قصة فريد بوزيد وأحداثها الحقيقية
بدأت حكاية فريد بوزيد من الجزائر، من بيت بسيط يعرف معنى السعي والاعتماد على النفس. لم يكن فريد شابًا صاخبًا أو باحثًا عن مغامرة عابرة، لكنه كان مثل كثير من الشباب الذين يحلمون بفرصة أوسع وحياة أكثر استقرارًا.
كبر فريد وسط عائلة محترمة، وكان يحلم بأن يصنع لنفسه طريقًا مختلفًا. ومع الوقت، تحولت فكرة السفر إلى أوروبا من حلم بعيد إلى قرار حقيقي. سافر إلى بلجيكا، وبدأ هناك حياة جديدة من الصفر، يعمل في أعمال مختلفة، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا في بلد لا يعرفه جيدًا.
وفي عام 2014، دخلت امرأة بلجيكية تُدعى إيلواز إلى حياته. كانت تعمل في مجال الرعاية المنزلية، تتردد على بيوت كبار السن وتساعدهم في متابعة أدويتهم واحتياجاتهم الصحية اليومية. بدت في البداية امرأة هادئة، تعمل في مهنة إنسانية، وتملك خبرة في التعامل مع المرضى وكبار السن.
نشأت علاقة بين فريد وإيلواز، ثم انتقلا للعيش معًا في منزلها ببلدة فيزي القريبة من مدينة لييج. وفي العام نفسه رُزقا بطفلهما الأول، ليجد فريد نفسه أمام مسؤولية جديدة، ومساحة أمل مختلفة في غربته.
كان ابنه نقطة مضيئة في حياته. لم تعد الغربة مجرد عمل وسكن ومحاولات للثبات، بل أصبح هناك طفل يحمل اسمه ويمنحه سببًا إضافيًا للبقاء والصبر. عرفه الجيران كرجل بشوش، يتعامل ببساطة، يضحك أحيانًا، ويحاول أن يبدو طبيعيًا وسط تفاصيل الحياة اليومية.
لكن ما كان يبدو هادئًا من الخارج، لم يكن كذلك من الداخل.
مع مرور الوقت، بدأت الخلافات بين فريد وإيلواز تتزايد. لم تكن مجرد مشكلات عابرة بين شريكين، بل تراكمًا من اختلاف الطباع والثقافات وطريقة التفكير. أحيانًا تبدأ المشكلة بكلمة، وأحيانًا يكون الصمت نفسه كافيًا ليزيد المسافة بينهما.
في عام 2016، وصلت العلاقة إلى محطة رسمية حين تقدمت إيلواز ببلاغ ضد فريد تتهمه فيه بالإساءة إليها، لكنها عادت بعد أيام وتراجعت عن البلاغ، وقالت إن ما حدث كان نتيجة لحظة ڠضب وخلاف عابر خرج عن السيطرة بالكلام والانفعال.
ظاهريًا، عاد كل شيء إلى مكانه. لكن بعض الأمور، حتى لو انتهت على الورق، تترك أثرًا في النفوس.
استمرت العلاقة، لكن الشرخ ظل حاضرًا. بدأت فكرة الرحيل تقترب من فريد أكثر من مرة. كان يتحدث أحيانًا عن الانتقال إلى مدينة أكبر مثل لييج، حيث الفرص أكثر والحياة أوسع. وفي أوقات أخرى، كان يذكر ألمانيا، حيث يوجد بعض أصدقائه وأقاربه، وكأنها باب جديد يمكن أن يبدأ منه إذا لم تستقر الأمور.
كانت هذه الجملة تتكرر في البيت ربما أرحل إلى ألمانيا.
ومع الوقت، تحولت من مجرد عبارة أثناء الخلافات إلى جزء من الصورة التي ستُستخدم لاحقًا لتفسير اختفائه.
في عام 2018، كان طفل فريد قد بلغ نحو الرابعة من عمره. طفل صغير لا يعرف شيئًا عن خلافات الكبار، ولا
يفهم معنى التوتر الذي يسكن البيوت حين تفقد العلاقات هدوءها.
وفي صباح أحد الأيام، أعلنت إيلواز أن فريد اختفى.
قالت إنه غادر المنزل، وإن ملابسه لم تعد موجودة، وإنه ربما قرر السفر إلى ألمانيا كما كان يقول سابقًا. وذكرت للبعض احتمال عودته إلى الجزائر. كانت الرواية، في ظاهرها، قابلة للتصديق رجل كان يتحدث عن الرحيل، ثم رحل بالفعل.
لكن عائلة فريد في الجزائر لم تستطع قبول هذه الحكاية بسهولة. ربما يغضب الإنسان، ربما يقرر الابتعاد، لكن أن ينقطع تمامًا عن أهله؟ أن يغلق هاتفه؟ ألا يرسل رسالة واحدة؟ ألا يترك أي أثر؟ كان في الأمر فراغ كبير لا تملؤه رواية السفر وحدها.
أما الشرطة البلجيكية، فلم تتعامل مع الأمر في البداية باعتباره قضية جنائية واضحة. فريد رجل بالغ، ومن الممكن قانونيًا أن يغادر بيته بإرادته. لم تكن هناك دلائل مباشرة على أن شيئًا غير طبيعي حدث. زارت الشرطة المنزل، وراجعت الأمر سريعًا، ثم ظل الملف لسنوات في منطقة رمادية شخص اختفى، وربما اختار أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا.
وهنا بدأت السنوات الطويلة.
مع مرور الوقت، بدأ الجيران يتعاطفون مع إيلواز. في نظرهم، كانت امرأة تُركت وحدها مع طفل صغير، تحاول أن تتحمل أعباء البيت والتربية والحياة. كانت تظهر أمامهم كأم متعبة لكنها صامدة، تحاول أن تكمل حياتها بعد رحيل مفاجئ.
لكن الأسئلة لم تختف.
هاتف فريد ظل مغلقًا. حساباته لم تُظهر نشاطًا واضحًا. لم يظهر في ألمانيا، ولم يصل إلى الجزائر، ولم يتواصل مع أحد من أهله. لم يكن الأمر يشبه رجلًا قرر فقط أن يبتعد