أخ وأخته اختفوا 4 سنين… حصرى روايات احمد عمار

لمحة نيوز

التشكيك في الأدلة.
لكن الخبير عرض أداة صناعة آثار الأقدام.
ثم قارنها بالآثار الموجودة في مكان الحاډث القديم.
كانت العلامات متطابقة.
ثم عرضوا خدوش الأشجار.
وكانت الأداة نفسها قد تركت نمطًا مطابقًا.
ثم عُرضت الصور.
ثم السجلات.
ثم شهادة الأخت.
ثم شهادة الأخ.
وأثناء المحاكمة
سُئل الرجل
ليه عملت كل ده؟
ظل صامتًا.
ثم قال
كانوا شافوا حاجة ماكانش المفروض يشوفوها.
المحقق الذي كان حاضرًا قال
وبدل ما تواجه اللي عملته، حاولت تخلي الناس تفتكر إن الطبيعة هي السبب.
الرجل لم يرد.
لكن الأدلة كانت قد قالت كل شيء.
صدر الحكم.
تمت إدانته بالاختطاف والحبس القسري والاعتداء والټعذيب والچرائم المرتبطة بنشاطه غير القانوني في الغابة.
وأدين الشخص الآخر الذي ساعده في عملية الاختطاف بالقدر الذي أثبتته الأدلة ضده.
وبذلك
انتهت القضية.
لكن العائلة لم تكن محتاجة حكم المحكمة فقط.
كانت محتاجة ترجع البيت.
مع أولادها.
الشفاء لم يكن سهلًا.
الأخ احتاج وقتًا طويلًا.
كان يرتعب من الأماكن المغلقة.
وكان ينام والباب مفتوحًا.
وكان يصعب عليه سماع أصوات قوية.
أما أخته
فكانت أحيانًا تستيقظ من النوم وهي فاكرة نفسها ما زالت في الغابة.
لكن هذه المرة
كان كل واحد منهما موجودًا للآخر.
لو هو خاف
هي موجودة.
لو هي اڼهارت
هو موجود.
بعد شهور من العلاج
عادوا إلى البيت.
الأم دخلت غرفة ابنتها.
كل شيء كان كما تركته.
دفتر الرسم القديم.
الكتب.
الصور.
والملابس.
وضعت الأخت يدها على السرير.
وقالت
كنت فاكرة إني مش هشوفه تاني.
الأم قالت
وأنا كنت فاكرة إني مش هشوفك إنتِ ولا أخوكي.
ثم حضنتها.
أما الأب
فدخل غرفة ابنه.
وجد الخريطة القديمة.
نفس الخريطة التي أخذها معه يوم الرحلة.
احتفظ بها الأب طوال السنوات.
الشاب أخذها.
فتحها.
نظر إليها.
ثم ضحك ضحكة صغيرة.
الأب سأله
بتضحك على إيه؟
قال
عشان الخريطة كانت بتقول إن الطريق آمن.
الأب سكت.
فقال
بس كان فيه حاجة ما كانتش مكتوبة.
إيه؟
إن في إنسان هيغير الطريق.
الأب قال
بس إنت رجعت.
الشاب رد
رجعنا.
بعد سنة
الأخ رجع للدراسة.
لم يكن يستطيع الذهاب للغابة.
فكان يدرس من البيت فترة.
ثم عاد للجامعة تدريجيًا.
وكان مشروع تخرجه عن تصميم الملاجئ الآمنة في المناطق النائية.
أما أخته
فبدأت ترسم من جديد.
لكن رسوماتها تغيرت.
لم تعد ترسم الغابة فقط.
كانت ترسم الأبواب.
الأبواب المفتوحة.
النوافذ.
الطرق.
والضوء.
وفي أول لوحة عرضتها
رسمت أخًا وأخته يمشيان بين الأشجار.
خلفهما ظل كبير يشبه الدب.
لكن أمامهما
كان هناك باب مفتوح.
وعلى الباب شريط أزرق.
سألها أحدهم
ليه الأزرق؟
قالت
لأن اللون ده أنقذنا.
إزاي؟
قالت
كنت بقطع من هدومي وأسيبه ورايا.
عشان الشرطة؟
هزت رأسها.
لأ.
ثم ابتسمت.
في البداية كنت بعمله عشان أخويا يعرف إني عديت من هنا.
بعد فترة
عادوا للغابة.
المرة دي لم يكن هناك خوف.
كان الأب والأم معهم.
والأخ والأخت يمشون أمامهم.
وصلوا إلى نفس المنطقة.
نفس الأشجار.
نفس الطريق.
لكن المرة دي
مافيش حد بيجري.
مافيش حد بيستخبى.
مافيش حد بيبص وراه.
الأب وقف.
قال
هنا؟
الأخ أشار
هنا بدأ كل شيء.
الأم قالت
مش عايزة أفضل هنا كتير.
الأخت قالت
إحنا مش جايين نفتكر اللي حصل.
الأب سأل
أمال جايين ليه؟
نظرت لأخيها.
وقالت
عشان ننهيه.
مشوا لحد الشجرة الكبيرة.
الأخ لمس جذعها.
ثم قال
فاكرة العلامات؟
قالت
كلها.
كنتِ
فاكرة إني هلاقيها؟
كنت متأكدة.
ضحك.
حتى وإنتِ هاربة؟
قالت
خصوصًا وأنا هاربة.
ثم أخرجت من جيبها شريطًا أزرق.
الأب قال
هتربطيه؟
هزت رأسها.
لأ.
ليه؟
فتحت إيدها.
تركت الشريط يقع على الأرض.
وقالت
خلاص.
خلاص إيه؟
مش محتاجين علامات تاني.
وقف الأخ ينظر إلى الغابة.
أربع سنين من حياته مرت هنا.
أربع سنين من الخۏف.
الجوع.
العزلة.
الأبواب المقفولة.
الأصوات المفاجئة.
لكن الغريب
إن أول شيء فكر فيه لم يكن الخاطف.
كان أخته.
قال
أكتر حاجة خلتني أستحمل
سكت.
الأب سأله
إيه؟
قال
كنت كل ما أحس إني خلاص هنهار، أفتكر إن أختي أكيد لسه بتحاول.
أخته بكت.
وقالت
وأنا كنت بفتكر إنك مستنيني.
قال
كنت مستني.
قبل ما يمشوا
الأب وقف أمام الشجرة.
وقال
أربع سنين وأنا كنت باجي هنا أدور عليكم.
الأخ قال
عارف.
الأب استغرب.
عرفت إزاي؟
قال
من العلامات.
إيه؟
في آخر فترة، كنت بسمع عربيات من بعيد.
ثم ابتسم.
كنت عارف إنك بتيجي.
الأب لم يستطع الكلام.
حضنه.
خرجوا من الغابة.
وصلوا للعربية.
هذه المرة
لم يكن هناك شخصان يدخلانها ويتركان والديهما ينتظران.
كان الأربعة موجودين.
الأم في الأمام.
الأب يقود.
والأخ والأخت في الخلف.
قبل ما يتحركوا
الأب بص لهم من المرآة.
وقال
جاهزين؟
الأخ قال
أيوه.
الأخت قالت
بس المرة دي مفيش مغامرات.
الأخ ضحك.
متأكدة؟
متأكدة.
الأب
شغل العربية.
وتحركوا.
بعد شهور
أُغلقت القضية رسميًا.
لم يعد هناك مفقودان.
لم يعد هناك احتمال هجوم دب.
لم يعد هناك سؤال عن الملابس.
ولا عن المخبأ.
ولا عن الشريط الأزرق.
كل شيء أصبح له تفسير.
الآثار المزيفة كانت جزءًا من الخطة.
الأغراض التي وجدت كانت موضوعة عمدًا.
المخبأ كان بعيدًا عن نطاق البحث الأول.
ثم استخدم الخاطف مخابئ متعددة لتجنب اكتشافه.
الأخ ظل حيًا لأن الخاطف كان يخشى قټله وترك دليل، وكان يستخدمه تحت السيطرة.
الأخت هربت بعد حوالي عام ونصف.
وأصيبت بعدها وفقدت جزءًا كبيرًا من ذاكرتها، ولذلك لم تستطع تحديد هويتها أو مكانها.
الشريط الأزرق كان علامتها.
الدفتر كان دليلها.
والأخ كان يملك الخريطة في ذاكرته.
والخاطف ترك وراءه بنفسه الأدوات والسجلات والصور التي أسقطته.
لم يكن هناك دب.
الدب كان مجرد قصة صنعها إنسان.
لكن أقوى دليل
لم يكن في المحكمة.
كان في بيت العائلة.
بعد مرور وقت طويل
كانت الأم تنظف صندوقًا قديمًا.
وجدت دفتر أختها.
فتحته.
في آخر صفحة
كانت هناك جملة لم يرها أحد من قبل.
ربما كانت قد كتبتها قبل هروبها.
قرأتها الأم.
ثم نادت أولادها.
جاء الأخ والأخت.
قالت الأم
شوفوا.
أعطتهم الدفتر.
في الصفحة الأخيرة
كانت مكتوبة جملة واحدة
لو خرج واحد فينا التاني هيفضل مستنيه.
الأخ قرأها.
ثم نظر لأخته.
قال
إنتِ كنتِ واثقة.
قالت
وإنت؟
قال
أنا كمان.
الأب سأل
رغم الأربع سنين؟
قال
رغم الأربع سنين.
وفي نفس الليلة
وضعوا الدفتر في إطار زجاجي.
ليس كتذكار للخطڤ.
ولا كتذكار للألم.
لكن كتذكار لشيء آخر.
لأن أربع سنين من العزلة لم تستطع أن تمحو الرابط بين أخ وأخته.
الرجل كان عنده مخابئ.
وكان عنده أدوات.
وكان عنده جلد دب.
وكان عنده خطة كاملة.
لكن لم يكن عنده شيء واحد
إنه يمنعهم من الأمل.
وبعد سنوات
لو حد سألهم
إيه اللي حصل يوم اختفيتوا؟
كانوا يحكوا القصة.
لكنهم كانوا يتوقفون عند نقطة معينة.
الأخ يقول
الناس افتكرت إن الدب أخدنا.
الأخت تكمل
لكن الحقيقة إن الإنسان هو اللي عمل كده.
ثم يسكتان.
لأن النهاية الحقيقية لم تكن يوم القبض على الخاطف.
ولا يوم ظهور الأدلة.
ولا حتى يوم رجوعهما إلى البيت.
النهاية الحقيقية كانت يوم دخلوا الغابة للمرة الأخيرة
وخرجوا منها بإرادتهم.
وفي آخر مرة سألوهم فيها عن جلد الدب
قال الأخ
أنا مش فاكر شكله.
المذيع سأله
إزاي؟
قال
فاكر إني كنت لابسه.
ومش فاكر شكله؟
ابتسم.
لأ.
ليه؟
بص لأخته.
ثم قال
عشان أنا مش عايز أفتكر نفسي بالشكل ده.
سكت لحظة.
أنا عايز أفتكر اليوم اللي خلعته فيه.
أما أخته
فقالت
وأنا مش عايزة الناس تفتكرنا كأخ وأخت اختفوا في الغابة.
تحبوا الناس تفتكركم بإيه؟
بصت لأخوها.
وقالت
بأخ وأخته دخلوا الغابة بالغلط
وخرجوا منها سوا.
كانت الجملة الأخيرة هي كل الحكاية.
لأنهم فعلًا دخلوا
الغابة اتنين.
اتخطفوا اتنين.
اتعذبوا اتنين.
واحد فيهم هرب.
والتاني فضل يقاوم.
لكن في النهاية
رجعوا اتنين.
الخاطف أراد أن يجعلهم مجرد اسمين في ملف مفقودين.
وأراد أن يجعل الدب هو المتهم.
وأراد أن يجعل الغابة شاهدًا صامتًا.
لكنه نسي شيئًا واحدًا
الغابة ممكن تخبي الأجساد
لكنها لا تستطيع أن تمحو الأدلة.
والسنين ممكن تغيّر الوجوه
لكنها لا تمحو الذاكرة بالكامل.
والخۏف ممكن يسكت الإنسان
لكن لا يستطيع إلى الأبد أن يمنعه من محاولة النجاة.
وفي النهاية
الأخ رجع.
الأخت رجعت.
الأب والأم استعادوا أولادهم.
والخاطف لم يختفِ خلف الغابة.
اتحاكم.
واتحاسب.
والقضية اتقفلت.
أما جلد الدب
فلم يعد رمزًا للخوف.
صار مجرد قطعة من دليل قديم
دليل على أن أكبر كڈبة في القضية كلها كانت أن الطبيعة هي التي أخذتهم.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى
الدب ماخدهمش.
الغابة ماخدتهمش.
السنين ماقدرتش تفرقهم.
والإنسان اللي حاول يدفن الحقيقة هو نفسه اللي ساب الأدلة اللي كشفتها.
وفي آخر ليلة قبل ما العائلة تنام
الأب سأل من الصالة
حد هيخرج بكرة؟
الأخ رد
لأ.
الأخت ضحكت
وخصوصًا أنا.
الأم قالت
الحمد لله.
الأخ قال
بس لو خرجنا
الأب صړخ
مفيش خروج!
ضحكوا كلهم.
ضحكة بسيطة.
عادية.
لكن بالنسبة لعيلة قضت أربع سنين مستنية صوت مفتاح على الباب
كانت الضحكة دي أهم من أي شيء.
لأن البيت أخيرًا
ما بقاش مستني حد يرجع.
كلهم كانوا موجودين.
وهذه المرة
قبل العشا.

تم نسخ الرابط