دفن أخاه الشاب بيده… لكن عندما كشف وجهه للمرة الأخيرة داخل القبر، رأى شيئًا لم يستطع نسيانه
كلما سأله شخص عن سبب شروده يقول
ادعوا له بالرحمة والمغفرة، فهذا أنفع له.
أما زوجته، فقد بقيت أيامًا قليلة مع عائلته ثم عادت إلى بيت أهلها.
وقبل أن تغادر، تحدث إليها الأخ مرة أخيرة.
قال
هناك شيء أريد أن أقوله لك.
ماذا؟
قال
سامحيني لأنني ظننت أن هدوءك في الجنازة يعني أنك لا تحزنين عليه.
خفضت رأسها.
أنا حزينة.
ثم قالت
لكن حزني ليس فقط لأنه مات.
إذن؟
حزينة لأنني كنت أرى الطريق الذي يسير فيه، ولم أستطع أن أغيره.
أجابها
الهداية ليست بأيدينا.
ثم أضاف
الإنسان ينصح من يحب، لكنه لا يملك قلبه.
أومأت.
قالت
أدعو الله أن يغفر له.
وأنا أيضًا.
بعد رحيلها، بقيت الحكاية في قلب الأخ سنوات.
لم يكن يحب أن يروي التفاصيل.
وإذا
لكنه كان يقول إن الشيء الذي لا يحتاج إلى تفسير هو أن العمر قد ينتهي دون موعد.
وأن الإنسان قد يخرج من بيته وهو يظن أن أمامه سنوات طويلة، ثم لا يعود.
ومرت الأيام.
وفي كل مرة كان يسمع الأذان، كان يتذكر ذلك اليوم.
لكن بدل أن يتذكر العبارة القاسية وحدها، كان يدعو لأخيه
اللهم اغفر له وارحمه، واغفر لنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
وأصبح أكثر حرصًا على ألا يقسو في نصيحته للآخرين.
فقد أدرك أن الموعظة ليست في تخويف الناس بقصص لا نستطيع التحقق من تفاصيلها، وإنما في الحقيقة التي يعرفها الجميع
أن
وأن التوبة لا تحتاج إلى موعد خاص.
وأن الكلمة التي يقولها الإنسان مستهزئًا أو غاضبًا قد يندم عليها طويلًا.
وأن من الخطأ أن يطمئن المرء إلى شبابه أو صحته وكأنهما ضمان لبقاء العمر.
أما ما رآه الأخ في القبر، فقد ظل سرًا بينه وبين نفسه.
لم يستطع أن يفسره تفسيرًا يقينيًا.
هل كان ما رآه نتيجة رهبة اللحظة؟
هل تغيرت الملامح بعد الوفاة بطريقة جعلته يتوهم ذلك؟
أم كان للأمر تفسير آخر لا يعلمه؟
لم يكن لديه جواب.
ولذلك لم يدّعِ امتلاك جواب.
كان يقول فقط
الله أعلم بما رأيت، والله أعلم بعباده.
لكن شيئًا واحدًا كان متأكدًا منه.
حين دخل القبر في ذلك اليوم، كان يظن أنه ينزل فقط لدفن أخيه.
وحين خرج منه، خرج وهو
فقد أدرك أن السؤال الأهم ليس
كيف كانت نهاية فلان؟
بل
كيف أعيش أنا ما بقي من عمري؟
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع الأذان توقف عن كل ما في يده للحظات.
وتذكر شقيقه.
ودعا له.
ثم دعا لنفسه ولأهله بالثبات والهداية وحسن الخاتمة.
فلا أحد منا يعرف متى تكون آخر ليلة له، أو آخر صباح، أو آخر مكالمة، أو آخر فرصة يستطيع فيها أن يصلح شيئًا بينه وبين ربه أو بينه وبين الناس.
ولهذا لم تكن العبرة في غرابة المشهد الذي رآه داخل القبر بقدر ما كانت في الرسالة التي بقيت معه بعده
لا تؤجل إصلاح نفسك إلى غدٍ، لأن الغد وعد لم يمنحه الله لأحد.
رحم الله موتى المسلمين، وغفر لهم، ورزق الأحياء قلوبًا تعرف
تمت بحمد الله.