قبل سبع أيام
اللي كملت أخيرًا
العلاج كان مرهقًا، وفيه أيام كتير كنت ببقى تعبانة لدرجة إني مابقدرش أقف قدام الشباك.
لكن كل ما كنت أحس إني فقدت الأمل، كنت أبص للوحة.
وأفتكر إني لسه ماكمّلتش الميّه.
آسر كان بيزورني باستمرار، لكن علاقتنا اتغيرت.
ماعدش بيتعامل معايا كأنني مهمة لازم ينجزها، ولا أنا بقيت شايفة فيه المنقذ اللي هيصلّح حياتي كلها.
بقينا بنتكلم بصراحة.
عن خوفه من خسارة الناس، وعن غضبي من السنوات اللي ضاعت مني، وعن إحساسه إنه قضى عمره بيجمع القوة لدرجة إنه نسي يعيش.
وفي يوم، جالي بفرشة رسم جديدة وألوان.
حطهم قدامي وقال
دي مش هدية عشان تشكريني عليها. دي عشان تكمّلي اللوحة.
ضحكت.
إنت فاكر إني هكمّلها بالألوان اللي إنت جايبها دي؟ دي محتاجة فرش أدق!
بصلي بصدمة مصطنعة.
يعني حتى وأنا بحاول أعمل حاجة حلوة، بتنتقديني؟
طبعًا. وإنت اللي قلتلي أبقى صريحة.
ضحكنا إحنا الاتنين.
وفي اليوم ده، رسمت أول خط في الميّه.
وبعد أسبوعين، خلصت اللوحة.
كانت عبارة عن بحر هادي، بيعكس ألوان الغروب، وفي آخره خط نور صغير بيظهر بين السحاب.
ماكانتش لوحة مثالية.
لكن كانت أول حاجة أكمّلها بعد سنين من التأجيل.
علّقتها في شقتي، ووقفت قدامها فترة طويلة.
وبعدين كتبت على ظهرها، بخط صغير
ما تستناش لما تبقى بخير عشان تبدأ تعيش.
بعد ست شهور سقوط الرجل اللي سرق الحقيقة
التحقيق في قضية المرسم استمر شهورًا.
المستندات اللي قدمناها ساعدت في تتبّع تحويلات مالية قديمة، وكشفت تناقضات في الحسابات، لكن القضية مااتحسمتش بمجرد ظهور ورقة واحدة.
بعد مراجعة الأدلة وسماع الشهود، وُجهت اتهامات رسمية لفريد السيوفي في قضية الاستيلاء على أموال المؤسسة، واتحالت القضية للمحاكمة.
أما الدكتور اللي شخّص حالتي، فخضع لتحقيق منفصل بسبب التناقضات في تقاريره وعلاقاته المالية، وتم اتخاذ إجراءات مهنية وقانونية في حقه وفقًا لما ثبت من أدلة.
ماكانش فيه انتقام سري، ولا اختفاء غامض، ولا حد اتقتل عشان الحقيقة تظهر.
الحقيقة ظهرت بالطريقة الأصعب بالأوراق، والشهادات، والتحقيقات، والصبر.
وفي النهاية، صدر حكم بإدانة فريد في جرائم مالية ثبتت عليه، وأُلزم برد الأموال اللي أمكن تتبّعها، واتخصص الجزء المسترد من الأموال لإعادة تأسيس المرسم الخيري، وفقًا للقرارات القانونية المنظمة للمؤسسة.
أما آسر، فقرر يبعد عن الأنشطة الإجرامية اللي كانت جزءًا من حياته لسنين.
ماكانش التحول سهل، ولا حصل في يوم وليلة.
واجه تحقيقات عن أعماله السابقة، وسلّم مستندات تخص وقائع كان ليه دور فيها، وبدأ يتحمل مسؤولية اختياراته بدل ما يستخدم نفوذه عشان يهرب منها.
ولأول مرة، بقى عنده حاجة يخاف يخسرها غير السلطة.
بقى عنده مستقبل ممكن يختاره بنفسه.
بعد سنة آخر مفاجأة من ليلى
في الذكرى السنوية لوفاة ليلى، دعاني آسر لحضور افتتاح المرسم الجديد.
كان المكان صغيرًا في البداية، لكنه مليان ألوان وضحك وأطفال بيرسموا على الترابيزات.
على الحيطة الرئيسية، كانت فيه صورة كبيرة لليلى، وتحتها صورة أمي.
وبجانبهم، اتعلقت لوحتي.
وقفت أتأمل المكان، وحسيت إن فيه حاجة ناقصة.
سألت آسر
هو المرسم ده كان حلم أختك فعلًا؟
ابتسم.
أيوه. كانت عايزة أي طفل يدخل هنا يلاقي ورق وألوان، حتى لو مش معاه فلوس.
طلع من جيبه ظرفًا قديمًا.
لقيت ده في صندوق أمي، وسط خطابات ليلى. مكتوب عليه اسم والدتك.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه جواب قصير من ليلى لأمي.
يا سارة، لو في يوم ماقدرتش أكمل الحلم، أوعي تخلي مريم تكبر وهي فاكرة إن الحياة لازم تستنى لما كل حاجة تبقى مثالية. خليها ترسم حتى لو إيديها بتترعش، وتسافر حتى لو خايفة، وتحب حتى لو عارفة إن الحب ممكن يوجع. أهم حاجة، ما تخليهاش تعيش عمرها كله وهي مستنية الوقت المناسب.
حطيت إيدي على بقي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أمي كانت احتفظت بالجواب، لكن ماقدرتش تحكيلي عنه.
ولسبب ما، وصلتني الرسالة في الوقت اللي كنت فيه محتاجة أسمعها أكتر من أي وقت.
بصيت لآسر.
يمكن أنا ماكنتش محتاجة سبع أيام زيادة وبس.
أمال كنتِ محتاجة إيه؟
ابتسمت وسط دموعي.
كنت محتاجة أعرف إن حياتي لسه بتاعتي.
بعد سنتين الاختيار الأخير
السنتين اللي عدّوا ماكانوش حكاية خيالية.
كان فيه أيام كويسة، وأيام صعبة، وفحوصات بتخليني أستنى النتائج وأنا قلبي مقبوض.
لكن علاجي استمر، وحالتي استقرت لفترة طويلة، وبقيت أقدر أرجع للرسم وأدير المرسم وأعيش حياة ماكنتش متخيلة إني هلحق أعيشها.
وفي يوم من أيام الربيع، أخدني آسر للبحر.
كان المكان هادي، والشمس بتغيب، والميّه بتعكس درجات البرتقالي اللي بحبها.
وقف جنبي فترة من غير ما يتكلم.
وبعدين قال
مريم، أنا محتاج أقولك حاجة.
بصيتله.
قول.
أول مرة شوفت رسالتك، افتكرت إني بساعدك عشان أصلّح حاجة ماقدرتش أصلّحها مع ليلى. كنت فاكر إن الموضوع مجرد محاولة أعوّض بيها ذنب قديم.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن مع الوقت، فهمت إنك مش أختي، ومش مسؤوليتي، ومش مشروع لازم أنقذه. إنتِ إنسانة ليها حياتها وقراراتها، وأنا بقيت عايز أكون جزء من حياتك، لو إنتِ عايزة ده كمان.
قلبي دق بسرعة.
ماكانش بيطلب مني وعدًا إني أفضل عايشة.
وماكانش بيطلب مني أكون ممتنة ليه.
كان بيسألني إذا كنت عايزة أختاره.
بصيت للبحر، وبعدين رجعت بصيتله.
أنا مش هقدر أوعدك إني مش هخاف. ومش هقدر أوعدك إن كل يوم هيبقى سهل.
مش طالب منك ده.
ومش عايزة أعيش حياتي كلها وأنا حاسة إني مدينة ليك عشان وقفت جنبي.
رد فورًا
ولا أنا عايزك تحسي بكده. لو في يوم حسيتي إنك مش عايزة تكمّلي معايا، هحترم قرارك.
ابتسمت.
طب يبقى عندي شرط.
قولي.
المرسم يفضل مفتوح للأطفال، حتى لو إحنا اختلفنا في أي حاجة.
ضحك.
ده شرط غريب جدًا لواحد لسه بيطلب إيدك.
رفعت حاجبي.
يعني إنت بتطلب إيدي؟
بصلي، ولأول مرة شفت الراجل اللي الناس كلها كانت بتخاف منه مرتبكًا فعلًا.
أيوه يا مريم. لو موافقة.
بصيت للشمس وهي بتغيب، وافتكرت البنت اللي كانت واقفة في شقتها من سنتين، مقتنعة إن فاضلها سبع أيام وبس.
البنت اللي بعتت رسالة لغريب لأنها ماكانتش لاقية حد تسمع معاه خوفها.
البنت اللي كانت فاكرة إن قصتها انتهت قبل ما تبدأ.
وبعدين رجعت بصيت لآسر.
موافقة. بس المرة دي، أنا اللي هختار الألوان بتاعة البيت.
ضحك من قلبه، ومد إيده.
مسكتها.
ماكانش فيه وعد بالخلود، ولا ضمان إن الحياة هتكون سهلة.
كان فيه اختيار واضح من اتنين عارفين إن الوقت غالي، وإن الحب الحقيقي مش إن حد ينقذك من كل ألم، لكن إنه يقف جنبك من غير ما يسلبك حقك في اتخاذ القرار.
النهاية الرسالة اللي ماكانتش الأخيرة
بعد خمس سنين، كنت قاعدة في المرسم، بساعد بنت صغيرة ترسم أول لوحة ليها.
كانت عندها تسع سنين، وخايفة إن رسوماتها مش حلوة.
قلت لها
مش لازم أول لوحة تبقى أحسن لوحة في الدنيا. المهم تكمّليها.
بصتلي وسألت
طب لو ماعرفتش؟
ابتسمت، وناولتها الفرشة.
جربي. ولو ماعجبتكيش، ارسمي واحدة تانية.
بعد ما خرجت، رجعت لمكتبي، وفتحت درجًا صغيرًا.
كان جواه الموبايل القديم اللي بعت منه رسالتي الأولى.
لسه محتفظة بالمحادثة.
قرأت رسالتي القديمة
النهارده الدكتور قالي إن فاضلي سبع أيام بس في الدنيا.
وبعدين قرأت رد آسر
التقدير ده محتاج يتراجع. ابعتيلي التقرير لو حابة.
ضحكت وأنا بفتكر قد إيه كان رده غريبًا، وقد إيه كنت فاكرة إنه مجرد شخص فضولي.
بعدها بدقايق، دخل آسر المرسم، وحط قدامي كوب القهوة اللي بحبه.
بص للموبايل وسألني
لسه بتقري الرسالة دي؟
قلتله
كل سنة في نفس اليوم.
وليه؟
قفلت الموبايل، وبصيتله.
عشان أفتكر إن أصعب يوم في حياتي ماكانش نهاية حكايتي. كان اليوم اللي بدأت فيه أطلب المساعدة بدل ما أستسلم في صمت.
آسر قعد جنبي.
ولو الرسالة ماوصلتش ليا؟
فكرت شوية، وبعدين قلت
يمكن كنت هبعت رسالة لحد تاني. ويمكن كنت هحتاج وقت أطول عشان ألاقي المساعدة. بس اللي اتعلمته إن حياتي ماكانتش متوقفة على ردك إنت بالذات. إنت ساعدتني ألاقي باب، لكن أنا اللي كان لازم أقرر أفتحه.
ابتسم، ومسك إيدي.
في اللحظة دي، رن جرس المرسم، ودخلت مجموعة جديدة من الأطفال.
قمت أرحب بيهم، وبصيت للوحة الغروب المعلقة على الحيطة.
اللوحة اللي فضلت شهور من غير ميّه.
اللوحة اللي كنت فاكرة إني مش هلحق أكمّلها.
واللي بقت كل يوم تفكرني إننا ساعات بنعيش كأن عندنا وقت لا نهائي، وساعات تانية بنفتكر إن النهاية قربت، فننسى إن فيه حاجات لسه ممكن تبدأ.
أنا ماكنتش أعرف إذا كنت هعيش سنة، أو عشر سنين، أو أكتر.
لكن بقيت أعرف حاجة واحدة.
مش لازم نضمن إن بكرة هييجي عشان نعيش النهارده.
والرسالة اللي بعتها لغريب قبل ما أموت بسبع أيام، ما أنقذتش حياتي بطريقة سحرية.
هي بس خلت حد يسمعني، ويساعدني أوصل للحقيقة، وأخد فرصة عادلة للعلاج.
وبعدها، أنا اللي اخترت أكمّل.
أما آسر المنشاوي، الراجل اللي كان فاكر إن القوة معناها إنه يقدر يتحكم في كل حاجة، فاتعلم إن فيه حاجات ماينفعش تتحكم فيها، زي المرض، والوقت، ومشاعر الناس.
واتعلم إن أعظم حاجة ممكن يعملها مش إنه ينقذ العالم كله.
لكن إنه يبقى صادق، ويتحمل مسؤولية أفعاله، ويسيب للي بيحبهم حرية الاختيار.
وفي آخر اليوم، وأنا بقفل باب المرسم، وصلني إشعار على الموبايل من آسر، رغم إنه كان واقف جنبي.
فتحته، ولقيت رسالة واحدة
لسه عندنا غروب نرسمه بكرة.
بصيتله، وضحكت.
وكتبتله
بس المرة دي، إنت اللي هترسم الميّه.
رد فورًا
اتفقنا. بس لو اللوحة طلعت وحشة، هنقول إنك اللي علمتيني غلط.
ضحكت لدرجة إن دموعي نزلت.
وبعدين حطيت الموبايل في جيبي، وخرجت معاه من المرسم.
كانت الشمس بتغيب، والسماء مليانة ألوان.
ولأول مرة من سنين، ماكنتش ببص للغروب وأنا خايفة إنه يكون الأخير.
كنت ببصله وأنا بفكر في بكرة.
تمت.