امي اختفت من ١٤ سنه

لمحة نيوز


في عينيه نظرة دافية وحاسة إني عارفاها كويس، وقال سارة... أنا اسمي زين. أنا اتولدت وعشت مع عيلة تانية في محافظة تانية بعيد عن هنا... ومن سنتين بس، عرفت بالصدفة إني متبني، وأن عملية التبني دي تمت بشكل غير قانوني.. تجارة بشر يعني.
ملامح وش أبويا انقبضت وبان عليه الرعب، وزعق متسمعيش منه كلمة واحدة يا سارة!
بس زين منفضلوش وكمل كلامه ليا أنا عينت محامين ومحققين خصوصيين عشان يدوروا ورا الموضوع، وكل الخيوط وكل الأدلة في الآخر وصلتني هنا... لأبوكي.
المطر كان بيخبط في الأسفلت برزع قوي... وعمتي برلنتي كانت واقفة على عتبة البيت مبرقة ومتخشبة في مكانها، علامات الرعب والذنب كانت واضحة على وشها زي الشمس.
همست وصوتي مخنوق أنا مش فاهمة حاجة...
زين بصلي وقال أمك الله يرحمها أو يسامحها... اكتشفت إن أبوكي شغال في شبكة سرية لبيع الأطفال تحت غطاء التبني.
جالي غثيان وحسيت إني هرد من الصدمة لأ.. مستحيل...
كّمل زين أمك لقت مستندات، ودفاتر، وأسامي الأطفال وأسامي الناس اللي اشتروهم.
فجأة، أبويا ضحك بصوت عالي... ضحكة يائسة ومكسورة تخوف، وقال لزين أنت فاكر نفسك عرفت كل حاجة؟
رد زين ببرود طب قولها أنت الحقيقة لو عندك شجاعة.
مرت ثواني طويلة ومفيش مخلوق نطق فيها... وفجأة، أبويا نزل راسه الأرض حتة صغيرة... وفي اللحظة دي عرفت كل حاجة؛ السكوت ده كان أكبر اعتراف بجريمته.
بصيت لأبويا ودموعي نازلة مع المطر

وقلتله أنت بعته؟ بعت ابنك؟
عينيه اتملت دموع وهز رأسه وقال الديون كانت هتخرب بيتي وكنت هتحبس...
بحلق ت فيه وأنا مش مصدقة إن ده الإنسان اللي رباني بعت ابنك عشان فلوس؟! يا نهار أسود!
قال بصوت مرعوش مكانش مقصود إن الموضوع يمشي بالطريقة دي...
معدتي قلبت وحسيت إني عايزة أرجع... كل ذكرياتي الحلوة معاه اتمسحت واتكسرت في ثانية؛ أعياد ميلادي، خروجاتنا، كلامه ليا عن التضحية والعزوة والأمان... كل ده طلع كدب وفيلم هابط!
زعقت فيه طب وأمي؟! عملتوا فيها إيه؟!
أبويا وعمتي سكتوا تماماً ومحدش فيهم نطق... والسكوت ده رعبني أكتر من أي حاجة تانية في الدنيا.
صرخت بصرخة هزت الشارع أمي فييييين؟!
هنا عمتي برلنتي انهارت تماماً... قعدت على السلم المبلول وحطت وشها بين إيديها وبدأت تعيط بنحيب وتقول أمك مكانتش راضية تبطل تدوير على زين... لقت الأدلة وكانت رايحة تبلغ المباحث وقسم الشرطة...
أبويا غمض عينيه قوي... وزين كمل الجملة بحزن واختفت بعدها ب 3 أيام صح؟
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة... أبويا كان باين عليه العجز والكبر في اللحظة دي أكتر من أي وقت فات، ووطى رأسه وقال بصوت واطي جداً هي لسه عايشة...
المفاجأة المدوية
الكل اتجمد في مكانه... حتى زين نفسه برق ومبقاش مصدق إيه؟! قلت إيه؟!
أبويا بصلي وقال أمك عايشة يا سارة.
ركبي سابت ومكنتش قادرة أشيل نفسي عايشة؟ بقالها 14 سنة عايشة؟!
هز رأسه وقال وعمتي مخبية وشها
من الخزي حطينها في مصحة نفسية خاصة بعيدة في الأقاليم، وباسم مستعار ومزور... كنا بندفع مبالغ ضخمة كل شهر للناس هناك عشان يفضلوا قافلين عليها ومحدش يعرف مكانها.
الاعتراف كان أبشع وأعنف من إنه يتصدق... دي قسوة وجبروت لا يمكن يتخيلهم عقل!
سألته وأنا بنهار ليه؟ ليه عملتوا كده؟!
رد وهو عاجز لأنها لو كانت اتكلمت، كانت هتودينا كلنا ورا الشمس والمشنقة.
مكنتش قادرة أتنفس ولا قادرة أفكر... أمي قضت 14 سنة من عمرها محبوسة وسط المجانين وهي صاحية وكاملة العقل، وأنا طول السنين دي بعيط عليها وبفتكرها ماتت، أو بكرهها عشان افتكرت إنها سابتني!
زين أخد خطوة لقدام براحة وقال بصوت حاسم فين المصحة دي؟ عنوانها إيه؟
أبويا استسلم في الآخر وملّاه العنوان بالتفصيل.
اللقاء المنتظر
تاني يوم الصبح، كنت أنا وزين في العربية رايحين على العنوان... مشوار طويل ومحدش فينا عارف يقول للتاني إيه. إحنا اتنين غُرب عن بعض، بس ملمومين على حقيقة مرعبة ودم واحد.
لما وصلنا، المصحة كانت في مكان معزول وهادي جداً برا المدينة. في الأول، إدارة المصحة حاولت تنكر وتعمل حوارات، بس زين كان مكلم المحامين والشرطة اللي وصلوا في ثواني، وأول ما البوكسات وصلت، كل الكدب بتاعهم انهار والدفاتر اتفتحت.
الممرضين أخدونا وخرجوا بينا ل جنينة صغيرة ورا المبنى... كانت فيه ست قاعدة على كرسي جنب الشباك وبتبص للزرع.
شعرها كان كله أبيض... ووشها باين
عليه التعب والعجز وعلامات الزمن... بس أنا عرفتها في ثانية! وزين كمان عرفها من أول نظرة!
أمي وقفت براحة من على الكرسي... وإيديها كانت بترتعش بشكل يقطع القلب، وبصتلي وقالت بصوت ضعيف سارة؟
صوت اسمي وهو طالع من بوقها كسر كل الحواجز والوجع اللي جوة قلبي... طلعت أجري عليها زي الطفلة الصغيرة.
طول ال 14 سنة اللي فاتوا كنت بتخيل اللحظة دي... كنت فاكرة إني هبقى غضبانة وعايزة إجابات وعتاب... بس أول ما بقيت قدامها، رميت نفسي في حضنها وقعدت أعيط وأصرخ من كتر الفرحة والوجع.
وهي عيطت وحضنتني جامد... وزين قرب مننا ودخل في حضنها وهو بيعيط برضه.
وقفنا إحنا التلاتة حاضنين بعض تحت شمس الظهر... مكناش عيلة مثالية، ومكناش لسه خفينا من جروحنا... بس أخيراً، بقينا مع بعض.
النهاية
بعدها ب شهور، التحقيقات والنيابة قلبت الدنيا وكشفت شبكة التبني وتجارة الأطفال كلها. أبويا وعمتي برلنتي اتمسكوا واتحكم عليهم بالسجن المشدد، وناس تانية كتير من اللي ساعدوهم لبسوا معاهم في القضية.
الحكاية بقت تريند وقضية رأي عام في كل الجرايد والتلفزيون... بس كل ده مكانش يفرق معايا في حاجة.
اللي كان يفرق بجد... إن فيه رسالة واحدة مش مبعوتة فضلت عايشة في تليفون قديم ومستخبية في كرتونة... والرسالة دي هي اللي رجعت عيلة اتشتت واتدمرت ل 14 سنة لبعض تاني.
ولأول مرة من وأنا عندي تسع سنين، مبقتش بسأل نفسي خالص هي أمي مشيت وسابتني ليه؟
... لأنها ببساطة، عمرها ما مشيت ولا سابتني.

 

تم نسخ الرابط