اخو جوزي حكايات زهرة حصري لمدونة ايام نيوز

لمحة نيوز

 

بجر رجلي بالعافية، قفلت الباب عليا وقعدت وراه في الضلمة. كنت حاسة إن الحيطان بتضيق عليا، وإن الهوا بيخلص من الأوضة. يا لهوي على اللي عملتيه يا إلهام.. ضيعتي نفسك وضيعتي بيتك كنت بقول لنفسي كده وأنا بقطم في ضوافري من كتر الړعب. مرت الساعات وكأنها سنين، كل دقيقة بتعدي كانت بتاكل من أعصابي.
على الساعة ستة المغرب، سمعت صوت مفتاح جوزي في الباب. قلبي اتنفض من مكانه، وبقيت حاسة إن روحي بتنسحب مني. مسحت وشي بسرعة في المراية، وحاولت أظبط نفسي عشان ميبانش عليا حاجة، وخرجت أستقبله وأنا رجلي بتخبط في بعضها.
جوزي دخل بروتينه المعتاد، رمى مفاتيحه على الترابيزة، وقلع جزمته وهو بيتأفف وتعبان من الشغل. بصيت في وشه بتمعن.. كنت بدور على أي علامة.. أي ڠضب، أي نظرة شك، أي حاجة تقول إنه عرف. بس ملامحه كانت عادية، نفس الوش البارد والمرهق اللي بشوفه كل يوم.
قربت منه بخطوات مهزوزة، وحاولت أخلي صوتي طبيعي على قد ما أقدر وقُلتله
حمد الله على السلامة يا أحمد.. تعبت في الشغل النهاردة؟
رد من غير ما يبصلي وهو بيقلع قميصه
الله يسلمك.. آه كان يوم متعب وضغط كبير.
سكت ثانية، وحسيت إن ريقي ناشف ومش قادرة أبلعه، بس الفضول والړعب خلوني أسأله السؤال اللي كان هيوقف قلبي
أحمد.. هو.. هو محمد أخوك اتصل بيك النهاردة؟ أو قلك حاجة؟
أحمد وقف مكانه، وبصلي باستغراب وضيق، وكأني بقول فوازير، وقالي
محمد؟ هيكلمني يقولي إيه؟ وهو ماله ومالي النهاردة.. إيه السؤال الغريب ده؟ مش فاهم!
حسيت بنبضة أمل تائهة، وقلت بسرعة وأنا بداري ارتباكي
لا أبداً.. أصل شوفته نازل مستعجل وفيه حاجة كدا، فقلت يمكن اتصل بيك في الشغل عشان

موضوع البيت أو حاجة تخص الشغل بينكم.
أحمد هز راسه بملل ودخل الحمام وهو بيقول
لا مكلمنيش ولا قالي حاجة.. جهزي الأكل بسرعة عشان أنا واقع من الجوع.
دخل الحمام وقفل الباب، وأنا وقفت في الصالة أتنفس لأول مرة من ساعات. محمد مقالوش حاجة.. على الأقل لحد دلوقتي. بس الراحة دي مكملتش ثواني، لأن الخۏف الحقيقي كان لسه جاي.. محمد لسه مرجعش البيت، والسكوت ده مش معناه إنه سامح، ده معناه إنه بيطبخ حاجة على ڼار هادية.
عدت الساعات تقيلة وزى الزفت. جه وقت العشا، والعيلة كلها اتجمعت في الصالة الكبيرة كالعادة.. حمايا وحماتي، وأحمد جوزي، ومرات محمد اللي كانت قاعدة عادية وبتتكلم عن طبيخها وعن عيالها ولا حاسة بالبركان اللي تحت البيت. وأنا كنت قاعدة وسطهم زى الچثة.. باصة في الأرض، ومش قادرة أحط عيني في عين حد، وكل ما حد يكلمني أرد بكلمة واحدة وبالعافية.
وفجأة.. الباب اتفتح.
دخل محمد. أول ما دخل، الصالة كلها سكتت. ملامحه كانت متغيرة، وشه كان شاحب بس فيه نظرة حسم غريبة، نظرة راجل أخد قرار مش هيرجع فيه. أنا أول ما شوفته، جسمي كله اتنفض، وحسيت إن الدورة الدموية وقفت في عروقي.
مرات محمد قامت وقفت وقالتله بحسن نية
تأخرت ليه كده يا محمد؟ أكلنا واستنيناك كتير، أصلحلك الأكل؟
محمد مبصلهاش، ومبصش لأي حد.. عينه جت عليا أنا لثانية واحدة.. نظرة واحدة بس كانت كافية إنها تدبحني، نظرة كلها قرف ووعيد. بعدين وجه كلامه للكل بصوت جهوري وهادي في نفس الوقت، صوت خلى الكل ينتبهله
يا جماعة.. جمعوا بعضكم كلكم هنا في الصالة.. أنا عندي مفاجأة ولازم الكل يعرفها دلوقتي حالا.. مفاجأة هتغير حاجات كتير في البيت ده!
في اللحظة دي.
. أنا حسيت إن الدنيا دارت بيا. قلبي

وقع في رجليا ومبقتش سامعة غير ضرباته اللي بقت زى الطبل في وداني. خلاص.. اللحظة جت. هيقولهم. هيقول لجوزي إن مراته خاېنة ومتربتش، هيقول لأبوه وأمه إن الست اللي دخلوها بيتهم طلعت صنف رخيص. خلاص كدا.. نهايتي وصلت، وسري اللي عريت بيه نفسي قدامه هيبقى مشاع قدام العيلة كلها.. قفلت عيني وأنا مستنية الكلمة اللي هتنزل عليا زى السکينة وتنهي حياتي للأبد..في اللحظة دي، أنا حسيت إن الدنيا دارت بيا. قلبي وقع في رجليا ومبقتش سامعة غير ضرباته اللي بقت زى الطبل في وداني. خلاص.. اللحظة جت. هيقولهم. هيقول لجوزي إن مراته خاېنة ومتربتش. قفلت عيني وأنا كلي بترعش، مستنية الكلمة اللي هتنزل عليا زى السکينة وتنهي حياتي للأبد..
لكن محمد فاجأ الكل، وحط إيده في جيبه وطلع سلسلة مفاتيح بيلمع، وابتسامة واسعة اترسمت على وشه وهو بيبص لمراته اللي كانت واقفة مذهولة. قرب منها خطوتين، ومسك إيدها وحط فيها المفاتيح، ، وكأنه بيوصل رسالة مش ليها هي.. رسالة ليا أنا! كأنه بيثبتلي إنه مستحيل يستغنى عنها، وإنها ست الكل في نظره.
بص لمراته وقال بصوت ماليان حنية وفخر
مبروك يا حبيبتي.. أهي الشقة اللي كنتِ بتحلمي بيها، الشقة اللي هتجمعنا لوحدنا أنا وأنتِ وابننا.
مراته شهقت من الفرحة ودموعها نزلت وهي مش مصدقة، أنا في اللحظة دي حسيت بڼار بتولع في صدري، غيرة على قهر على صدمة.. هو بيعمل كده عشان يهرب مني؟ عشان يبعد عن الوش اللي عريت نفسي قدامه؟
حمايا وقف وهو ساند على عصايته، وملامحه كلها استغراب وزعل، وقال بصوت لوم
إيه اللي بتقوله ده يا محمد؟ تمشي وتروح فين يا ابني؟ وتفرط في لمتنا؟
وحماتي
كمان بدأت ټعيط وتقول
ليه يا ابني هتمشي وتسيبنا؟ حد زعلك في البيت؟ حد ضايقك أنت ومرأتك؟ قولي يا ابني إيه اللي حصل؟
محمد ساب مراته وقرب من أبوه وأمه، وباس إيديهم بابتسامته الساحرة اللي بتدوب الصخر، وبدأ يراضيهم بكلامه الحلو ويقول
يا جماعة وحدوا الله، مفيش زعل ولا حاجة واصل.. ده أنا حابب أستقر وأعيش لوحدي لأن أسرتي بتكبر والواد بكره يدخل المدرسة، والبيت هنا واسع والخير فيه كتير، وأهو أحمد قاعد معاكم ومش هيسيبكم أبداً.
أحمد جوزي هز راسه وقال
ألف مبروك يا أخويا.. ربنا يجعله قدم السعد عليك.
العيلة كلها بدأت تبارك، وأنا كنت واقفة دموعي هتفر من عيني من كتر العصبية والغل. الكلام كان زى الخناجر في قلبي. هو مش بس رفضني، ده قرر يمحيني من حياته ويهد المعبد كله ويمشي عشان ملمحش طيفي في الممر! العصبية عمت عيني ومبقتش قادرة أتحكم في تصرفاتي.
محمد استأذن وخرج الجنينة بتاعة البيت يشم شوية هوا ويهرب من الزيطة اللي جوه. أنا مقدرتش أتمالك نفسي.. رجلي سحبتني وراه زى المچنونة. خرجت الجنينة وراه، والضلمة كانت مغطية المكان إلا من نور خفيف جاي من الشبابيك.
وقفت قدامه وقولتله بعصبية وصوت مخڼوق ومكتوم عشان محدش يسمعنا
إيه اللي أنت عملته جوه ده؟! أنت بتتهرب مني صح؟! أنت عايز تمشي وتسيب البيت بسببي؟!
محمد لف ليا، وعيونه اتملت بقسۏة رهيبة، ولسه هيفتح بوقه عشان يتكلم أو يزعقلي ويفوقني..
لكن فجأة.. ملامحه اتجمدت.. وعينه اتسعت پصدمة وړعب وهو باصص ورايا!
أنا قلبي وقف.. لفيت براحة وأنا حاسة إن دمي اتجمد في عروقي..
كان أحمد جوزي.. واقف ورايا في الضلمة، وملامحه كلها صدمة وذهول، وكأنه سمع كل حاجة!أحمد وقف
لثواني

ملامحه مذهولة، وأنا النفس اتقطع مني
 

تم نسخ الرابط