لما كملت 18 سنة أبويا طلب مني ألف جنيه إيجار كل شهر مقابل الأوضة اللي بنام فيها في بيته.
قدرت، لكن لو ما قدرتش، أتمنى على الأقل تعرف إنك عمرك ما
كنت حمل تقيل عليّ.
وصلت لآخر سطر، وحسيت إن نفسي اتقطع.
بصيت لعم حسن وقلت بصوت مبحوح
الكلام ده حقيقي؟ كل الفلوس دي باسمي؟
هز راسه وقال
أيوه يا ابني. أنا كنت بروح معاه البنك أحيانًا. كان بيحط الفلوس بنفسه، وكل مرة كان يقولي دي عشان أحمد. نفسي لما يكبر يلاقي حاجة تساعده يعيش أحسن مني.
رجعت أبص في الصندوق، وبدأت أراجع الإيصالات.
كان فيه إيداع بألف جنيه في أول كل شهر، من يوم ما كملت 18 سنة. لكن ده ما كانش كل شيء. كان بيضيف مبالغ تانية من فلوسه، مرة ألفين، ومرة خمسة آلاف، وفي شهور كان بيحط مبلغ أكبر لما يقدر.
وبين الأوراق، لقيت كشف الحساب الأخير.
بصيت للرقم المكتوب في آخر الصفحة، وفضلت أحدّق فيه كأني مش قادر أقرأ.
كان الرصيد مليون وسبعمية ألف جنيه.
حطيت إيدي على وشي، وانفجرت في العياط.
خمس سنين كاملة كنت فاكر إنه بياخد مني فلوسي عشان يستفيد بيها. خمس سنين كنت بشوفه راجل بخيل، مش فارق معاه غير نفسه.
والحقيقة إن كل جنيه دفعته، كان موجودًا هناك، ومعاه فلوس من تعبه هو.
لكن وأنا ببكي، ما كنتش ببكي عشان المبلغ كبير. كنت ببكي عشان افتكرت كل مرة احتجت فيها أحضنه، أو أسمع منه إنه فخور بيا، وما لقيتش غير الصمت.
مد عم حسن إيده للصندوق، وطلع صورة قديمة لأمي وهي شايلاني وأنا طفل. كان مكتوب على ظهرها بخطها
لأحمد حبيبي.. أتمنى تكبر وتبقى إنسان طيب، وتعرف إنك أغلى حاجة في حياتي.
وتحت كلامها، أبويا كاتب
ما عرفتش أكون الأب اللي كنت محتاجه بعد ما أمك مشيت. خفت أفشل في حمايتك، فاخترت الطريق الغلط. حقك عليّ يا ابني.
ضميت الصورة لصدري، وحسيت إني لأول مرة بعيط على أمي وأبويا مع بعض.
بعد كام يوم، رحت البنك، واتأكدت إن الحساب باسمي فعلًا. الموظف شرح لي الإجراءات، وعرفت إن الفلوس ممكن تساعدني أشتري شقة صغيرة وأبدأ حياة مستقرة.
لكنني ما استخدمتهاش فورًا.
احتفظت بالجواب والصورة في درج جنب سريري. وكل ما افتكر السنين اللي عشتها وأنا حاسس إني مش محبوب، كنت أقرأ كلام أبويا مرة تانية.
بدأت أفهمه، لكن ده ما كانش معناه إن الوجع اختفى.
هو كان بيحبني، ويمكن فعلًا كان بيحاول يأمّن مستقبلي، لكنه أخطأ لما افتكر إن الفلوس ممكن تعوّض عن كلمة حلوة، وإن المسؤولية لازم تيجي من غير حنان.
بعد حوالي شهر، اتصل بيا عم حسن وقال لي إن فيه حاجة أخيرة لازم أعرفها.
قبل وفاة أبويا بأيام، سأله
يا حسن، تفتكر أحمد هيسامحني يوم من الأيام؟
عم حسن قال له إنه ما يعرفش.
أبويا سكت شوية، وبعدين قال
أنا مش عايزه يسامحني عشان الفلوس. أنا بس عايزه يعرف إنه ما كانش يومًا عبء عليّ.
قفلت المكالمة، وفضلت قاعد قدام صورة أمي وقت طويل.
قررت أستخدم جزءًا من الفلوس في مشروع صغير كنت بحلم أبدأه من سنين، وأسيب الباقي لمستقبلي.
ما عملتش كده عشان أرد الجميل لأبويا، ولا عشان أثبت إنه كان صح. عملت كده لأن دي كانت فرصتي أبدأ حياة مختلفة.
وبعد شهور، وأنا برتب حاجات أمي القديمة، لقيت ورقة صغيرة مطوية جوه إطار صورتها. كان فيها رقم تليفون، وجملة بخط أبويا
لو حبيت تعرف عن أمك أكتر، كلم مدام نادية.
اتصلت بالرقم، وردت عليّ ست كبيرة في السن. أول ما عرفت أنا مين، سكتت لحظة، وبعدها قالت
كنت مستنياك يا أحمد. أبوك طلب مني أديك جواب أمك لما تبقى مستعد.
قابلتها بعد يومين، وسلمتني ظرفًا قديمًا. كانت أمي كاتباه قبل وفاتها، وبتقول فيه إنها كانت خايفة ما تلحقش تشوفني وأنا شاب، لكنها كانت بتتمنى أشوف نفسي بعين الرحمة، وما أخليش قسوة الدنيا تغيّر قلبي.
وفي آخر الجواب، كتبت
يا أحمد، لو حسيت يومًا إنك لوحدك، افتكر إنك كنت محبوبًا قبل ما تعرف حتى معنى الحب. ولو أبوك أخطأ في التعبير عن مشاعره، ما تخليش أخطاءه تمنعك إنك تبقى إنسانًا أحنّ منه.
قرأت الجواب أكتر من مرة، وحطيته جنب جواب أبويا.
لأول مرة، فهمت إني مش مضطر أختار بين إني أحب أبويا وإني أعترف إنه وجعني. الاتنين ممكن يكونوا حقيقة في نفس الوقت.
بعد سنتين، في ذكرى وفاة أبويا، رحت المقابر ومعايا صورة أمي والجوابين.
وقفت قدام قبره وقلت
يا بابا، أنا سامحتك. مش عشان اللي سبتُهولي، ولا عشان اللي عملته كان صح. سامحتك عشان مش عايز أفضل شايل الوجع ده طول عمري. بس والله كنت أتمنى أسمع منك وإنت عايش إنك بتحبني.
حطيت وردة بيضا، ومشيت.
ومن يومها، كل ما أحب حد، بحرص إني أقوله. وكل ما أغلط في حق حد، بحاول أعتذر بدل ما أستخبى ورا الصمت والكبرياء.
لأنني اتعلمت بالطريقة الأصعب إن الإنسان ممكن يحبك بصدق، لكنه يؤذيك بسبب خوفه أو عجزه عن التعبير.
وفهم أسباب الألم مش معناه إن الألم ما كانش حقيقي.
أبويا ساب لي مليون وسبعمية ألف جنيه، لكن أكبر حاجة ورثتها منه كانت درسًا عمري ما هنساه
ما تخلّيش اللي بتحبهم يقضوا عمرهم كله بيخمّنوا مكانتهم في قلبك. قول لهم إنك بتحبهم، وإنت لسه تقدر تقولها، لأن بعض الكلمات مهما كانت بسيطة، ممكن تفضل مستنياها طول العمر.