السر كان ما وراء الباب اي خلفه
أسبوعين كانت معلقة هناك.
وفي منتصف الغرفة...
طاولة خشبية فوقها عشرات المفاتيح.
وبجانبها دفتر أسود سميك.
همست ياسمين وهي ترتجف
أنا كنت عارفة إن فيه أوضة مستخبية... لكن أول مرة أدخلها.
فتحت الدفتر بسرعة.
كانت كل صفحاته مكتوبة بخط واحد.
وفي أعلى الصفحة الأولى
مراقبة ليلى.
تسارعت أنفاسي.
بدأت أقلب الصفحات بجنون.
الساعة 815... خرجت تشرب القهوة.
الساعة 240... نامت على الكنبة.
الساعة 1155... بكت بعد مكالمة مع أمها.
كل حركة...
كل كلمة...
كل لحظة في حياتي...
كانت مكتوبة بالتاريخ والساعة.
وكأن شخصًا يعيش معي ثانية بثانية.
ثم سقطت ورقة صغيرة من بين الصفحات.
التقطتها بسرعة.
كانت عبارة عن تقرير طبي قديم.
الاسم
ليلى محمود.
أما خانة التشخيص...
فكانت كفيلة بأن تسحب الأرض من تحت قدمي.
فقدان مؤقت للذاكرة بعد حادث سيارة.
نظرت إلى ياسمين في ذهول.
قلت
أنا... عمري ما عملت حادث.
لم ترد.
لأننا في اللحظة نفسها سمعنا صوتًا خلفنا.
واضح إنكم دخلتوا المكان اللي كان المفروض يفضل مقفول.
التفتنا بسرعة.
كان سيف.
واقف عند الباب.
وفي يده... مسدس.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم أدار المفتاح.
وقال بابتسامة باردة لم أرها على وجهه من قبل
كنت مستني اللحظة دي من زمان.
صرخت فيه
إيه الأوضة دي؟! وإيه الصور دي؟!
اقترب خطوة، ثم قال
إنتِ فاكرة إن حياتنا بدأت من سبع سنين... صح؟
هززت رأسي دون أن أتكلم.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال
الحقيقة... إن دي مش أول مرة تتجوزيني.
شعرت بأن العالم يدور حولي.
إيه؟!
قال
إنتِ فقدتي ذاكرتك بعد الحادث.
ومن يومها... كل اللي تعرفيه عن حياتك... أنا اللي كتبتهولك.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
أنت مجنون.
هز رأسه ببطء.
لا... أنا بس كنت بحاول أحافظ على الحقيقة مستخبية.
نظرت إلى ياسمين، فوجدتها تحدق فيه بصدمة.
قالت
أنا كنت فاكرة إنك بتخبي سر... لكن مش للدرجة دي.
ضحك سيف ضحكة قصيرة.
ثم قال
عارفة ليه كنت بسيبك تنامي بينا كل ليلة؟
سادت لحظة صمت ثقيلة.
وأكمل
لأن الشخص اللي كان بيحاول يدخل أوضة ليلى كل ليلة...
رفع المسدس ببطء...
وأشار به إلى صدره.
...كان أنا.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة وأضاف
لكن مش عشان أقتلها...
عشان أتأكد إنها لسه فاكرة... ولا الذاكرة بدأت ترجع.
ارتجفت يدي، ولم أعد أعرف هل أخاف من المسدس... أم من الكلمات التي سمعتها للتو.
نظرت إلى سيف وأنا ألهث.
قلت بصوت متقطع
لو كنت بتقول الحقيقة... يبقى احكيها كلها.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم أنزل المسدس إلى جانبه وقال
قبل ثماني سنين... حصل حادث.
بدأ رأسي يؤلمني فجأة.
ألم حاد... كأن شيئًا يحاول الخروج من أعماق ذاكرتي.
ضغطت على رأسي بكلتا يدي.
وفجأة...
رأيت ومضة.
طريق مظلم.
أمطار غزيرة.
سيارة سوداء.
وصوت امرأة تصرخ
ليلى... افتحي الباب!
شهقت بقوة.
الصوت...
كنت أعرفه.
التفت إلى ياسمين.
كانت هي.
لكنها لم تكن كما أعرفها الآن.
كانت ترتدي بالطو أبيض، وعلى صدرها بطاقة تعريف.
همست دون وعي
إنتِ... دكتورة؟
اتسعت عينا ياسمين.
وسقطت دمعة على خدها.
قالت بصوت مرتعش
أخيرًا... افتكرتِ.
شعرت
نظرت إليها غير مصدقة.
قالت
أنا طبيبة الأعصاب اللي كانت بتتابع حالتك بعد الحادث.
ثم أشارت إلى سيف.
وهو رفض ينقلك لأي مستشفى تاني.
التفت إلى سيف بسرعة.
صرخت
ليه؟!
ابتسم ابتسامة باردة وقال
لأن المستشفى كانت هتقولك الحقيقة.
وأنا مكنتش مستعد أخسرك.
تقدمت ياسمين خطوة وقالت
سيف كان مهووس بيكي من قبل الجواز.
بعد الحادث... استغل فقدانك للذاكرة.
لفق أوراق جديدة... وغير كل تفاصيل حياتك.
حتى صوركم... معظمها متفبرك.
تراجعت إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط.
لم أعد أعرف من أنا.
ولا أي جزء من حياتي كان حقيقيًا.
ولا حتى...
هل أنا متزوجة فعلًا؟
قال سيف بهدوء غريب
أنا عمري ما لمست شعرة منك غصب.
كنت كل يوم مستنيك تفتكري بنفسك... وتختاريني من جديد.
صرخت فيه
واختارتك على كدبة؟!
لم يجب.
في تلك اللحظة...
رن هاتف ياسمين.
نظرت إلى الشاشة، ثم تغير لون وجهها فجأة.
همست
إحنا اتأخرنا...
الشرطة وصلت.
تجمد سيف في مكانه.
لكن المفاجأة كانت...
أن رجال الشرطة لم يدخلوا لإلقاء القبض عليه.
بل دخل ضابط في الخمسين من عمره، وما إن رآني حتى توقف مكانه، وحدق في وجهي طويلًا.
ثم خلع قبعته ببطء وقال بصوت اختنق بالعبرة
ليلى...
أنا فضلت أدور عليكي تمني سنين.
تسمرت في مكاني.
قلت وأنا بالكاد أتنفس
حضرتك... تعرفني؟
أخرج الضابط صورة قديمة من محفظته.
كانت الصورة لفتاة تبتسم بجوار رجل يرتدي الزي الرسمي.
الفتاة...
كنت أنا.
أما الرجل...
فكان هو.
قال والدموع تملأ عينيه
أنا أبوكي.
شعرت بأن الدنيا
لكن قبل أن أنطق بحرف...
دوى صوت طلقة نارية داخل الغرفة.
اخترقت الطلقة صمت الفيلا، فتجمد الجميع في أماكنهم.
صرخت لا إراديًا، وأغمضت عيني.
وعندما فتحتهما...
وجدت الضابط قد اندفع أمامي في اللحظة الأخيرة.
أمسك بذراعه، والدم ينزف منها بغزارة.
كانت الرصاصة قد أصابته في كتفه، بعدما دفعني بعيدًا عنها بجزء من الثانية.
وفي المقابل...
كان سيف واقفًا مكانه، ينظر إلى المسدس في يده وكأنه لا يصدق ما حدث.
قال بصوت مكسور
أنا... أنا ماكنتش أقصد.
لكن الضابط لم يمنحه فرصة.
صرخ في رجاله
امسكوه!
اندفع أفراد الشرطة نحوه، إلا أن سيف ركض خارج الغرفة بأقصى سرعة.
دوت أصوات الأقدام في أنحاء الفيلا.
وانطلقت المطاردة.
أما أنا...
فكنت عاجزة عن استيعاب أي شيء.
التفت إلى الضابط، الذي كان يضغط على جرحه بيده، وقال وهو يحاول أن يبتسم
كنت وعدت أمك... إني هرجعك.
شهقت وأنا أحدق في وجهه.
أمي... عايشة؟
هز رأسه ببطء.
عمرها ما بطلت تدور عليكي.
شعرت أن قدمي لم تعودا تحملانني.
ثماني سنوات...
ثماني سنوات وأنا أعيش حياة ليست حياتي.
أحببت رجلًا لا أعرفه.
وبنيت ذكريات لم أعشها كما كنت أظن.
وفي تلك اللحظة...
سمعنا صوت سيارة تنطلق بسرعة جنونية من خارج الفيلا.
ركض أحد الضباط إلى النافذة وهو يصيح
هرب!
اقتربت من النافذة وأنا أرتجف.
رأيت سيارة سيف تخترق البوابة الحديدية وتندفع إلى الطريق العام.
اختفت خلال ثوانٍ.
ساد الصمت.
لكن أحد أفراد الشرطة تلقى اتصالًا عبر جهاز اللاسلكي، ثم تغيرت ملامحه.
نظر
يا فندم... العربية عملت حادث على بعد كيلومترين.
انقبض قلبي.
رغم كل ما فعله...
لم أتمكن من منع نفسي من الارتجاف.
وصلنا إلى مكان الحادث بعد دقائق.
كانت السيارة قد اصطدمت