قصة فريد بوزيد وأحداثها الحقيقية
عن علاقة مرهقة. كان يشبه حكاية ناقصة، ينقصها مشهد لم يره أحد.
مرت سنة، ثم سنتان، ثم ثلاث. وكبرت المسافة بين يوم الاختفاء والحقيقة. الطفل كبر، والجيران اعتادوا الرواية، والبيت ظل قائمًا كما هو. لكن عائلة فريد بقيت تشعر أن هناك شيئًا لم يُكشف بعد.
مرت ثماني سنوات كاملة.
من عام 2018 حتى عام 2026، ظل اسم فريد بوزيد عالقًا بين احتمالين رجل غادر بإرادته، أو رجل حدث له أمر لم يعرفه أحد. وفي عام 2026، عاد الملف إلى الواجهة بطريقة غير متوقعة.
تولى محقق جديد مراجعة بعض الملفات القديمة، وتوقف أمام ملف فريد. في الظاهر، لم يكن الملف كبيرًا رجل اختفى، شريكته قالت إنه رحل، والتحقيق الأول لم يجد ما يثبت عكس ذلك. لكن المحقق لم يكتفِ بهذه الخلاصة.
بدأ يسأل من جديد. عاد إلى الجيران، واستمع إلى ما يتذكرونه عن تلك الفترة. سأل عن علاقة فريد بإيلواز، وعن الأيام التي سبقت اختفاءه، وعن كلامها بعد غيابه، وعن أي تصرف غريب حدث بعد ذلك.
وهنا ظهرت أول الخيوط.
لاحظ المحقق أن رواية إيلواز لم تكن ثابتة تمامًا. بعض الجيران قالوا إنها أخبرتهم أن فريد ذهب إلى ألمانيا، بينما
قال آخرون إنها تحدثت عن عودته إلى الجزائر. قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه في التحقيقات قد يكون علامة مهمة. إذا كانت تعرف وجهته فعلًا، فلماذا اختلفت الرواية من شخص لآخر؟
ثم ظهرت المعلومة الأهم.
أحد الجيران تذكر أن إيلواز، بعد اختفاء فريد بنحو شهر، بدأت تتحدث عن رغبتها في عمل تراس جديد في الحديقة. قالت وقتها إنها تريد تغيير أجواء البيت، وإنشاء مساحة تساعدها على الخروج من حالة الحزن والضغط بعد رحيل شريكها.
تعاطف الجيران معها، وساعدوها في نقل المواد وتجهيز المكان. بالنسبة لهم، كان الأمر لفتة إنسانية تجاه امرأة تعيش ظرفًا صعبًا. لم يكن أحد يتخيل أن هذا التراس الصغير سيصبح لاحقًا مفتاح القضية كلها.
عندما وصلت هذه المعلومة إلى المحقق، توقف أمامها طويلًا. لماذا بعد الاختفاء مباشرة؟ ولماذا في هذا المكان تحديدًا؟ وهل كان الأمر مجرد تغيير عادي في الحديقة، أم أن هناك شيئًا آخر وراءه؟
بدأت الشكوك تأخذ اتجاهًا جديدًا. حصلت الشرطة على إذن بالتفتيش، وفي يوليو 2026 عادت فرق التحقيق إلى منزل إيلواز. لكن هذه المرة، لم تكن الزيارة مثل الزيارة الأولى قبل سنوات. هذه المرة، كان البحث مركزًا على الحديقة، وعلى المنطقة التي أُنشئ فيها التراس.
بدأت أعمال الفحص أسفل الطبقة الخرسانية. وبعد فترة قصيرة، عثرت الفرق على آثار بشړية استدعت نقلها للفحص والتحليل.
وفي سبتمبر 2026، جاءت نتيجة التحاليل لتؤكد الحقيقة التي انتظرتها عائلة فريد سنوات طويلة الآثار التي عُثر عليها تعود إلى فريد بوزيد.
هنا اڼهارت الرواية القديمة.
لم يكن فريد قد سافر إلى ألمانيا، ولم يعد إلى الجزائر، ولم يختفِ بإرادته كما قيل. ظل طوال هذه السنوات قريبًا من البيت أكثر مما تخيل الجميع، بينما كانت القصة المعلنة تدور في اتجاه آخر تمامًا.
ألقت الشرطة القبض على إيلواز. ومع تطور التحقيق، اعترفت بما حدث، وقالت إن خلافًا وقع بينها وبين فريد في تلك الليلة عام 2018، وإنه كان يعاني من ألم شديد في الرأس. وبحكم عملها في مجال الرعاية، كان فريد يثق بها في الأمور المتعلقة بالأدوية.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، استخدمت إيلواز معرفتها الطبية بطريقة خاطئة وخطېرة، ما أدى إلى تدهور حالته وۏفاته داخل المنزل. ثم، بدلًا من إبلاغ الجهات المختصة بما حدث، اختارت إخفاء الحقيقة وبناء رواية الرحيل.
قالت لاحقًا إنها خشيت أن يكتشف طفلها الصغير الأمر أثناء لعبه في الحديقة، فقررت إنشاء التراس فوق المكان. وبمرور الوقت، صار التراس جزءًا عاديًا من البيت، يجلس فوقه الناس ويمرون بجواره دون أن يعرفوا السر الذي ظل مخفيًا لسنوات.
حاولت إيلواز أن تقدم ما حدث باعتباره غير مقصود، وأن الۏفاة جاءت نتيجة تصرف خاطئ أثناء لحظة اضطراب. لكن التحقيقات فتحت أسئلة أكبر لماذا لم تطلب المساعدة؟ لماذا لم تُبلغ الشرطة؟ ولماذا استمرت رواية السفر
لثماني سنوات كاملة؟
تم إيداع إيلواز قيد الإجراءات القانونية انتظارًا لما ستكشفه المحاكمة. أما فريد، فقد عادت حكايته أخيرًا إلى عائلته، بعد سنوات من الغياب والأسئلة والانتظار.
قضية فريد بوزيد لم تكن مجرد اختفاء رجل في بلد أوروبي. كانت حكاية عن رواية عاشت طويلًا، وعن أسرة تمسكت بالشك حتى ظهر الدليل، وعن حقيقة بقيت قريبة جدًا من البيت، لكنها احتاجت ثماني سنوات ومحققًا جديدًا حتى تخرج إلى النور.