يوم فرحي انجي الخطيب

لمحة نيوز


كان أبوكي بنفسه عشان يداري على نفسه، وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي مسكت عليهم الدليل.
جسمي اتصلب، لقيت صوت حد بيزق باب المخزن بقوة، كان أبويا، في إيده أداة معدنية بتلمع تحت ضوء الشمس، صرخ أبويا كفاية لحد كده يا سالم.. اللعبة خلصت، والنهاردة يا أنا يا أنت.
سالم مكنش خايف، طلع موبايله وقال بصوت عالي ابعد يا عمي.. أنا مسجل كل اعترافاتك من يوم ما دخلت المخزن ده.. اختار بقى، يا إما بنتك ترجع تعيش كأن مفيش حاجة حصلت، يا إما الفضيحة اللي هتخلي الكل يعرف إن أبوها قاتل أخوها!
أبويا وقف متجمد، ونظرة الوحش اللي كانت في عينيه اتحولت لنظرة انكسار مهين. سالم كان واقف زي القاضي اللي بيوزع أحكام بالإعدام.
نزل اللي في إيدك يا بابا.. نزلها، مش ده اللي هيحل المشكلة.
قلتها بصوت مخنوق وأنا بقرب منه، أخدت منه الأداة اللي في إيده ورميتها على الأرض. رميتها وأنا حاسة إني برمي معاها كل ذكرياتي الحلوة عنه، كل صورة كنت راسمها لأبويا الشهم. بصيت لسالم وقلت بثبات
أنت فاكر إنك كسبت؟ أنت فاكر إنك لما تذلنا بالماضي، هتقدر تتحكم فينا؟ أنت واحد استغل سر عشان يعيش ميت سنين، بس نسيت حاجة واحدة.. الميت اللي مات عشان الحقيقة، ساب

وراه أخت مش هتسكت على دم أخوها.
سالم ضحك، بس الضحكة المرة دي كانت ناقصة. كملت وأنا بقرب منه جوزي طلقني عشان صدق كذبتك، وده معناه إن مفيش حاجة تانية أخاف عليها. لا سمعة، ولا جوز، ولا حياة هادية.
سحبت الموبايل من إيده بحركة سريعة، سالم اتفاجئ وحاول يشدني، بس أنا جريت ناحية الباب، ووقفت بصلته وبصيت لأبويا وقلت الموبايل ده عليه كل حاجة، صح؟ لو هو ده مفتاحك، يبقى هو ده اللي هيوديك في داهية.
رميت الموبايل بكل قوتي على الأرض، وكررت الخطوة دي لحد ما اتهشم تحت قدمي. سالم اتجنن، هجم عليا، بس أبويا فاق، وطلع قوته اللي اتبقى منها شوية، ووقف قدام سالم، زقه لورا وصرخ فيه كفاية يا سالم! لو عايز تبلغ، بلغ.. القاتل أهو قدامك، بس لو قربت من بنتي تاني، ما هرحمك! روح للبوليس، أنا مستعد أدفع تمن غلطتي، بس ابعد عن بنتي.. حياتها هي اللي باقية لي.
سالم بص لنا بحقد وقال بصوت مسموم فاكر إن كسر الموبايل ينهي الموضوع؟ أنا عندي نسخ تانية.. وأوعدك، إن بكرة الصبح، الدنيا كلها هتعرف الحقيقة.
سالم سابنا ومشي، وأبويا وقع على ركبه، دفن وشه بين إيديه، وبدأ ينهج. كنت واقفة بتفرج عليه، مش عارفة أكرهه، ولا أشفق عليه، ولا أبكي على
حالي.. اللي أعرفه إن الليلة دي مش هتعدي، وإننا بقينا في سباق مع الزمن.
انجي_الخطيب
بصيت لأبويا وهو منهار على الأرض، ودموعي اللي كانت محبوسة بدأت تنزل زي الشلال. مكنتش عارفة أواسي مين؟ قلبي المكسور ولا الراجل اللي كان سندي وطلع هو اللي هادد كياني؟ قربت منه، قعدت جنبه على الأرض الباردة، ومسكت كتفه، وبصوت مبحوح قلتله
يا بابا، لو الكلام ده بجد، لو فعلاً أنت السبب في اللي حصل لأخويا.. يبقى لازم ننهي المهزلة دي بنفسنا. مش هنستنى سالم يهد البيت فوق دماغنا، ولا هنستنى حد يدوس علينا أكتر من كدة.
أبويا رفع راسه، كانت عيونه غرقانة في دوامة من الندم والكسرة، مسك إيدي وباسها، صوته كان طالع زي فحيح التعبان
يا بنتي، أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكي.. سالم ده شيطان، عنده وسايل يخلي اللي مش حقيقي يبان كأنه واقع، وأنا كنت غبي لما سمحتله يمسك عليا الحتة دي. هو مش بس معاه تسجيلات، هو معاه أوراق وقرارات أمضيتها وأنا مش حاسس، أوراق لو طلعت للنور، أنا مش بس اللي هروح في داهية، العيلة دي كلها هتتشرّد.
وقفت فجأة، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للمكان من حوالينا. المخزن ده مكنش مجرد مخزن غلال، ده كان مخزن أسرارهم. بصيت في
ركن بعيد، لمحت صندوق خشبي قديم عليه قفل صدّي، افتكرت كلام أخويا الله يرحمه قبل ما يموت بأيام، لما قالي لو حصل لي حاجة يا أختي، الحقيقة كلها في الصندوق اللي في المخزن، مفتاحه في جيب الجاكيت اللي أبويا دفنه يوم ما اتخانق مع عمي.
مشيت ناحية الصندوق، ولقيت أبويا بيبصلي بذهول، كأنه عرف أنا بدور على إيه. حاولت أكسر القفل بالحجر اللي كان جنب الباب، مرة واتنين، لحد ما القفل اتفتح ب طرقعة خلت قلبي ينط من مكانه. فتحت الصندوق، مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه دفتريين صغيرين، وشوية صور قديمة، وشرايط كاسيت، وورقة مكتوب عليها بخط إيد أخويا للي هيقرا الكلام ده، أنا عارف إن نهايتي قربت، وده كل اللي قدرت أجمعه عن شركاء الدم.
قلبت في الدفتر، ولقيت أسماء، تواريخ، وحسابات بنكية، وتفاصيل لعمليات غير مشروعة مش بس تخص أبويا وعم سالم، دي تخص ناس تقيلة في البلد!
بصيت لأبويا وقلتله بابتسامة باهتة ومرعبة في نفس الوقت
يا بابا، سالم فاكر إنه ماسك علينا خيط، بس هو ميعرفش إننا قاعدين على قنبلة موقوتة.. لو ولعت، هتحرق سالم، وهتحرقنا معاه، وهتحرق كل اللي شارك في دمنا.
أبويا بص للدفاتر واتنفس بعمق، لأول مرة شفت في عينيه لمعة تحدي
وسط الضعف. قالي
أنتي
 

تم نسخ الرابط