بالطباشير روايات مشيره محمد

لمحة نيوز


شافته وهو بيحاول يعتدل، أو شافته في وضع مختلف عن اللي متعودة عليه. لازم نسألها عن التفاصيل.
لكن سحر كانت لسه عندها سؤال أهم.
ليه مخبي عني كل ده؟ أنا مراته! أنا اللي شايلاه من يوم الحادثة!
أشرف نزل راسه وقال
عشان محمود كان شايف إنك تعبتي كفاية، وكان خايف إنك تتعلقي بأمل كبير وبعدها حالته تتراجع. هو كان بيحاول يحميكي، بس أنا عارف إنه غلط لما خلاكي بعيدة عن الحقيقة.
سحر دموعها نزلت بغزارة.
أنا كنت بكلمه كل يوم، كنت بحكيله عن بنتنا، وكنت بعيط جنبه وأنا فاكرة إنه مش سامعني!
أشرف قال بصوت مكسور
هو كان سامعك في أوقات كتير يا سحر... ويمكن كان بيتمنى يقدر يرد عليكي.
في اللحظة دي، سمعوا صوت جنى من باب الصالة.
عمو أشرف... هو بابا بقى أحسن؟
الاتنين بصوا ناحيتها.
كانت واقفة بدموع في عينيها.
سحر قامت وحضنتها.
تعالي يا حبيبتي.
جنى بصت لأشرف وسألته
إنت كنت بتدخل عند بابا بالليل؟
أشرف اتفاجئ.
أيوه يا جنى، كنت بدخل أطمن عليه.
البنت سألته
طب هو كان بيبصلي لما كنت بكلمه؟
أشرف ابتسم بحزن.
أنا معرفش كل مرة، لكن ممكن يكون كان سامعك.
جنى جريت ناحية أوضة أبوها.
أنا عايزة أكلمه.
سحر راحت وراها، وأشرف دخل معاهم.
وقفوا جنب السرير.
جنى مسكت إيد أبوها وقالت
يا بابا، أنا جنى. إنت فاكرني؟ أنا كبرت وبقيت في رابعة ابتدائي. وعملتلك رسمة في المدرسة، بس إنت لسه مش شوفتها.
سحر كانت بتعيط في صمت.
وفجأة، لاحظت حركة بسيطة في صوابع محمود.
جنى شهقت.
ماما! صباعه اتحرك!
سحر قربت بسرعة، لكن أشرف رفع إيده وقال
استنوا، متضغطوش عليه.
في اللحظة دي، محمود حرّك صباعه مرة تانية.
وبعد ثواني، دمعة صغيرة نزلت من زاوية عينه.
جنى صرخت
بابا سامعني!
سحر حطت إيدها على بقها، وبعدها انحنت ناحية وشه وقالت
محمود... لو سامعني، أنا هنا يا حبيبي. أنا سحر، مراتك. مش هسيبك تاني.
للحظة قصيرة، اتحرك جفن محمود.
كانت حركة بسيطة جدًا، لكنها كانت كفاية تخلي سحر تحس إن الدنيا كلها اتغيرت.
في اليوم التالي، وصل الدكتور حازم ومعاه فريق متخصص لإعادة تقييم حالة محمود.
عملوا فحوصات عصبية دقيقة، واختبارات للاستجابة للأوامر البسيطة، وراجعوا الأدوية والتغذية وحالة العضلات.
وبعد ساعات، الدكتور طلب يقعد مع سحر وأشرف.
قالهم
فيه مؤشرات على وجود استجابات واعية أكتر من اللي كانت متسجلة في تقييماته السابقة. لكن لازم نكون حذرين جدًا. محمود محتاج برنامج تأهيل عصبي وحركي مكثف، ومتابعة مستمرة. ومش معنى إنه استجاب النهارده إنه يقدر يقف أو يمشي.
سحر سألت بلهفة
يعني فيه أمل يرجع يتكلم؟
الدكتور ابتسم ابتسامة هادية.
فيه أمل في تحسن حالته، لكن محدش يقدر يحدد النتيجة النهائية دلوقتي. إحنا هنشتغل على كل استجابة تظهر، خطوة بخطوة.
وبعدين بص لأشرف وقال
ومهم جدًا أي حركة أو تغير يحصل يتسجل ويتبلغ للفريق الطبي، مش نحاول نساعده بحركات من نفسنا ممكن تضره.
سحر هزت راسها.
كانت مستعدة تبدأ من الصفر، حتى لو الرحلة هتاخد سنين.
لكن لسه فيه جزء من الحقيقة متعلق بحادثة محمود.
والورقة اللي لقتها في الدولاب كانت بتقول إن الحكاية أكبر من مجرد مرض وحادثة.
بعد أسبوعين من بدء التأهيل، محمود بقى قادر يستجيب لبعض الأوامر البسيطة في أوقات معينة.
الدكتور كان بيطلب منه يضغط على إيده، وأحيانًا كان بيقدر يعمل ده.
وفي جلسة من الجلسات، جنى كانت قاعدة جنبه وبتحكيله عن المدرسة.
قالتله
يا بابا، أنا جبت امتياز في العربي، وماما وعدتني تجيبلي عجلة لو جبت درجات حلوة.
فجأة، محمود ضغط على إيدها ضغطة خفيفة.
جنى فضلت تضحك وتعيط في نفس الوقت.
ماما! بابا وافق! بابا عايز يجيبلي العجلة!
سحر حضنتها وقالت
هنجيبها يا حبيبتي، بس لما بابا يبقى أحسن ونفرح بيه.
وفي نفس اليوم، حصلت حاجة تانية.
أثناء جلسة التأهيل، الدكتور كان بيعرض على محمود صور لأشخاص يعرفهم، وبيطلب منه يحدد اللي يعرفه عن طريق حركة عينه.
لما ظهرت صورة مدحت، شريك محمود القديم، حصل تغير واضح في تعبير وشه.
شد عضلات رقبته، وحاول يحرك إيده.
الدكتور لاحظ ده وسجل الاستجابة.
وبعد الجلسة، قال لسحر
واضح إن الصورة دي أثارت عنده انفعال قوي. هل الشخص ده له علاقة بمشكلة قديمة؟
سحر حكتله عن الخلافات المالية قبل الحادثة.
الدكتور طلب منهم يتجنبوا الضغط عليه بأسئلة كتير، لكن سحر فهمت إن محمود لسه فاكر حاجة.
بعد أيام، وصل لسحر اتصال من رقم غريب.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت راجل قال
مساء الخير يا مدام سحر، أنا سامح، كنت شغال محاسب في شركة الأستاذ محمود.
سحر اتفاجئت.
خير يا أستاذ سامح؟
أنا عرفت إنه بدأ يتحسن، وكنت عايز أقابلك في موضوع مهم جدًا، بس مش عايز أتكلم في التليفون.
سحر قلبها دق بسرعة.
موضوع إيه؟
موضوع حادثة الأستاذ محمود. فيه حاجات أنا سكت عنها زمان، وضميري مش مرتاح.
اتفقوا يتقابلوا في مكان عام قريب من البيت.
ولما وصلت، لقت سامح قاعد مستنيها، ومعاه ملف قديم.
قالها
أنا عارف إن الكلام اللي هقوله صعب، لكن لازم تعرفي إن مدحت كان بيحاول يخفي تحويلات مالية قبل الحادثة.
وإيه علاقة ده بحادثة محمود؟
سامح طلع صورة من الملف.
كانت صورة لتقرير صيانة العربية قبل الحادثة بأيام.
وقال
فيه ملاحظة عن عطل في نظام الفرامل، لكن التقرير اتعدل بعد كده، واتكتب إن العربية كانت سليمة.
سحر حست ببرودة في أطرافها.
يعني إنت بتقول إن حد لعب في فرامل العربية؟
أنا مش هقدر أتهم حد من غير تحقيق، لكن عندي نسخة من التقرير الأصلي، وفيه اختلافات واضحة بينه وبين النسخة اللي اتقدمت بعد الحادثة.
سحر أخدت الملف بإيد مرتعشة.
ليه مقلتش الكلام ده من زمان؟
سامح نزل عينيه.
كنت خايف على شغلي، وبعدها اتخضيت لما عرفت إن محمود حالته بقت بالشكل ده. بس لما عرفت إنه بدأ يستجيب، قررت أتكلم.
سحر رجعت البيت وهي مش قادرة تستوعب.
دخلت أوضة محمود، وقعدت جنبه.
قالتله
يا محمود، أنا عرفت إن فيه حاجة غلط حصلت يوم الحادثة. وعرفت إن مدحت ممكن يكون له علاقة.
في اللحظة دي، محمود حرّك إيده بصعوبة.
سحر قربت.
إنت فاكر حاجة؟
حاول يحرك شفايفه، وخرج صوت ضعيف جدًا، متقطع.
م... مدحت...
سحر شهقت.
مدحت عمل إيه يا محمود؟
حاول يتكلم مرة تانية، لكن صوته اختفى.
نادت الدكتور فورًا.
ولما جه، طلب منها تهدى ومتضغطش عليه.
قالها
دي استجابة مهمة، لكن لازم نسيبه ياخد وقته.
سحر ما اكتفتش بكلام سامح.
راحت قدمت المستندات للجهات المختصة، وطلبت إعادة فحص ملابسات الحادثة القديمة.
وبعد مراجعة التقارير وسماع أقوال بعض العاملين السابقين في الشركة، بدأت تظهر تناقضات في كلام مدحت.
اتضح إنه كان بالفعل بيخفي مستندات مالية، وإنه حاول يتخلص من أوراق تثبت مخالفاته قبل الحادثة.
لكن التحقيقات ما اعتبرتش ده وحده دليلًا على إنه تسبب في الحادثة.
تم استدعاؤه وسؤاله عن التقارير، وبدأت الجهات المختصة تفحص النسخ الأصلية وسجلات الصيانة وشهادات العاملين.
ولما عرف إن محمود بدأ يستجيب، اتصل بسحر.
قالها بصوت متوتر
أنا سمعت إن جوزك اتحسن، وعايز أجيله وأطمن عليه.
سحر ردت ببرود
مفيش داعي.
ليه؟ إحنا عشرة عمر، وأنا مش غريب.
العشرة عمر كانت قبل ما أوراق الشركة تختفي، وقبل ما نكتشف إن تقارير العربية فيها تلاعب. أي كلام
 

تم نسخ الرابط