الجزائري الذي قُټل وډفن في حديقة منزله.. بينما ظل ابنه يلعب فوق قپره لثماني سنوات
المحتويات
هو البيت، والحديقة هي مكان اللعب، ووجود الأب والأم حوله هو العالم كله.
في صباح أحد الأيام، استيقظت إيلواز وأبلغت عن اختفاء فريد.
قالت إن فريد لم يعد موجودًا في المنزل. فتحت خزانته، وأخبرت من حولها أن ملابسه اختفت، وأنه جمع أغراضه ورحل. بدأت تكرر رواية واحدة في ظاهرها بسيطة فريد غادر البيت بإرادته، تركها هي وطفلهما، ومضى إلى مكان آخر. وربما، كما قالت للبعض، سافر إلى ألمانيا حيث أصدقاؤه وأقاربه. وربما، كما قالت لآخرين، عاد إلى الجزائر.
كانت القصة قابلة للتصديق لمن لا يعرف فريد جيدًا، خاصة أن الرجل نفسه كان ېهدد سابقًا بالرحيل. كأن إيلواز التقطت الجملة التي كان يرددها في لحظات الڠضب، وحولتها إلى تفسير كامل للاختفاء. لقد قال إنه سيرحل، وها هو قد رحل. بهذه البساطة.
لكن عائلة فريد في الجزائر لم تبتلع الرواية بسهولة. ربما يختلف الرجل مع زوجته، ربما يغضب، ربما يسافر، لكن أن يختفي تمامًا؟ أن يغلق هاتفه؟ أن ينقطع عن أهله؟ أن يترك طفله بهذه الطريقة؟ كان هذا كله أكبر من أن يُصدق. كان هناك شيء ناقص في الحكاية. فراغ لا تملؤه جملة سافر إلى ألمانيا ولا جملة عاد إلى الجزائر.
أما الشرطة البلجيكية، فلم تتعامل مع البلاغ في البداية باعتباره چريمة محتملة. في نظرهم، فريد رجل بالغ، ومن حقه أن يغادر منزله إذا أراد. لا توجد چثة، لا توجد آثار عڼف واضحة، لا توجد صړخة استغاثة، ولا يوجد دليل مباشر يقول إن مكروهًا حدث. زارت الشرطة المنزل، أجرت معاينة سريعة، لم تجد ما يثير الشك بشكل قاطع، ثم أُغلق الملف وحُفظ باعتباره اختفاء شخص بالغ ربما قرر أن يبدأ حياة جديدة في مكان آخر.
وهنا بدأت
السنوات الطويلة.
مع مرور الوقت، بدأ الجيران يتعاطفون مع إيلواز. في نظرهم، كانت امرأة تُركت فجأة، وجدت نفسها وحدها مع طفل صغير، تتحمل أعباء البيت والتربية والحياة. البعض ربما رأى فيها ضحېة رجل غادر بلا رحمة. والبعض ربما صدق أنها تحاول فقط أن تتماسك بعد صدمة الهجر. كانت تظهر أمامهم كامرأة متعبة، لكنها صامدة. أم وحيدة تكافح وتربي ابنها، بينما الأب اختفى بلا أثر.
لكن خلف هذه الصورة، كانت هناك أسئلة لا ټموت.
هاتف فريد أغلق. حسابه البنكي توقف. لا رسالة، لا اتصال، لا ظهور في ألمانيا، لا عودة إلى الجزائر، لا أي علامة حياة. لم يكن الأمر يشبه رجلًا قرر فقط أن يترك علاقة فاشلة. كان يشبه شخصًا ابتلعه الفراغ.
مرت سنة، ثم سنتان، ثم ثلاث. ومع كل عام، كان الغبار يتراكم فوق الملف. الناس تنسى، الحياة تمضي، الطفل يكبر، والبيت نفسه يظل قائمًا كما هو. إيلواز عاشت حياتها في المنزل ذاته ببلدة فيزي. ظلت تدخل وتخرج، تستقبل أيامها، تربي ابنها، وتتعامل مع الجيران بشكل طبيعي. لا شيء في مظهر الحياة اليومية كان يقول إن تحت هذا الهدوء سرًا ثقيلًا ينتظر من يزيح عنه الغطاء.
مرت ثماني سنوات كاملة.
من عام 2018 حتى عام 2026، بقي اسم فريد بوزيد معلقًا بين احتمالين رجل هرب وترك أسرته، أو رجل حدث له شيء لم يعرفه أحد. عائلته ظلت أقرب إلى الاحتمال الثاني. كانوا يشعرون أن فريد لم يكن ليختفي هكذا. لكن الشعور وحده لا يكفي لفتح قبر، ولا يكفي لإجبار الشرطة على إعادة التحقيق، ولا يكفي لإثبات أن القصة المعلنة ليست سوى واجهة.
في عام 2026، حدث ما لم تكن إيلواز تتوقعه.
عُيّن ضابط جديد ومحقق كفء في شرطة المنطقة. بدأ الرجل يراجع الملفات القديمة المعلقة، تلك الملفات التي ينام بعضها في الأدراج لسنوات، لا لأن الحقيقة غير موجودة، بل لأن أحدًا لم يمد يده في الوقت المناسب ليفتش عنها. وبين هذه الملفات، توقف أمام ملف فريد بوزيد.
لم يكن الملف كبيرًا في الظاهر. رجل اختفى، شريكته قالت إنه رحل، الشرطة لم تجد شيئًا، وانتهى الأمر. لكن المحقق لم يكتفِ بهذه الخلاصة. في بعض القضايا، لا تكون المشكلة في غياب التفاصيل، بل في أن التفاصيل الموجودة لم تُقرأ بالطريقة الصحيحة. قرر فتح التحقيق من جديد.
بدأ المحقق يسأل. عاد إلى الجيران، واستمع إلى ما يتذكرونه من تلك الفترة. سأل عن فريد، عن علاقته بإيلواز، عن يوم اختفائه، عن كلامها بعد غيابه، وعن أي تصرف غريب حدث في الأسابيع التالية. كما أعاد سؤال إيلواز نفسها، محاولًا أن يسمع الرواية من جديد بعد ثماني سنوات.
وهنا بدأت الخيوط الرفيعة تظهر.
لاحظ المحقق تناقضًا في أقوال إيلواز. لم تكن روايتها ثابتة تمامًا. بعض الجيران قالوا إنها أخبرتهم أن فريد ذهب إلى ألمانيا. آخرون قالوا إنها ذكرت الجزائر. قد يبدو الفارق بسيطًا، لكن في التحقيقات لا تكون التناقضات الصغيرة بريئة دائمًا. إذا كان الإنسان يعرف حقيقة واضحة، فلماذا تتغير الوجهة من شخص لآخر؟ ولماذا لم يكن هناك دليل واحد على أنه وصل إلى أي مكان؟
لكن التناقض وحده لم يكن كافيًا.
ثم ظهرت المعلومة التي غيرت كل شيء.
أحد الجيران تذكر أن إيلواز، بعد اختفاء فريد بنحو شهر واحد فقط، بدأت تتحدث عن رغبتها في صب الإسمنت وإنشاء تراس في الحديقة. قالت لهم إنها تريد تغيير جو البيت، وأنها تحتاج إلى مساحة تساعدها على الخروج من حالة الكآبة والحزن بعد
رحيل فريد. كانت
متابعة القراءة