الجزائري الذي قُټل وډفن في حديقة منزله.. بينما ظل ابنه يلعب فوق قپره لثماني سنوات
بدأت حكاية فريد بوزيد من هناك، من الجزائر، من بيت بسيط يعرف معنى التعب، ويعرف أكثر معنى السمعة الطيبة. لم يكن فريد شابًا لافتًا بطريقة صاخبة، ولا صاحب أحلام مستحيلة، لكنه كان من ذلك النوع الذي يحمل داخله رغبة هادئة في أن ينتقل خطوة إلى الأمام. كان يرى أن الحياة يمكن أن تكون أفضل، وأن الشاب إذا خرج من حدود المكان الضيق، ربما يجد بابًا أوسع، ورزقًا أكبر، وفرصة تعوضه عن سنوات الانتظار.
كبر فريد وسط عائلة محترمة، يعرف أهلها أن الغربة ليست سهلة، لكنها أحيانًا تصبح الطريق الوحيد لمن يريد أن يصنع لنفسه حياة مختلفة. لم يكن يبحث عن الثراء السريع، ولا عن مغامرة بلا حساب، بل كان يريد عملاً مستقرًا، وسقفًا آمنًا، ومستقبلًا لا يظل معلقًا على الوعود. ومع الوقت، بدأت فكرة السفر إلى أوروبا تكبر في رأسه، حتى تحولت من مجرد حلم إلى قرار.
سافر فريد إلى بلجيكا، وهناك بدأ حياته من الصفر. لم يكن الطريق مفروشًا له، ولم تكن الغربة تنتظره بذراعين مفتوحتين. عمل في أعمال حرة ومتنوعة، وانتقل بين محاولات كثيرة لتأمين معيشته، مثل آلاف الشباب الذين يغادرون بلادهم وهم يحملون في حقائبهم ملابس قليلة وأحلامًا ثقيلة. كان يحاول أن يثبت نفسه، أن يعتمد على ذراعه، وأن يخلق لنفسه مكانًا في بلد جديد لا يعرفه جيدًا.
وفي عام 2014، دخلت امرأة بلجيكية تُدعى إيلواز إلى حياته. كانت تعمل ممرضة منزلية، تتردد على بيوت كبار السن، تساعدهم في ترتيب أدويتهم، تعطي بعضهم حقن الأنسولين، وتتابع حالاتهم اليومية. بحكم عملها، كانت تعرف الدواء، وتعرف المړض، وتعرف كيف يتعامل الإنسان مع الجسد الضعيف حين يحتاج إلى رعاية. بدا هذا كله في البداية جزءًا من صورتها الهادئة امرأة تعمل في مهنة إنسانية، وتتحمل مسؤولية مرضى ومسنين، وتعرف كيف تخفف الألم عن الآخرين.
نشأت بين فريد وإيلواز علاقة عاطفية. اقتربا من بعضهما بسرعة، وربما وجد كل واحد منهما في الآخر شيئًا كان يفتقده. هو الشاب القادم من الجزائر، الباحث عن الاستقرار في بلد جديد، وهي المرأة البلجيكية التي بدت في البداية كأنها تمنحه دفئًا وبيتًا وحياة عائلية. انتقلا للعيش معًا في منزلها ببلدة فيزي القريبة من مدينة لييج، وفي العام نفسه رزقهما الله بطفلهما الأول.
كان الطفل نقطة مضيئة في حياة فريد. لم يعد الأمر مجرد غربة وعمل وسكن، بل أصبح أبًا، ومسؤولًا عن روح صغيرة تحمل اسمه وملامحه. كان وجود ابنه يمنحه سببًا إضافيًا للبقاء، وللصبر، ولتحمل صعوبات الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، عرفه الجيران في المنطقة. كان فريد بين الناس بشوشًا، يمزح، يتكلم بخفة، ويحاول أن يكون قريبًا ممن حوله. لم يكن شخصًا منعزلًا أو غامضًا أمامهم، بل رجلًا عاديًا يعيش حياته، يخرج ويدخل، يضحك أحيانًا، ويحاول أن يبدو طبيعيًا.
لكن الحياة التي تبدو هادئة من الخارج لا تكون دائمًا كذلك من الداخل.
خلف باب البيت، بدأت الخلافات بين فريد وإيلواز تكبر. لم يكن الأمر مجرد اختلاف عابر بين رجل وامرأة، بل تراكمًا يوميًا من طباع مختلفة، وثقافات مختلفة، وردود أفعال متباعدة. أحيانًا يكبر الشجار من كلمة، وأحيانًا يتحول الصمت نفسه إلى شجار. ومع الوقت، لم يعد البيت كما كان في البداية. أصبحت العلاقة مرهقة، مشحونة، يثقلها التوتر كل يوم أكثر من الذي قبله.
في عام 2016، وصل الخلاف بينهما إلى مرحلة رسمية، حين قدمت إيلواز بلاغًا ضد فريد تتهمه فيه بالاعتد اء. كان البلاغ خطيرًا،
وكان يمكن أن يفتح بابًا كبيرًا من الإجراءات والتحقيقات، لكنها بعد أيام قليلة تراجعت عنه. قالت إن الأمر لم يكن كما بدا، وإنها كانت في لحظة ڠضب، وإن ما حدث لم يكن سوى شجار بسيط خرج عن السيطرة بالكلام والانفعال. تنازلت عن البلاغ، وعاد كل شيء ظاهريًا إلى مكانه.
لكن بعض الأشياء، حتى لو تم التراجع عنها على الورق، لا تعود كما كانت في النفوس.
استمرت الحياة بينهما، لكن الشرخ ظل موجودًا. المشاحنات لم تتوقف، والكلام الحاد لم يختف، وفريد بدأ يشعر أنه يختنق داخل هذه الدائرة. صار يفكر في الرحيل، لا كټهديد عابر، بل كاحتمال جدي. تحدث معها أكثر من مرة عن الانتقال إلى مدينة أكبر مثل لييج، حيث الفرص أكثر والحياة أوسع، وربما يستطيعان هناك فتح صفحة جديدة بعيدًا عن ضغط المكان والعزلة.
وفي أوقات أخرى، كان يطرح فكرة السفر إلى ألمانيا. هناك، كما كان يقول، يوجد بعض أصدقائه الجزائريين وأقرباؤه. هناك ربما يجد من يفهمه، ومن يساعده، ومن يمنحه بداية مختلفة. لم تكن الفكرة بعيدة عنه، بل كان يكررها في لحظات الڠضب إذا استمر الوضع هكذا، سأجمع حقائبي وأرحل نهائيًا إلى ألمانيا.
كان هذا الټهديد حاضرًا في البيت. جملة تتكرر عند الشجار، وتترك خلفها قلقًا ثقيلًا. هل سيرحل فعلًا؟ هل سيترك البيت؟ هل سيأخذ معه شيئًا؟ هل سيختفي من حياة إيلواز وطفله؟ لا أحد كان يعرف. لكن المؤكد أن العلاقة لم تعد آمنة ولا مستقرة.
ثم جاء عام 2018.
كان ابن فريد قد بلغ الرابعة من عمره تقريبًا. طفل صغير لا يعرف شيئًا عن خلافات الكبار، ولا يفهم معنى الټهديد بالرحيل، ولا يستطيع أن يقرأ التوتر في الوجوه كما يقرأه البالغون. بالنسبة له، البيت