لما كملت 18 سنة أبويا طلب مني ألف جنيه إيجار كل شهر مقابل الأوضة اللي بنام فيها في بيته.

لمحة نيوز

لما كملت 18 سنة، أبويا طلب مني ألف جنيه إيجار كل شهر مقابل الأوضة اللي بنام فيها في بيته. فضلت خمس سنين شايل منه، وحاسس إنه مش شايفني ابنه أصلًا. لكن بعد ما مات، جه أعز أصحابه وسلّمني صندوق قديم، وقال لي جملة عمري ما هنساها
أبوك وصّاني ما أديكش الصندوق ده غير بعد ما يموت.
أنا اسمي أحمد، وأمي ماتت وأنا عندي تسع سنين. من يومها، حياتي اتغيّرت تمامًا.
أبويا، محمود، كان راجل بيشتغل كتير، يرجع البيت آخر الليل، يحط فلوس الأكل على الترابيزة، ويسألني لو محتاج حاجة للمدرسة. لكنه عمره ما سألني كنت مبسوط ولا زعلان، ولا إيه اللي حصل معايا طول اليوم.
كان موجود في البيت، لكن عمري ما حسيت إنه قريب مني.
فاكر مرة وأنا عندي حوالي 13 سنة، رجعت من المدرسة وجزمة الكوتشي بتاعتي كانت بتسرّب مية من تحت. دخلت عليه وهو قاعد قدام التلفزيون، وقلت له
يا بابا، ممكن نجيب كوتشي جديد؟ ده بقى بيدخل مية لما الدنيا تمطر.
بص لي من غير ما يغيّر تعبير وشه، وقال
البس شراب تقيل وخلاص. مش كل حاجة تبوظ نجري نشتري غيرها.
سكت ودخلت أوضتي. كنت عارف إن الظروف مش أحسن حاجة، لكن اللي وجعني مش الكوتشي. اللي وجعني إني كنت محتاج أحس إنه مهتم بيا، حتى لو مش معاه فلوس.
عدّت السنين، وكبرت، ودخلت عيد ميلادي التمنتاشر وأنا فاكر إن الدنيا أخيرًا هتتغير، وإن أبويا ممكن يعاملني كرجل كبير ويقرب مني شوية.
لكن في صباح يوم عيد ميلادي، كنت قاعد على ترابيزة المطبخ، فحط قدامي ورقة صغيرة وقال
من أول الشهر الجاي، هتدفع ألف جنيه إيجار الأوضة بتاعتك.
افتكرت إنه بيهزر، فضحكت وقلت
إيه يا بابا؟ هو أنا بقيت غريب في البيت؟
رد ببرود
إنت كبرت، والراجل لازم يشيل مسؤولية نفسه.
فضلت باصص له مستني يبتسم، لكنه رجع يشرب الشاي كأن الموضوع انتهى.
من اليوم ده، بدأت أشتغل بعد المدرسة، وبعد ما خلصت دراستي، اشتغلت في مخزن بقالة، وبقيت أساعد في نقل البضاعة وترتيبها مقابل مرتب على قدّه.
كنت بدفع الألف جنيه أول كل شهر، وأحاول أوفّر الباقي عشان أجيب عربية مستعملة وأستقل بحياتي.
لكن كل ما أحوش مبلغ، تحصل حاجة. مرة العربية اللي كنت بستخدمها في الشغل عطلت، ومرة الشغل قلّل ساعاتي، ومرة اضطرّيت أساعد في مصاريف البيت لما الفلوس ضاقت.
وفي كل مرة، كان أول الشهر ييجي، وأبويا يمد إيده ياخد الألف جنيه من غير ما ينطق بكلمة.
الغريب إنه كان ساعات يرجع البيت ومعاه صنارة صيد جديدة، أو يشتري حاجات لنفسه، بينما أنا كنت بصلّح الجزمة القديمة وأقول لنفسي إنها لسه تستحمل شوية.
علاقتنا بقت أسوأ يوم بعد يوم. ممكن يعدّي أسبوع كامل من غير ما نتكلم. نتصادف في الطرقة، نبص لبعض لحظة، وكل واحد يدخل أوضته.
كنت بقول لنفسي إن أول ما أقدر أمشي من البيت، مش هبص ورايا.
ما كنتش أعرف إن الحياة هتديني الفرصة دي بطريقة ما تمنّيتهاش أبدًا.
بعد خمس سنين، وفي يوم عادي جدًا، جالي اتصال من المستشفى.
أبويا اتوفى فجأة.
وقفت مكاني مش مستوعب. ما كنتش عارف أعيط ولا أتكلم. رغم كل اللي كان بينا، لما وصلت المستشفى وشفت سريره فاضي، حسيت إن جزءًا من حياتي اتقفل من غير ما أكون مستعد.
بعد العزا، رجعت البيت لوحدي. لقيت شبشبه جنب الباب، وكوباية الشاي بتاعته لسه في المطبخ. وقفت قدام أوضته وقت طويل، وافتكرت كل المرات اللي كنت أتمنى فيها إنه يفتح الباب ويسألني مالك يا أحمد؟
كنت زعلان منه، لكن الحقيقة إني كنت لسه مستني منه كلمة حلوة.
بعد المغرب بيومين، خبط على الباب راجل اسمه عم حسن، صاحب أبويا من أيام الشباب. كان راجل طيب، أعرفه من وأنا صغير، لكنه المرة دي كان وشه جاد، وفي إيده صندوق كرتون قديم متقفل بشريط لاصق.
قال لي
البقاء لله يا أحمد. أبوك سايب لك أمانة عندي، ووصّاني ما أسلّمهالكش غير بعد وفاته.
حط الصندوق على ترابيزة المطبخ.
ضحكت بسخرية وقلت
يا ترى سايب لي إيه؟ كشف حساب الألف جنيه اللي كان بياخدهم مني كل شهر؟
عم حسن ما ضحكش. فضل باصص لي، وبعدين قال
افتح الصندوق الأول، وبعدها احكم.
قعدت على الكرسي، وبدأت أفك الشريط اللاصق. إيدي كانت بتترعش من غير ما أفهم السبب.
رفعت الغطا، وبصيت جوه.
في البداية، ما فهمتش أنا شايف إيه.
كان فيه دفاتر بنكية، وإيصالات إيداع، وأوراق متجمعة في ملفات صغيرة، وفوقهم جواب في ظرف أبيض مكتوب عليه بخط أبويا
لابني أحمد.. افتح بعد وفاتي.
مسكت الجواب وفتحته بسرعة.
كان مكتوب فيه
يا أحمد،
لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا، ومابقاش عندي فرصة أقول لك الكلام اللي عجزت أقوله وإنت عايش معايا.
أنا عارف إنك شايل مني، وعارف إنك سنين طويلة حسيت إني غريب عنك، وإنك كنت عايش في بيتي كأنك ضيف لازم يدفع تمن وجوده.
مش هطلب منك تسامحني، لأن من حقك تزعل مني.
لكن فيه حاجة لازم تعرفها عن أمك.
قبل ما أمك تموت، كانت عارفة إن مرضها خطير، وإنها ممكن ما تلحقش تشوفك وإنت بتكبر. في آخر أيامها، طلبت مني وعد واحد.
قالت لي يا محمود، أنا مش خايفة على أحمد من قلة الفلوس قد ما أنا خايفة عليه من الدنيا. علّمه يعتمد على نفسه، وخليه يعرف قيمة تعبه، لكن أوعى تحسسه إنه لوحده.
وعدتها إني أعمل كده.
لكن بعد ما ماتت، ما عرفتش أربيك من غيرها. كنت بخاف عليك، وفي نفس الوقت ما كنتش بعرف أعبّر عن خوفي ولا حبي. كنت فاكر إن الشدة هتخليك قوي، وإن السكوت هيعلّمك الرجولة.
ما فهمتش غير متأخر إني كنت ببعدك عني بدل ما أقربك.
كل شهر كنت بتدفع لي فيه ألف جنيه إيجار، كنت بحطهم في حساب باسمك. وكنت بزود عليهم من مرتبي على قد ما أقدر.
الفلوس دي بتاعتك يا ابني. مش تمن سكوتك، ولا تمن مسامحتك ليا. دي محاولة متأخرة مني إني أديك بداية أحسن من البداية اللي أنا قدرت أوفرها لنفسي.
سامحني لو
 

تم نسخ الرابط