوسيطة ظهرت تاني في ملف مالي جديد وصلني من أسبوع، وأنا اكتشفت إن فيه معاملات بنفس النمط القديم. واسم الشركة اللي بتتعامل معاها موجود في قائمة الموردين المعتمدين عند حضرتك.
فؤاد رجع ببطء لكرسيه.
المرة دي ماكانش فيه ضحك، ولا سخرية، ولا نظرة استعلاء.
كان فيه خوف حقيقي من احتمال إن مشكلة قديمة رجعت تطارد إمبراطوريته من جديد.
لكن مريم ماكانتش خلصت كلامها.
وعلى فكرة يا فندم، أنا ماجيتش هنا عشان أتكلم في الموضوع ده. أنا كنت جاية أوصل الغدا وأمشي. لكن حضرتك أصريت تحكم عليّ من هدومي وشغلي، وقررت إن اللي بيوصل الأكل لازم يكون جاهل ومش فاهم حاجة.
بصت للورقة اللي قدامه، ثم كملت
عشان كده حبيت أفكّر حضرتك إن الإنسان مش بيتقاس بسعر الجزمة اللي لابسها، ولا بحجم الفلوس اللي في حسابه.
فؤاد ما ردش.
ولأول مرة من سنين طويلة، حس إن حد واقف قدامه مش خاېف من منصبه، ولا من فلوسه، ولا من الټهديد اللي ممكن يطلع منه.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما حصلتش.
لأن في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح فجأة، ودخل رجل أنيق في أواخر الأربعينات، شايل لابتوب وملف أزرق.
كان اسمه شريف، المدير المالي للمجموعة، وأحد أقرب الأشخاص لفؤاد.
أول ما شاف مريم، وشه اتغير.
الملف اللي في إيده كاد يقع على الأرض.
بص لها پصدمة واضحة، ثم بص لفؤاد، اللي كان لسه ماسك التقرير.
وقال بصوت مرتبك
إنتِ... إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
مريم التفتت ناحيته ببطء.
وبصت له في عينيه.
صباح الخير يا أستاذ شريف. واضح إنك لسه فاكرني.
شريف بلع ريقه، وحاول يتماسك.
أنا مش فاهم... إنتِ إزاي ډخلتي هنا؟
فؤاد رفع راسه بسرعة.
إنت تعرفها؟
شريف اتردد للحظة، ثم قال
دي موظفة قديمة كانت شغالة في شركة الاستشارات اللي راجعت حساباتنا من سنتين. حصلت مشاكل في شغلها، وبعدها مشيت.
مريم ضحكت ضحكة قصيرة، خالية تمامًا من الفرح.
مشيت؟! دي طريقة لطيفة جدًا لوصف اللي حصل.
شريف بص لها بنظرة تحذير.
أظن إن مش من المناسب إننا نفتح مواضيع قديمة دلوقتي.
لكن فؤاد ضړب بإيده على المكتب.
أنا اللي أحدد المناسب هنا! إنت تعرفها منين بالظبط؟ وإيه المشاكل اللي حصلت؟!
شريف بدأ يتصبب عرقًا.
ومريم، اللي كانت واقفة بهدوء من أول ما دخلت، قالت جملة واحدة غيّرت اتجاه الحديث كله
اسأله يا فندم عن التقرير اللي اختفى من الأرشيف المالي بعد ما أنا قدمته بأسبوع.
ساد الصمت.
شريف اتجمد مكانه.
وفؤاد بص له ببطء، وكأن الصورة بدأت تتجمع قدامه.
تقرير إيه اللي اختفى؟
مريم ردت قبل ما شريف يقدر يتكلم
التقرير اللي كان فيه تفاصيل تحويلات مالية مشپوهة، واترفضت ملاحظاتي بسببه. وبعدها اتقال إني ارتكبت خطأ مهني، واتوقف التعامل معايا، رغم إن المراجعة اللي عملتها أثبتت إن الأرقام صحيحة.
شريف حاول يضحك، لكن ضحكته خرجت متقطعة.
الكلام ده غير دقيق. البنت دي كانت عندها مشاكل في الشغل، وده موضوع اتقفل من زمان.
مريم بصت له بثبات.
لو اتقفل فعلًا، إنت خاېف ليه؟
فؤاد قام من مكانه، ولف حوالين المكتب لحد ما وقف قدام شريف مباشرة.
أنا عايز إجابة
واضحة. إيه حكاية التقرير ده؟
شريف حاول يغيّر الموضوع.
يا فندم، إحنا عندنا اجتماع مهم بعد نص ساعة، وفيه مستثمرين مستنيين...
مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم!
صوت فؤاد دوّى في المكتب.
ومريم رجعت خطوة لورا، لأنها كانت عارفة إن اللي بيحصل أكبر من مجرد إهانة اتعرضت لها.
هي ماكانتش جاية ټنتقم، لكنها كانت شايفة فرصة لإظهار الحقيقة اللي فضلت مدفونة سنتين.
ومع ذلك، ماكانتش مستعدة تسيب شريف يحمّلها مسؤولية أي حاجة جديدة.
طلعت من شنطتها ورقة تانية، وحطتها على المكتب.
دي قائمة بأرقام المعاملات اللي راجعتها الأسبوع اللي فات. مش هقدر أقول لحضرتك مين المسؤول عنها من غير تحقيق رسمي، لكن أقدر أقول إن فيه تطابق واضح بين طريقة تنفيذها وبين المعاملات القديمة.
فؤاد بص للأرقام.
وبعدين رفع عينيه لشريف.
إنت هتفضل هنا. ومريم...
سكت للحظة، وكأنه لأول مرة مش عارف يخاطبها بإيه.
آنسة مريم، ممكن تستني شوية؟
مريم بصت لساعتها.
أنا عندي طلبات تانية لازم أوصلها يا فندم.
فؤاد اتفاجئ.
إنتِ لسه هتكملي شغل الدليفري؟!
ردت ببساطة
طبعًا. أنا استلمت طلبات، وفي ناس مستنياني. مش هسيبهم يتأخروا عشان حضرتك اكتشفت فجأة إن عندك مشكلة في الشركة.
ولأول مرة، فؤاد ما لاقاش رد مناسب.
مريم لمّت أوراقها، وسابت نسخة التقرير على المكتب، ثم شالت شنطتها.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وبصت له.
على فكرة يا فندم، أنا فعلًا ماعنديش فلوس كتير. لكن ده مش معناه إني أقل من حضرتك. والفرق بيني وبينك مش إن حضرتك غني وأنا فقيرة. الفرق إن حضرتك قدرت تشتري حاجات كتير بفلوسك، لكن لسه محتاج تتعلم إزاي تحترم الناس.
وبعدها خرجت.
سابته واقف في نص مكتبه، قدامه تقرير مالي ممكن يقلب شركته كلها، ومدير مالي مش قادر يرفع عينيه من الأرض.
لكن إيه اللي حصل لمريم قبل ما تشتغل في الدليفري أصلًا؟
وليه واحدة عندها خبرة في التحليل المالي اضطرت تسيب مجالها وتشتغل في توصيل الطلبات؟
الإجابة كانت وراها حكاية محدش في المكتب يعرفها.
الفصل التاني الحكاية اللي محدش كان يعرفها عن مريم
خرجت مريم من ناطحة السحاب، وركبت الموتوسيكل الكهربائي الصغير اللي كانت بتستخدمه في توصيل الطلبات.
كان الجو حر، والشوارع زحمة، وموبايلها بيهتز كل شوية بإشعارات الطلبات الجديدة.
بصت على الشاشة، ولقت رسالة من المشرف بتاعها
مريم، إنتِ اتأخرتي في الطلب اللي فات. العميل اشتكى، وعايز أعرف سبب التأخير.
تنهدت، وكتبت له إنها وصلت في معادها، لكن الأمن عطّلها في المبنى.
وبعدها حطت الموبايل في مكانه، وبدأت تتحرك.
بالنسبة لأي حد شافها خارجة من مكتب الملياردير، كان ممكن يتخيل إنها رايحة تبدأ حياة جديدة في شركة كبيرة، أو إنها هتستغل الفرصة عشان تحصل على وظيفة أحسن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من سنتين، كانت مريم واحدة من أنجح الموظفات في شركة استشارات مالية معروفة. كانت عندها قدرة غريبة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة اللي غيرها بيعديها من غير ما يركز.
كانت تقدر تبص على عشرات الصفحات من الأرقام، وتكتشف إن فيه معاملة واحدة مش ماشية مع الباقي.
مديرها القديم كان بيقول لها دايمًا
إنتِ عندك عين محاسب شاطر، وعقل محقق جنائي! لو فضلتي بنفس المستوى ده، هتبقي من أهم الناس في المجال.
وكانت مريم بتحلم تكمل دراستها، وتحصل على شهادات مهنية أعلى، وتفتح مكتب استشارات خاص بيها في يوم من الأيام.
لكن الحياة أحيانًا بتاخد مننا حاجات من غير ما تستأذن.
والدها توفى فجأة بعد أزمة صحية، وساب وراه ديون متراكمة نتيجة مشروع صغير فشل فيه.
وفي نفس الفترة، اكتشفت مريم إن والدتها محتاجة علاج مستمر ومتابعة طبية، وإن مصاريف البيت أكبر بكتير من مرتبها.
حاولت توازن بين شغلها ومسؤولياتها، لكنها بدأت تتعرض لضغط شديد.
وبعدها حصلت المشكلة اللي غيّرت حياتها.
كانت مريم ضمن فريق مراجعة حسابات شركة تابعة لمجموعة المنشاوي. خلال شغلها، لاحظت إن فيه مبالغ بتخرج من الشركة تحت بند خدمات استشارية، وبتروح لشركة وسيطة اسمها الرواد للخدمات التجارية.
في البداية، افتكرت إن الموضوع مجرد خطأ إداري.
لكن لما راجعت الفواتير، اكتشفت إن بعض الخدمات المكتوبة فيها مالهاش أي مستندات تثبت إنها اتنفذت فعلًا.
والأغرب إن التحويلات كانت بتتكرر بمبالغ قريبة من بعضها، وكل مرة كانت بتتسجل بطريقة مختلفة عشان يصعب تتبعها.
مريم جمعت ملاحظاتها، وكتبت تقريرًا مفصلًا، وقدّمته لمدير فريق المراجعة.
بعدها بأيام، اتطلب منها اجتماع مع شريف، المدير المالي لمجموعة المنشاوي.
كان الاجتماع غريبًا