قبل سبع أيام

لمحة نيوز

 

تحتي.
يعني إيه؟ الدكتور قاللي إني هموت!
أنا مش هقدر أوعدك بالشفاء، ومش هقلل من خطورة المرض. لكن التقدير الزمني اللي اتقالك مش مدعوم بالنتائج بالشكل الكافي. فيه علاجات لازم تتناقش فورًا، وفيه فحوصات لازم نكملها.
بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب.
هل ممكن أعيش؟
هل ممكن يكون لسه عندي وقت؟
ولا أنا بتعلق بأمل جديد عشان مش قادرة أواجه الحقيقة؟
قبل ما أمشي، سألته
مين اللي طلب المراجعة دي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
جهة خيرية تكفلت بالتقييم، وطلبت مننا إننا نحافظ على خصوصيتك.
جهة خيرية؟
افتكرت الرسالة.
طلعت الموبايل وبعت لآسر
إنت اللي عملت كده؟
رد بعد دقيقة
أنا طلبت إن حد مستقل يراجع التقرير. إنما العلاج والقرار الطبي مش بتوعي، ومش هخلي حد يضحك عليكي بأمل كداب.
كتبتله
ليه؟ إنت متعرفنيش.
المرة دي اتصل بيا.
صوته كان أعمق مما توقعت، وهادي بشكل غريب.
عشان لما كنت في سنك، عرفت يعني إيه تقف قدام باب أوضة مستشفى، وتحس إنك مش قادر تعمل حاجة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أختي الصغيرة ماتت وهي عندها تسعتاشر سنة. قضيت آخر أسبوع في حياتها وأنا فاكر إن الفلوس تقدر تصلّح كل حاجة. جبتلها أحسن دكاترة، وأغلى علاج، لكني ماكنتش بعرف أتكلم معاها. كنت كل يوم أقولها هتبقي كويسة، لحد ما ماتت وهي عارفة إني بكذب عشان خايف.
لأول مرة، سمعت في صوته وجع حقيقي.
يوم ما ماتت، وعدت نفسي إني لو قابلت حد تاني حاسس إنه لوحده بالشكل ده، مش هسيبه من غير ما أحاول أساعده.
سألته بهدوء
وعشان كده بتساعدني؟
أيوه.
طب إنت بتشتغل إيه يا آسر؟
سكت ثانيتين.
شغل كتير مش هتحبيه.
ضحكت رغم دموعي.
إجابة مريبة جدًا.
لأول مرة، سمعت ضحكة خفيفة منه.
وأنا أصلًا مش شخص سهل يتحب.
ماعرفتش ليه، لكن لأول مرة من شهور، حسيت إني عايزة أصحى بكرة عشان أكمل كلام مع حد.
اليوم الثالث الراجل اللي وصل لباب شقتي
في صباح اليوم التالت، كنت قاعدة قدام لوحتي، بحاول أرسم أول خط في الميّه.
إيدي كانت بتترعش، والألوان وقعت مني مرتين.
كنت على وشك أرمي الفرشة لما سمعت خبط على الباب.
فتحت، لقيت راجل طويل لابس بدلة سودا، وملامحه جامدة.
أستاذة مريم؟
أيوه.
أنا فؤاد، مساعد الأستاذ آسر. هو بعتني أسألك إذا كنتِ محتاجة أي حاجة.
بصيتله بريبة.
هو باعتك لحد البيت؟
لو ده مضايق حضرتك، أقدر أمشي حالًا.
كان بيتكلم باحترام، فسمحتله يدخل بعد ما أكدلي إنه مش هيقرب من أي حاجة في الشقة.
بص حوالين المكان، ووقف قدام اللوحة.
حضرتك اللي رسماها؟
أيوه. بس لسه مخلصتش.
شكلها حلو.
ضحكت بمرارة.
دي السما بس. الميّه فاضية.
فؤاد ماعلّقش، لكنه طلع ظرف صغير وحطه على الترابيزة.
الأستاذ آسر بعتلك تذكرة لمعرض فني بيحصل بكرة. مش لازم تروحي لو مش عايزة. هو بس عرف إنك بتحبي الرسم، وفكر إنك ممكن تنبسطي.
بصيت للظرف.
هو فاكر إن الفلوس هتخليني أنسى إني ممكن أموت؟
فؤاد رد بسرعة
لا يا فندم. هو عارف إن الفلوس مش هتعمل كده. بس يمكن تساعدك تعملي حاجة نفسك فيها قبل ما يفوت الوقت.
الكلام ضايقني، لكنه كان صادق.
أخدت الظرف، وقلتله
بلّغه إني مش هروح عشان هو بعتلي التذكرة. هروح عشان أنا عايزة أروح.
هز راسه باحترام.
قبل ما يمشي، سألته
هو آسر عنده كام سنة؟
أربعين.
ومتجوز؟
فؤاد بصلي باستغراب، وأنا حسيت إني اتكسفت من نفسي.
أنا بس بسأل!
ابتسم للمرة الأولى.
لا يا فندم، مش متجوز.
وبعدين خرج.
فضلت واقفة مكاني، مستغربة نفسي. أنا اللي كنت من يومين شايفة إن الحياة خلصت، بقيت بسأل عن راجل غريب.
لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن فؤاد لما رجع لآسر، حط قدامه صورة للوحة اللي شافها في شقتي.
آسر فضل يبص للصورة فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا شوفت اللوحة دي قبل كده.
فؤاد استغرب.
فين يا باشا؟
آسر فتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة باهتة.
كانت صورة بنت صغيرة واقفة قدام بحر وقت الغروب، وماسكة فرشة رسم.
البنت دي كانت أخته، ليلى.
وفي الخلفية، كان فيه توقيع صغير على طرف اللوحة.
نفس التوقيع اللي كان موجود على لوحتي.
آسر رفع عينه فجأة.
عايز أعرف مريم دي مين بالظبط. مش عنوانها ولا شغلها. عايز أعرف مين علّمها ترسم، ومين كان موجود في حياتها وهي صغيرة.
اليوم الرابع السر اللي اتدفن عشرين سنة
روحت المعرض الفني لوحدي.
ماكنتش متوقعة إني هنبسط، لكن أول ما دخلت وشفت اللوحات والألوان، حسيت إني رجعت جزء من نفسي كنت فاكرة إني فقدته.
وقفت قدام لوحة لبحر وقت الغروب، وفضلت أتأملها.
وفجأة، سمعت صوت من ورايا
كنت متأكد إنك هتيجي.
لفّيت، ولقيته.
آسر المنشاوي.
من غير رجال حواليه، ومن غير مظاهر القوة اللي كنت متخيلاها. كان لابس بدلة رمادي غامق، وواقف بهدوء، لكن حضوره كان كفاية يخلي الناس تفسحله الطريق من غير ما يطلب.
بصيتله باستغراب.
إنت جيت بنفسك؟
قلتلك إن التذكرة مش عشان الفلوس. كنت عايز أشوف إذا كنتِ هتختاري تخرجي من البيت ولا لأ.
ضيقت عيني.
يعني كنت بتختبرني؟
لا. كنت بتمنى تيجي.
الكلمة دي سكتتني.
مشينا بين اللوحات، واتكلمنا عن الرسم وعن السفر وعن الحاجات اللي نفسنا نعملها.
ولأول مرة، ماحسيتش إنه بيكلمني كواحد بيشفق عليّا.
كان بيسمعني فعلًا.
لحد ما وصلنا لصورة قديمة معلقة في ركن من أركان المعرض.
صورة لبنت صغيرة بترسم قدام البحر.
وقفت مكاني.
أنا أعرف الصورة دي!
آسر اتجمد.
تعرفيها منين؟
دي كانت في بيت خالتي نوال زمان. كانت عندها صورة شبهها بالظبط، وكانت دايمًا تقول إن صاحبة الصورة ماتت وهي صغيرة.
وشه اتغير.
خالتك اسمها إيه بالكامل؟
نوال عبدالسلام. كانت صاحبة أمي المقربة، وهي اللي ربتني فترة وأنا صغيرة بعد ما أمي ماتت.
آسر بص للصورة، وبعدين بصلي.
مريم، أنا محتاج أسألك سؤال، وعايزك تجاوبي بصراحة.
اتفضل.
والدتك اسمها إيه؟
قلتله اسم أمي.
آسر رجع خطوة لورا، كأنه اتضرب في صدره.
وبعدين قال بصوت واطي
مستحيل.
في إيه؟
ماجاوبش.
طلع موبايله، واتصل بحد، وقال بسرعة
هاتلي ملف ليلى كامل. وكل الصور القديمة اللي في الأرشيف. حالًا.
قفلت المكالمة، وبصلي.
فيه حاجة لازم تعرفيها، بس مش هنا.
خرجنا من المعرض، وركبنا عربيته. لأول مرة، لاحظت إن إيده كانت بتترعش وهو ماسك الموبايل.
وصلنا لمكتبه، وطلع من درج مقفول صندوق خشب قديم.
فتح الصندوق، وطلع منه صور، وخطابات، وأوراق مستشفى.
حط قدامي صورة بنت صغيرة، وقال
دي أختي ليلى. ماتت من عشرين سنة.
بصيت للصورة، وحسيت بقلبي بيدق بعنف.
البنت كانت فعلًا شبه الصورة اللي شوفتها في بيت خالتي.
آسر طلع جواب قديم، وبدأ يقراه بصوت متقطع.
كان جواب من ليلى لأمها، بتحكيلها فيه عن صاحبتها الوحيدة، سارة، اللي كانت بتحب الرسم، وإنها كانت بتتمنى في يوم من الأيام تفتح معاها مرسم صغير للأطفال اللي مش قادرين يشتروا أدوات رسم.
وقفت عند اسم معين.
سارة.
ده كان اسم أمي قبل ما تتجوز.
آسر رفع عينه.
أختي كانت بتتكلم عن والدتك.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
يعني إيه؟
ليلى كانت بتحب أمك جدًا. وبعد ما ليلى ماتت، عيلتنا دخلت في مشاكل كبيرة، وكل حاجة اتفرقت. أبويا كان رافض أي حد من برّه العيلة، وكان عنده خلاف مع ناس كتير. أختي كانت بتحاول تساعد أطفال في المستشفى، ووالدتك كانت بتساعدها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
بعد وفاة ليلى، أبويا قفل كل الأبواب، وأمي ماتت بعده بسنين وهي لسه محتفظة بخطابات أختي.
كنت بعيط من غير ما أحس.
أمي عمرها ما حكتلي عن ليلى.
يمكن لأنها كانت بتحاول تنسى وجع قديم.
آسر طلع ورقة تانية، وكانت مكتوب فيها أسماء أشخاص ومبالغ مالية.
واحد من الأسماء كان اسم الدكتور اللي قاللي إن فاضلي سبع أيام.
بصيت للورقة، وبعدين بصيتله.
إيه علاقة الدكتور بالموضوع ده؟
ملامح آسر بقت قاسية.
ده اللي هنكتشفه.
اليوم الخامس التشخيص اللي اتدفن وراه سر
في صباح اليوم الخامس، اتصل بيا آسر وقال إنه محتاج يقابلني في المركز الطبي.
لما وصلت، لقيت الدكتور شريف موجود، ومعاه طبيب تاني متخصص في حالتي.
قعدنا كلنا في أوضة صغيرة.
الدكتور شريف بدأ الكلام
يا مريم، نتائج الفحوصات الجديدة بتأكد إن حالتك محتاجة علاج مكثف وسريع. لكن فيه تناقضات في التقرير الأول، وده خلانا نراجع كل حاجة من البداية.
الطبيب التاني وضحلي إن بعض النتائج كانت محتاجة تأكيد، وإن التنبؤ بموعد الوفاة بشكل قاطع مش دقيق، خصوصًا من غير استكمال الفحوصات المطلوبة.
حسيت إن فيه باب صغير بيتفتح بعد ما كنت فاكرة إن كل الأبواب اتقفلت.
لكن آسر ماكانش مبسوط.
كان قاعد ساكت، وعينيه على ملف تاني قدامه.
لما خرج الأطباء، حط الملف قدامي.
مريم، أنا مش عايز أخوفك، بس لازم تعرفي إن الدكتور اللي شخّص حالتك الأول عنده علاقة مالية بشركة أدوية خاصة.
قلبي وقع.
يعني إيه؟
الشركة دي كانت بتقدّم عروض علاجية باهظة لمرضى في حالات معقدة. وفيه شكوى قديمة من مريض اتقاله إن فرصته شبه معدومة، وبعدها اتضح إن فيه اختيارات علاجية ما اتشرحتلوش بشكل كامل.
بصيتله بصدمة.
إنت بتقول إن الدكتور كذب عليّا؟
أنا بقول إن فيه شبهة تلاعب لازم تتحقق منها الجهات المختصة. مش هاتهم حد من غير دليل.
حاولت أستوعب الكلام.
هل كان ممكن حد يستغل خوفي ومرضي عشان يكسب فلوس؟
هل كان ممكن أكون صدقت حكم بالإعدام من غير ما حد يتأكد منه؟
آسر قرب الكرسي ناحيتي.
اسمعيني. أنا مش هقدر أضمنلك نتيجة العلاج. ومش هقولك إنك هتعيشي لمجرد إني عايزك تعيشي. لكن أقدر أضمن إنك هتاخدي فرصة عادلة، وإن محدش هيجبرك تختاري علاج قبل ما تفهمي كل حاجة.
بصيتله، وقلت بصوت مخنوق
أنا مش عايزة أموت يا آسر.
لأول مرة،

 

تم نسخ الرابط