بنت الدليفري

لمحة نيوز

من البداية.
شريف ما سألهاش عن تفاصيل الأرقام، ولا طلب منها تشرح طريقة المراجعة.
كل اللي قاله كان
إنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي في الموضوع ده؟
ردت مريم بثقة
طبعًا. دي وظيفتي، ولازم أوصل للحقيقة.
ابتسم شريف ابتسامة باردة.
الحقيقة مش دايمًا بتكون بالشكل اللي إنتِ متخيلاه. ساعات فيه اتفاقات إدارية مش كل الموظفين بيكونوا على علم بيها.
مريم ردت
لو فيه اتفاق رسمي، ممكن أشوف مستنداته وأراجعها. لكن الأرقام دي مش متوافقة مع الفواتير.
ساعتها، اتغيرت ملامحه.
وقال لها بوضوح
أنا بنصحك تنسي الموضوع ده.
لكنها رفضت.
وبعدها بأسبوع، اتفاجئت باستدعائها لاجتماع داخلي، واتقال لها إن فيه أخطاء في مراجعتها، وإنها خالفت إجراءات العمل.
طلبت تشوف الأدلة، لكن كل مرة كانت بتطلب فيها مستندات، كانت تلاقي ردودًا متناقضة.
وفي النهاية، اتوقف التعامل مع شركتها في الملف، واتشالت من الفريق.
ما اكتفوش بكده.
بعد فترة، انتشرت ملاحظات سلبية عن أدائها المهني بين بعض الشركات اللي كانت بتتقدم لها. ماكانش عندها دليل يثبت مين اللي نشرها، لكنها بدأت تلاحظ إن مقابلات العمل بتخلص فجأة بعد ما أصحاب الشركات يتواصلوا مع جهات عملها السابقة.
حاولت تقاوم.
قدمت في شركات تانية، واشتغلت لفترة قصيرة بعقود مؤقتة، لكن الفرص كانت بتقل.
وفي نفس الوقت، كانت والدتها محتاجة مصاريف العلاج، والإيجار متراكم، والديون اللي سابها والدها ما اختفتش.
لما صاحبتها نصحتها تشتغل في توصيل الطلبات مؤقتًا، مريم ما رفضتش.
قالت لنفسها إن أي شغل شريف أفضل من إنها تمد إيدها لحد.
وهكذا، بدأت تلف الشوارع كل يوم، وتوصل الأكل للناس، وتستحمل نظرات البعض وتعليقاتهم.
كانت بتشوف ناس بتعاملها باحترام، وناس بتكلمها كأنها مش إنسانة.
لكنها ما كانتش بترد.
لأنها كانت بتفتكر نصيحة والدها
يا بنتي، قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، لكن في الحاجة اللي مستعد يعملها لما محدش بيبص له.
والنهارده، وهي بتفتكر الكلام ده، مريم ما كانتش تعرف إن اللقاء اللي حصل بينها وبين فؤاد المنشاوي هيكون بداية تغيير كبير في حياتها.
في نفس الوقت، داخل المكتب، كان فؤاد قاعد قدام شريف.
التقرير مفتوح بينهم، وعلى شاشة الكمبيوتر ظهرت بعض التحويلات اللي مريم أشارت إليها.
فؤاد كان بيقلب الصفحات بسرعة، وكل ما يقرأ سطرًا، ملامحه كانت بتزداد صرامة.
إنت قلت لي وقتها إن المشكلة مجرد أخطاء محاسبية بسيطة.
شريف حاول يحافظ على هدوئه.
وده اللي كان واضح من المعلومات المتاحة وقتها يا فندم.
طب ليه التقرير مش موجود في الأرشيف؟
ممكن يكون اتنقل مع ملفات تانية.
ومين اللي نقله؟
شريف سكت.
فؤاد رفع عينيه.
أنا بسألك!
مش فاكر بالتحديد.
فؤاد قفل الملف پعنف.
إنت مش فاكر تقرير مالي مهم اختفى من أرشيف شركتي، ومش فاكر مين كان مسؤول عنه، ومش فاكر ليه موظفة اتشالت من الملف بعد ما قدمت ملاحظات؟!
شريف بدأ يفقد تماسكه.
يا فندم، إحنا لازم نكون منطقيين. البنت دي ممكن تكون بتحاول ټنتقم بسبب اللي حصل لها زمان.
فؤاد رد بسرعة
ممكن. وعشان كده مش هاعتمد

على كلامها لوحده. لكن برضه مش هاعتمد على كلامك لوحده.
ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي.
عايز رئيس المراجعة الداخلية في مكتبي حالًا. وعايز كل سجلات التحويلات المتعلقة بشركة الرواد خلال آخر خمس سنين.
شريف اتوتر.
خمس سنين؟! ده هيحتاج وقت طويل.
فؤاد بص له نظرة حادة.
يبقى ابدأوا من دلوقتي.
وبعدها أضاف
ولحد ما المراجعة تخلص، مش عايز أي حد يغيّر أو ينقل أي مستند متعلق بالموضوع ده.
شريف هز راسه، لكنه كان بيفكر في حاجة تانية تمامًا.
كان لازم يتصرف بسرعة.
لأنه ماكانش خاېف من التقرير القديم بس، لكنه كان خاېف من حاجة أخطر بكتير التحويلات الجديدة اللي مريم اكتشفتها.
ولو التحقيق وصل للأسماء الموجودة في المستندات، مش هيكون فيه حد قادر يحميه.
الفصل التالت محاولة إسكات الحقيقة
في اليوم التالي، مريم كانت بتستعد تخرج لشغلها، لما موبايلها رن برقم غير مسجل.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت رجل بيتكلم بنبرة رسمية.
أستاذة مريم؟ أنا بتصل بحضرتك من مكتب الأستاذ فؤاد المنشاوي. هو عايز يقابلك النهارده بخصوص الموضوع اللي اتكلمتوا فيه امبارح.
مريم سكتت لحظة.
أنا قلت كل اللي عندي.
هو محتاج يسألك عن بعض التفاصيل المتعلقة بالتقرير القديم، وممكن تكون فيه فرصة لتوضيح بعض الأمور اللي حصلت في الماضي.
مريم بصت لوالدتها، اللي كانت قاعدة في الصالة بتراجع مواعيد أدويتها.
وبعدين ردت
أنا موافقة أقابله، لكن عايزة أوضح حاجة من البداية. أنا مش راجعة أشتغل عند حد لمجرد إنهم افتكروا فجأة إن عندي خبرة. ولو فيه تحقيق، لازم يكون رسمي وواضح.
الرجل رد
هننقل كلام حضرتك للأستاذ فؤاد.
بعد ما قفلت، والدتها سألتها
مين يا مريم؟
ناس من الشركة اللي كنت بشتغل على حساباتها زمان.
والدتها بصت لها بقلق.
هو الموضوع القديم رجع تاني؟
مريم حاولت تطمنها.
لسه ما نعرفش يا ماما. بس المرة دي، مش هسمح لحد يلبسني غلطة ماعملتهاش.
والدتها مسكت إيدها.
أنا مش خاېفة عليكي من الفقر يا بنتي. أنا خاېفة إن الناس تتعب قلبك لحد ما تنسي إنتِ مين.
مريم ابتسمت رغم القلق.
اطمني. أنا لسه فاكرة.
لكن في اللحظة دي، ماكانتش تعرف إن فيه حد بالفعل بدأ يحاول يضغط عليها.
بعد أقل من ساعة، وصلتها رسالة من رقم مجهول
خليكي في شغلك أحسن لك. اللي فات انتهى، ومش من مصلحتك تفتحيه تاني.
مريم قرأت الرسالة مرتين.
وبدل ما تمسحها، احتفظت بيها.
وبعدها بعتت صورة منها لصاحبتها القديمة ندى، اللي كانت شغالة في مجال المحاسبة ولسه على تواصل معاها.
كتبت لها
فاكرة لما قلتلك إن فيه حاجة غلط في الملف القديم؟ الموضوع رجع تاني، وفيه حد بيحاول يخوفني.
ندى ردت بسرعة
ما تروحيش أي مقابلة لوحدك من غير ما تحتفظي بكل المراسلات. وأي مستندات عندك، ما تسلميهاش لحد من غير إثبات رسمي.
مريم وافقتها، وقررت إنها هتتعامل مع الموضوع بعقل، مش بانفعال.
في اليوم نفسه، راحت إلى مقر مجموعة المنشاوي، لكن المرة دي دخلت من البوابة الرئيسية بصفتها ضيفة مسجلة، مش مندوبة توصيل.
كانت لابسة بدلة بسيطة أنيقة، وحاملة ملفها.
ولما دخلت مكتب فؤاد، لقت ثلاثة أشخاص قاعدين معاه رئيس المراجعة الداخلية، المستشار القانوني للشركة، وشخص من إدارة الموارد البشرية.
فؤاد قام من مكانه.
أهلًا يا أستاذة مريم. اتفضلي.
المرة دي، ما قالش يا بنت الدليفري، ولا بص على هدومها.
أشار للكرسي، واستناها تقعد قبل ما يبدأ الكلام.
أنا عايز أعتذر عن الطريقة اللي اتعاملت بيها معاكي امبارح.
مريم بصت له بهدوء.
أنا بقدّر الاعتذار يا فندم، لكن اللي حصل مش مجرد سوء تفاهم. حضرتك حكمت عليّ من شغلي وهدومي، وقلت كلام مهين من غير ما تعرفني.
فؤاد هز راسه.
عندك حق. ومش هحاول أبرر اللي قلته.
وبعدين كمل
لكن أنا محتاج مساعدتك في فهم التقرير القديم. مش بطلب منك تتهمي حد، ولا أطلب منك تصدقي كلامي. أنا عايز نعرف الحقيقة من المستندات.
مريم فتحت ملفها.
موافقه. بس عندي شروط.
المستشار القانوني رفع عينيه باهتمام، بينما فؤاد قال
اتفضلي.
أولًا، أي مستندات هراجعها تكون من خلال إجراءات رسمية، وكل نسخة أطلع عليها يكون معروف مصدرها. ثانيًا، محدش يتواصل معايا بخصوص القضية خارج القنوات الرسمية. ثالثًا، مش عايزة اسمي يتستخدم في أي بيان أو كلام إعلامي قبل ما التحقيق يخلص.
رئيس المراجعة الداخلية ابتسم باحترام.
دي طلبات منطقية.
فؤاد وافق من غير تردد.
اتفقنا.
ثم سألها
إنتِ عندك نسخة من التقرير الأصلي؟
عندي ملاحظات كتبتها وقت المراجعة، ونسخة من الجزء اللي كان مسموح لي أحتفظ بيه ضمن أوراق عملي. لكن ماعنديش مستندات داخلية مسروقة، ولا دخلت على أي نظام بعد ما سبت الشركة.
المستشار القانوني دوّن كلامها.
مهم جدًا إننا نثبت مصدر كل مستند.
مريم أخرجت دفترًا قديمًا، وقدمت بعض الصفحات اللي فيها ملاحظاتها المكتوبة بخط إيدها، مع تواريخ المراجعة وأرقام المعاملات.
رئيس المراجعة بدأ يقارنها بالسجلات المتاحة.
بعد نصف ساعة، رفع رأسه وقال
فيه تطابق مبدئي بين بعض الأرقام اللي هنا وبين التحويلات اللي ظهرت في النظام المالي.
فؤاد بص له بحدة.
يعني كلامها صحيح؟
الرجل رد بحذر
يعني إن فيه مؤشرات تستحق التحقيق. ما نقدرش نحدد المسؤولية قبل مراجعة المستندات كاملة.
مريم هزت راسها.
وده بالظبط اللي كنت بقوله من البداية.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، دخل موظف من قسم تكنولوجيا المعلومات ومعاه تقرير مطبوع.
همس في أذن رئيس المراجعة الداخلية.
الرجل قرأ التقرير، وملامحه اتغيرت.
فؤاد لاحظ.
فيه إيه؟
الموظف اتردد، ثم قال
إحنا راجعنا سجل الوصول للملفات القديمة. وفيه محاولة حديثة لحذف مجموعة من المستندات المتعلقة بشركة الرواد من الأرشيف الإلكتروني.
سكت الجميع.
وبعدين سأل فؤاد
إمتى حصل ده؟
امبارح بالليل، بعد الساعة تسعة.
فؤاد بص ناحية شريف، اللي ماكانش حاضر الاجتماع، ثم رجع للموظف.
والحذف تم؟
لأ يا فندم. نظام الحماية احتفظ بنسخة احتياطية، وتم تسجيل محاولة الحذف.
مريم اتكلمت لأول مرة من بداية الخبر.
يبقى لازم نراجع سجل الصلاحيات، ونعرف الحساب اللي حاول يحذف الملفات، وهل كان فيه حد استخدم حساب شخص تاني.
رئيس المراجعة أومأ.
ده اللي هنعمله.
أما فؤاد، فكان بيفكر في سؤال واحد
مين اللي كان مستعد يمسح أدلة من شركته بعد كل السنين دي، لمجرد إن بنت كانت بتوصل الغدا دخلت مكتبه وطلبت منه يقرأ ورقة؟!
الفصل الرابع لما الفقير رفض يبيع كرامته
مرّت أيام، والتحقيق الداخلي بدأ يكشف عن تفاصيل جديدة.
مريم كانت بتروح مقر الشركة كل يومين، تساعد فريق المراجعة في فهم طريقة تسجيل المعاملات القديمة، وتوضح لهم الملاحظات اللي كانت كتبتها من سنتين.
لكنها ما سابتش شغل الدليفري.
كانت تخلص مراجعتها، وترجع تلبس جاكيت التوصيل، وتكمل طلباتها.
وفي يوم، فؤاد شافها خارجة من المبنى وهي بتراجع عنوان عميل على موبايلها.
نزل من مكتبه بنفسه، ووقف جنبها.
إنتِ لسه بتشتغلي في التوصيل؟
مريم رفعت عينيها.
أيوه يا فندم.
مع إنك بتساعدينا في مراجعة ملفات مالية بملايين؟
أنا بساعد في التحقيق، وده شيء مختلف. لكن لحد دلوقتي، أنا مش موظفة عند حضرتك، وعندي التزامات لازم أوفي بيها.
فؤاد سكت لحظة، ثم قال
أنا عايز أعرض عليكي وظيفة في المجموعة. منصب مناسب لخبرتك، ومرتب محترم.
مريم ما ردتش بسرعة.
كانت دي فرصة لو جات لها من سنتين، كانت ممكن تغيّر حياتها كلها.
لكنها دلوقتي ماكانتش عايزة تقبل لمجرد إن الرجل بقى شايف قيمتها بعد ما اكتشف إنها مفيدة له.
قالت
أنا بشكرك، لكن مش هقدر أوافق دلوقتي.
فؤاد اتفاجئ.
ليه؟ المرتب مش مناسب؟
الموضوع مش مرتب يا فندم. أنا محتاجة أعرف إن الشركة مستعدة تحاسب أي حد غلط، حتى لو كان من أقرب

الناس لحضرتك. ومحتاجة أعرف إن الوظيفة هتكون مبنية على خبرتي، مش على إن حضرتك حاسس بالذنب بسبب اللي حصل امبارح.
فؤاد بص لها طويلًا.
وبعدين قال
إنتِ عندك حق.
كانت الإجابة غير متوقعة حتى بالنسبة لمريم.
أضاف فؤاد
أنا مش هطلب منك تقبلي أي حاجة دلوقتي. خلينا نخلص التحقيق الأول، وبعدها لو حبيتي نتكلم في فرصة عمل، يبقى الكلام رسمي وواضح.
مريم ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ده أفضل.
وقبل ما تمشي، فؤاد قال لها
وفي حاجة تانية. أنا سألت عن ظروفك، وعرفت إنك كنتِ بتشتغلي في مجال التحليل المالي قبل ما تسيبيه.
ملامح مريم اتشدت.
أنا ما طلبتش من حد يبحث في حياتي الشخصية.
فؤاد رد بسرعة
معاكي حق. أنا سألت عن تاريخك المهني عشان أفهم إزاي موظفة بخبرتك وصلت للمرحلة دي. لكن ماكانش من حقي أتدخل في ظروفك الخاصة.
مريم هدت شوية، وقالت
أنا مش محتاجة حد يشفق عليّ. كل اللي محتاجاه فرصة عادلة.
فؤاد هز راسه.
وده حقك.
في اللحظة دي، وصل إشعار على موبايل مريم.
كان من مشرف التوصيل.
مريم، فيه عميل اشتكى إنك اتأخرتي في طلبه. لازم تيجي المكتب بكرة عشان نراجع الموضوع.
مريم تنهدت.
فؤاد لاحظ تعبير وشها.
فيه مشكلة؟
مجرد شكوى عميل.
ممكن أساعدك؟
مريم ابتسمت، لكن المرة دي كانت ابتسامتها فيها شيء من الحزم.
لأ يا فندم. أنا هحلها بنفسي. مش كل مشكلة في حياتي محتاجة ملياردير يتدخل فيها.
فؤاد ضحك لأول مرة ضحكة حقيقية.
واضح إنك مش هتسيبيني أنسى اللي حصل بسهولة.
مريم ردت
أنا مش
تم نسخ الرابط